محمد علوانى

187

محمد علوانىسليمان

187

ما زلت أتذكر أول مرة رأيته يوم دشنت قريتنا مشروع بناء معهدها الأزهري باحتفالية دعت إليها هذا الرجل الصالح مع الإذاعي عزت حرك. كان لقاء الوجوه الإذاعية بالنسبة لمثلي في ذلك الوقت مبهرا حيث حداثة سني وطبيعة البيئة الريفية التي نشأت فيها، وذلك قبل أن ينضج فكري وتتسع مداركي لأميز غثها من ثمينها – وغثها والله أكثر من ثمينها – ولذا فقد كنت مشدودا ومتطلعا لأري وأسمع الإذاعي عزت حرك الذي بدأ اللقاء بكلماته الساحرة وصوته المميز مقدما المهندس صلاح عطية الذي لم أكن مشغولا بأمره كثيرا! ولكنه ما أن تكلم حتى ملك القلوب وشد إليه العيون بالرغم من بساطة كلماته ومظهره.

رأيته رجلا متبسطا في ثيابه رغم ما سمعناه عن ثرائه، منخفض الصوت كلماته بسيطة ليس فيها تكلف، بدأ حديثه بكلمة: يا رب، فعكس بهذه الكلمة حقيقة اتصاله واستعانته بالله وحده، فأنصت له الناس، وكأن على رؤوسهم الطير! ولخص طموحه لنشر الخير في ربوع مصر بحديث حفظته منه: (عبدي أنفق أنفق عليك). ولخص وسيلته لتحقيق طموحه بالتبرع أمام الناس بجزء من ماله على أن يستكمل الناس مشروعهم بأنفسهم، فهو يشاركهم ولا ينوب عنهم، وما لبث أن أنهى كلمته حتى رأيت النساء يخلعن حليهن تبرعا والناس يتبارون في التبرع والمكاتبة. فاستطاع الرجل بحاله قبل مقاله أن يستثير الخير الكامن في القلوب وأن يخرج أجمل ما في قلوب الناس، وكان هذا حاله حتى توفاه الله فأنجز من الأعمال ما يثير الدهشة والعجب حتى صار بحق أمة وحده!

ثم رأيته في شركة الكنانة لجدود الدواجن والتي كان يشارك فيها المهندس عبد السلام حجازي  – وهو شريك له في الخير  – وكنت قد قمت بزراعة خمسين فدانا من الكنتالوب لهما بمعاونة فنية من أحد الأصدقاء الأكفاء، وهو المهندس محمد الديب. زارني المهندس صلاح عطية في الحقل، وكانت حشرة المن قد انتشرت في الحقل بطريقة أعيتني في مكافحتها – وكان هذا وباء قد انتشر في المزارع حولنا في مدينة وادي النطرون – فنظر إلي المهندس صلاح عطية وإلى الحضور، وقال مازحا صادقا: وإن لم يأكل المن عندنا فأين يأكل؟ ههههههههههههه.

دفعني الخير الذي رأيته في هذا المكان لأن أتساءل عن هذين الرجلين الصالحين، فعرفت أنهما بدءا حياتهما فقيرين تخرجا من كلية الزراعة مع زملاء لهما سبعة قرروا معا أن يقيموا مشروعا لزراعة الدواجن بمساهمة من كل منهم بمبلغ كبير في ذلك الوقت (200) جنيه وبحثوا عن شريك عاشر ليستكملوا المبلغ المطلوب للمشروع حتى أعياهم البحث دون جدوي!

وإذا بالمهندس صلاح عطية يقول لهم لقد وجدت الشريك العاشر، فسألوه عن اسمه فقال لهم: الله! ندخله معنا شريكا عاشرا على أن يحفظنا في مشروعنا من الآفات والأوبئة! فوافق الجميع وكانت النتيجة مبهرة وغير متوقعة فزادوا نسبة الله إلي عشرين في المائة! والخير يزيد وظلوا يزيدون في النسبة حتي وصل حق الله في مالهم إلى خمسين بالمائة!

ماذا فعلوا بهذه النسبة؟ معهد أزهري في تفهنا الأشراف للبنين والبنات في كل مراحل التعليم، وجامعة، وخط سكة حديد يربط تفهنا الأشراف بما حولها ليعم الخير والتذكرة مجانية للطلاب، ومعاهد أزهرية في عموم مصر سمعت من الرجل الصالح يوم زارنا في قريتنا انه يطمح لبناء أربعة آلاف معهد! وبيوت مال للمسلمين في كل قرية يزورها لحث الناس علي الخير وتنظيم الجهود!

رحل صلاح عطية اليوم عن عالمنا ليلقي ربه بإذن الله راضيا مرضيا – رحل تاركا أثره شاهدا له – رحل وكل القلوب التي عرفته ونالها خيره تدعو له – رحل وصفحة حياته البيضاء رغم جواذب الأرض شاهدة علينا – تري عند مماتنا أي أثر خلفناه؟ وبأي قلب نلقي الله؟

رحم الله الرجل الصالح رحمة واسعة يرضي بها عنه وتقبله في الصالحين وأسكنه الفردوس الأعلى، وختم لنا جميعا بخاتمة الرضا والقبول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك