حارة الصالحية، إحدى حارات القاهرة الفاطمية، التي يمتلئ عبقها برائحة السلاطين والأمراء، ولعل أبرزهم السُلطان ” الصالح نجم الدين أيوب ” وزوجته السلطانة “شجر الدر”، والتي حينما شعرت بمؤامرة لقتلها جمعت حُليها ومُجوهراتها وسحقتها بالدق في “الهون”، وألقت بها في حديقة قصرها الذي يطل جانب منه علي الحارة، فلم تكن تُدرك وقتها أن هذا المكان سيُصبح فيما بعد سُوق للأحجار الكريمة في مصر.

من عدة طرق مختلفة، يمكن للزائر أن يصل لحارة الصالحية عن طريق شارع المُعز الذي يكمن سُوق الصاغة عند طرفه ناحية الأزهر والمُوسكي، وذلك عبر عدة مداخل الأول من شارع الأزهر للقادم من حي الغورية، والثاني من شارع خان الخليلي للقادم من مسجد سيدنا الحسين والثالث من الموسكي.

ويشكل موقع الحارة مربعا متكامل الأضلاع، إذ يمتد من شارع المعز غربا إلى خان جعفر شرقا، ومن بيت القاضي شمالا إلى سكة الباديستان (خان الخليلي) جنوبا، ويتوسط هذا المربع المدرسة الصالحية، إلى جانب سبيل وكتاب خسرو باشا الذي بني عام 1535م، في حين يتلاصق سبيل ومدرسة الظاهرية مع المدرسة الصالحية.

ويرجع اسم حارة ” الصالحية “، نسبة إلي مدرسة الصالحية، التي تمر الحارة بين جدرانها، وهي المدرسة التي بناها الملك الصالح نجم الدين أيوب عام641 هـ 1243م ، كأول جامعة بمصر لدراسة المذاهب الإسلامية الأربعة، وداراً للقضاء.

1
ويقول ” فكري أحمد ” أحد البائعين بمحلات عصام رشاد، أقدم تُجار الأحجار الكريمة الطبيعية في حارة الصالحية ” أعمل بهذه المهنة منذ أكثر من عشرين سنة، وتعلمت فيها الكثير على يد الحاج عصام رشاد، وما أعلمه أن اليهود أصل هذه التجارة بهذا السوق، ثم تناقلها عنهم المصريون”.

وعن أهمية السُوق يضيف “فكري” ،”هذه الحارة تعد مركزاً لتجارة الأحجار الكريمة الطبيعية والصناعية وكل مستلزمات صناعة الحُلي، بالإضافة إلي أنها تضم مجموعة من ورش حك وقطع وصقل وتركيب الأحجار، كما تضم ورش تصنيع وطلاء المشغولات المعدنية “.
واعتبر “رأفت عبد النعيم” صاحب ورشة لتشغيل المعادن أن ورش التصنيع جزء مُكمل لسُوق الأحجار الكريمة، فيقول: ” أعمل بهذا المكان منذ أربعين سنة، ومعظم زبائني من السيدات اللاتي يطلبن توظيف الأحجار الكريمة في قطع من الحلي الفضية والنحاسية”.

وعن الفئات التي تتردد على المكان، أشار ” فكري”: “أن الحارة مقصد لفئات مختلفة ممن يهتمون بالأحجارالكريمة، لكن أكثرهم من الفتيات والسيدات، حيث يصنعن منها حُلي إكسسوار، منهن من يستخدمها في تصميم إكسسوار شخصي، وأُخريات من أصحاب المشاريع الصغيرة التي يستخدمونها كوسيلة لكسب العيش “.

بينما يُشير “أيمن محمد” صاحب متجر “ركن الفيروز” بالصالحية، إلى أن أكثر من يقصدون الحارة لشراء الأحجار الطبيعية هم السائحون الأجانب، أما الأحجار شبه الكريمة والصناعية، فالسيدات هن أكثر من يُقبلون عليها، لكن الصالحية بالأصل هي سُوق جملة، وبالتالي فالتُجار لا يعتمدون علي البيع القطاعي ، لذلك فتعامُلنا بالأساس يكون مع أصحاب الورش الكبيرة في إنتاج الحُلي والإكسسوار.

 

وتقول فنانة الحُلي التونيسية “رجاء البولاهمي”، “زيارتي الأولى لحارة الصالحية كانت بمثابة بداية جديدة في حياتي، فمعها تعرفت على موهبتي في تصميم الحُلي والإكسسوار، ثم إنشاء ورشة صغيرة لتصميم وتنفيذ الحُلي، زيارة حولت حياتي من ربة منزل إلي صاحبة مشروع، وفنانة حلي مشاركة في معظم مهرجانات ومعارض الحرف اليدوية”.

وعن نوعيات الأحجار الكريمة المعروضة، أوضح “فكري”، أن السوق غني بمجموعة كبيرة من الأحجار الكريمة وشبه الكريمة، بالإضافة إلى الأحجار الصناعية، فتجد بين المعروضات أحجار الزُمرد والمُرجان والفيروز واللؤلؤ والتوباز والأماتيست والفيروز والعقيق والسترين والجاسبر والجشمت والجاد والعقيق بأنواعه.

بينما يؤكد ” أيمن محمد “، أن حارة الصالحية تشتهر بثلاثة أنواع نادرة من الفيروز حول العالم هو: الفيروز المصري، والفيروز الأمريكي، والفيروز الإيراني.

وأشار “فكري ” إلي انخفاض الطلب على الأحجار الكريمة الطبيعية، نتيجة تشبع السوق بأحجار صناعية ومقلدة منخفضة القيمة والثمن، ويفسر ذلك “أيمن محمد : “أن زيادة إقبال الفتيات والسيدات علي الأحجار الصناعية، يرجع لكثرتها وانخفاض ثمنها، بالإضافة إلى تنوع ألوانها وأشكالها، حيث استطاعت الصين باستخدام تقنية الليزر إضفاء ألوان متعددة على كثير من الأحجار الصناعية.

 
وعن أسعار الأحجار الكريمة، أوضح “أيمن محمد”، أن الأحجار الكريمة الطبيعية تباع بالقيراط، بينما شبه الكريمة والصناعية تُباع بالجرام، بينما يؤكد “فكري”، أن الزُمرد والزفير والياقوت والسترين والفيروز، هي من أغلى الأحجار الكريمة، وأوضح أن تشبع السوق بالأحجار الصناعية، واحتدام المنافسة بين التُجار، أدى إلى انخفاض أسعار الأحجار الصناعية، أما الأحجار الكريمة فما زالت مُحافظة على ثمنها.

 
وعن حالة الرواج في سُوق الأحجار يرى ” فكري أحمد ” أن إرتفاع أسعار الذهب أدى إلى حُدوث رواج جزئي في حركة البيع في سُوق الأحجار، ولكن الوضع السياسي الغير مستقر ما زال يلقي بظلاله على الحالة الاقتصادية، بينما يختلف معه “أيمن محمد” في الرأي، حيث يرى أن ارتفاع أسعار الذهب أصاب سُوق الأحجار الكريمة بالركود، حيث يدخل كثير من الأحجار الكريمة وشبه الكريمة، كجزء مُكمل لكثير من القطع الذهبية، مثل الألماس والزريكون الأمريكي وغيرها من الأحجار.

2

وقد أوضحت د. وسام انسي، أستاذ تصميم الحُلي بكلية الفنون التطبيقية، أهمية ودور حارة الصالحية كسوق في نمو وازدهار مجال تصميم الحُلي والمُجوهرات، بالإضافة إلي الشق التعليمي، حيث توفر للطلاب بيئة عملية للتعرف على الأحجار الكريمة.
كما أشارت إلى فقر الدول وتُجار الصالحية في تنظيم فعاليات للترويج إلى حارة الصالحية، مثل تنظيم معرض سنوي أو مهرجان، أو خلق ” برند نيم ” للمنتجات سُوق الصالحية، كما يمكن من خلالها فتح الأبواب لاكتشاف الموهوبين وتأهيل مجموعة من الشباب على هامش المعرض أو المهرجان.

وحول هذه الفكرة، أكد كل من ” فكري أحمد ، أيمن محمد “، أن تُجار الصالحية لا يشغلهم مثل هذه الأفكار، فكل منهم مرتبط بتجارته واعتماده على الاستيراد من الخارج ، بالرغم من أهميتها في زيادة حركة رواج الأحجار الكريمة .
( تقرير مصور عن حارة الصالحية سوق الأحجار الكريمة في مصر ، من إنتاج IBA media ، تعليق وإخراج محمد شادي ).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد