أحمد الصالح 54
أحمد الصالح 54

سبع سنوات من التعنّت الأمني الفاشي المتمثّل بالأسد ودائرته الضيقة الحاكمة، مستعينة بطوائف لا حصر لها من المرتزقة العراقيين واللبنانيين والأفغان والروس والإيرانيين، ومختبئًا خلف وعود أصدقاء الشعب السوري الكاذبين، ومتكئًا على الوساطة الأممية الخائنة المنحازة له، ضاربًا بسيف الفيتو الروسي كلّ ما من شأنه محاسبته دوليًا، وقبل كلّ شيء مستندًا إلى الودّ الإسرائيلي له كونه الحارس الأمين لحدودها منذ أيام والده حتى اليوم.

سبع سنوات والأسد يرفض أن يصغي أذنه لصوت شعبه ولو أنّه تنازل في بدايات حكمه عن شيء من طغيانه وجدّ في الإصلاح واستيعاب الموجة الثائرة في بدايتها ما كنّا وصلنا إلى هذه الحال لا نحن ولا هو، فحتى هو نفسه قدّم من التنازلات ما لا يقارن بما كان يستطيع أن يقدّمه في بداية الثورة، فهو صار رجل كرسي أمام الوجود الميليشاوي لحزب الله وميليشيات إيران وقواعد أمريكا وروسيا، ناهيك عن فقدانه كامل السيطرة على الشمال السوري والمنطقة الشرقية وأجزاء واسعة من وسط سورية، ناهيك أنّ حلب ليست له والقصير وأجزاء من الساحل، وما عاد للنظام على الأرض إلا الإدارة المدنية، اما السيادة الحقيقية فقدها تمامًا، فماذا يعني تغيير رأس النظام في هذه الفترة؟

حقيقة لا يعني أيّ شيء! لأنه ليس صاحب قرار ولا رجل دولة، وما هو مختار لقصر المهاجرين ولا يملك من الأمر شيئًا، حتى على مستوى القاعدة الجماهيرية المؤيدة له فهو لم يعد الأسد الذي يتغنون به، ولو لاحظنا حتى وجوه المحسوبين عليه في لقاءاتهم وحواراتهم فقد صاروا يسمعون شتيمة الأسد دون أن تتحرّك غريزتهم التشبيحية، بل صار الأسد عالةً حتى على مؤيديه وورقة محروقة لا أكثر.

لذلك نجد الروس والأمريكان يسرّبون التطمينات بأن الأسد أصبح من الماضي، وأنّ فاروق الشرع سيكون في واجهة المرحلة المقابلة رئيسًا سنّيًا للبلد، وقد ادّخرت هاتان الدولتان الشرع منذ أيام الثورة الأولى فلم يُسمح له بالانشقاق ولم يُجبر على التشبيح للأسد، وحافظ على توازن موقفه بحماية دولية وعجز من قبل النظام أن يسيء إليه أو هدّده، وكذلك يتم ادخار مجموعة من الأسماء لهذا اليوم، يوم رحيل الأسد، ليكونوا عونًا للشرع في مرحلته القادمة أمثال علي حبيب وعلي مملوك ومناف طلاس وغيرهم من الأسماء التي تلقى احترامًا من قبل الدول الداعمة والإقليمية والتي تمثل حلقة الوصل بين أطراف الصراع الدولي والإقليمي على سورية.

الثورة السورية غير معنية بشخص الحاكم بقدر عنايتها بآلية وطبيعة الحكم، فإسقاط النظام هو وسيلة وليس مطلق الغاية الثورية، لأن هدف الثورة أسمى من النظام وإسقاطه.. هدف الثورة هو الحرية، فأي نظام حاكم لا يوفّر الحرية هو نظام منبوذ من قبل الشارع الثائر أيًا كان رأسه

أمام الشرع تحدّيات كثيرة إن صحّت الأخبار بتأهيله للمرحلة المقبلة، أول تحدٍّ له ألا يكون نسخة عن عبد ربه منصور هادي،فالتجربة اليمنية تجربة قاسية ومرّة وإعادتها في سورية يعتبر انتحارًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وعسكريًا لسورية وشعبها ومن يحيط بها، ولا يستطيع أي حاكم توافقي – إن كان الشرع أو غيره – أن يتمتع بأقل صلاحيات القائد الحقيقي ما لم يفكّك المنظومة الأمنية الأسدية، وأن يضع يده على الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري وتسريح ضباطهم، بالإضافة إلى ترحيل الأسد إلى خارج سورية ومحاكمته غيابيًا لكي يتم ضمان عدم عودته للحياة السياسية السورية.

أما التحدي الثاني هو بتجنيب سورية التجربة اللبنانية واتفاق الطائف المهترئ، وذلك لا يكون إلا بالخلاص من جميع الجيوب العسكرية الإيرانية واللبنانية والعراقية داخل سورية،بالإضافة إلى تفكيك عصابات الشبيحة في الساحل، فهذه المجاميع المسلّحة هي بؤر سرطانية جاهزة لتحويل أي منطقة يسيطرون عليها إلى ضاحية جنوبية جديدة وبناء دولة داخل الدولة السورية.

أما التحدي الثالث هو بتأمين تقاطع المصالح الأمريكية والروسية والمصالح الإقليمية، وهذه الأمور تحتاج إلى شخص مخضرم سياسيًا وأظنها النقطة الوحيدة التي يستطيع تجاوزها ثعلب الشرق الأوسط فاروق الشرع إن قرّب إليه شخصيات مقبولة إقليميًا كمناف طلاس ومحمد فارس وغيرهم ممن لم يدخلوا بسجالات وخلافات الدول الإقليمية.

كما أنّ أمام الشرع تحديات اجتماعية لإعادة ترميم البنية الاجتماعية السورية، وتسيير أعمال إعادة الإعمار وضمان الحريات الشخصية والإعلامية، وفتح سورية للسوريين جميعًا ليبنوها ويحموها وينشؤوا دولتهم التي ينشدونها بعيدًا عن ألسنة اللهب وأصوات الرعب، وبعيدًا عن الفساد الذي صنعه الأسدان الأب والابن ومن معهما، فهل يمتلك روّاد المرحلة القادمة الجرأة والقدرة على تجاوز تحديات ما بعد الحرب، أم أنّنا سنبقى ننتظر الحسم العسكري؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك