أودت رصاصة بحياة أحمد (45) سنة؛ أمام باب منزلة بعدما طرقها مسلحون مجهولون يرجح أنهم يثأرون لابن عمهم الذي قُتل بسبب رصاصة طائشة من بنادق عشيرة أحمد.

وتروي لنا ابتهال (30) سنة زوجة المقتول أن أحمد لم يكن يعلم بمصيره، فهو بعيد جدا عن الصراعات العشائرية في المنطقة. فقد ترك طفلين يتيمين وأرملة بدون سبب! هكذا تسير الأيام في مدينة العمارة جنوب شرق بغداد، ثأر وسلاح منتشر ومراهقون ينفذون الأحكام العرفية دون رادعٍ أو رقيب.

سبات للصراع وعودة ميمونة!

ما إن اعلنت اللجنة الأمنية في مجلس محافظة البصرة، الأربعاء الماضي عن تراجع النزاعات العشائرية في المحافظة. حتى انتقلت في محافظة ميسان (العمارة) التي تبعد حوالي 80 كيلو مترا. وراح ضحيتها عدد من القتلى والجرحى باستخدام أسلحة خفيفة ومتوسطة. بالرغم من أن المصادر الأمنية في المحافظة لم تعلل سبب المواجهات، لكن تبقى الصراعات العشائرية محصورة بين الثأر والأرض والنساء.

هذه المرة تجدد الصراع على محاور متطورة؛ مما استدعى طلب عضو في مجلس محافظة ميسان، الجمعة، رئيس الوزراء حيدر العبادي بالتدخل الفوري لإنهاء النزاعات العشائرية في المحافظة، عازيا سبب تلك النزاعات إلى محاولات السيطرة على منفذ الشيب الحدودي.

إجراءات الحكومة الاتحادية

بين الضعف والإهمال وعدم الاكتراث لما يجري، هكذا صنف مراقبون دور الحكومة الاتحادية في تقويض النزاعات التي يذهب ضحيتها عشرات المواطنين فدور الحكومة في فرض القانون معدوم جزئيًا، وظاهرة انتشار السلاح غير المرخص وعدم وجود إحصائية رسمية بعدد الذخائر والقطع هو سبب آخر في فقدان السيطرة الأمنية.

بينما يعزي آخرون تعاظم دور شيوخ العشائر في انتهاكهم للأمن المجتمعي هو تغاضي بعض الأحزاب المتنفذة في الحكومة آملين دعم العشائر في الانتخابات. ولا يخفى أن أغلب الشيوخ هم ممن انخرط في العمل السياسي، وتبوأ مناصب كبيرة في المجال التشريعي والتنفيذي.

(الاقتتال) في الفضاء القيمي العشائري

إن القتل واستخدام السلاح وأخذ الثأر باليد دون الرجوع للحاكم الشرعي والقضاء هي من سمات الشخصية (الريفية) المهمة، والتي يُصنف فيها الرجال بأنهم رجال. فالأعراف الاجتماعية والنظام القبلي، هو خارج سيطرة القانون (المتمدن) الذي يرون فيه ملجأ للجبناء!

ففي الحكايات الشعبية أيضا يروي لنا التراث العشائري أن شخصية (سبع الليل) هي الشخصية الاستهتارية التي تسطو وتقتل وتسرق دون معرفة الإمساك به. فهذه الثقافة المتمرسة في (ذهن المراهق الريفي) هي دافع كافٍ للخروج عن القانون ومسايرة البطولة الشعبية.

الاقتتال العشائري لم يكن وليد اللحظة، ففي القرن الثامن والتاسع العشريين شهدت مناطق جنوب العراق اقتتال راح ضحية المئات على مدى عقود من الزمن.

ولولا تدخل (الفريضة) وهو شخص مسؤول في حل النزاعات يتم اختياره من قبل المتنازعين، بالإضافة إلى فرض (السانية)، وهو القانون العشائري المتوارث، لم تكن المناطق لتهدأ.

بالإضافة إلى اللجوء في استقطاع الأراضي الفاصلة بين العشيرتين، وإسكان أحد السادة (أحفاد الرسول) ليكون فاصلا لا يستطيع أحد المتنازعين العبور على أرضه ومهاجمة الآخر.

هيمنة وفقر واقتصاد مضطرب

ربما اضطراب الاقتصاد في مناطق جنوب العراق هو الدافع الرئيس في نشوب النزاعات؛ حيث لا زراعة ولا تصدير ولا أموال واستقرار، فمعظم الفلاحين هجروا الريف نحو المدينة بحثا عن عمل يسد حاجة الرغيف.

فلو وضع الأمر بمقارنة بين عشائر العراق وعشائر الخليج لنجد أن الهدوء في الخليج ناجم عن استقرار دخل المواطن الريفي. فالمواطن لا يثير الشغب خوفا من عرقلة سير الشركات الأجنبية التي تدر عليه الأموال، بالإضافة إلى عدم وجود فراغ ذهني يحوله لداعٍ للشغب. ناهيك عن حصر السلاح بيد الدولة، وفرض القانون المدني في ( بعض الأحيان).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد