هذا المقال ليس بهدف الدفاع عن شخص أو مهاجمة شخص وإنما لخلط الأوراق والتأكيد على فكرة عدم وجود ملائكة بالتاريخ وإنما الحكم هو العقل وليس عدة صفحات من كتاب واحد.

لعل العنوان يمكنه أن يفسر ما يدور حوله هذا المقال، ولكن دعونا نبدأ بما بدأ به هذان الشخصان مذكراتيهما، وفي الأغلب ما بدأ به معظم من كتب مذكراته في تلك الحقبة. يبدأون بأن كتابة تلك الكلمات ليست إلا لتعليم ونقل وترسيخ ما عانوه وإبراز الدروس المستفادة والأخطاء حتى تستفيد منها الأجيال القادمة، ليس لاتهام أو لتبرير موقف.
ولكننا نجد أنفسنا بصدد كلمات متناقضة وتاريخ مزور واتهامات هنا وهناك على عكس ما تبدو كلمات مليئة بالشفافية والملائكية.

في إحدى اللقاءات الهامة على قناة الجزيرة يستضيف الإعلامي أحمد منصور الفريق سعد الدين الشاذلي وهو رئيس أركان حرب فترة التي وقعت بها حرب أكتوبر 73، كان ذلك قبيل ثورة الخامس والعشرين من يناير، تنتشر المقابلة بين أوساط الشباب المعتقد أنه أخيرًا وضع يده على شيء حقيقي يدين به النظام العسكري.

تجري المقابلة المشابهة لمذكرات الفريق بداية من التحضير للحرب ثم الحرب من تطوير الهجوم إلى ثغرة الدفرسوار حتى تعيين الفريق سفيرًا لدى بريطانيا ثم السنغال ومن الجلي أن المقابلة الموزعة على عدة حلقات تدور بشكل واضح حول أخطاء وديكتاتورية الرئيس السادات آنذاك. على العكس لم تنتشر مذكرات شخص من أفضل العسكريين الذين مروا على تاريخنا الحديث وهو المشير عبد الغني الجمسي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ومن ثم لم نستطع مقارنة كلمات الشاذلي بشيء حقيقي إلا كتبنا المدرسية وما يصدره له الإعلام الحكومي.

طرد الخبراء السوفييت

كان الفريق سعد الدين الشاذلي يرى أن طرد الخبراء السوفييت في 72 خطأ كبير، حيث أنه بتلك الخطوة خسرنا حليفًا قويًا واستراتيجيًا دعمنا كل تلك السنوات بالأسلحة والدعم الدولي.

ولكن على النقيض كان الرأي المخالف والأرجح لأن السادات ليس بالرئيس المجنون الكاره للشيوعية أو ما يمثله الاتحاد السوفييتي، ولكن طلبت مصر عدة مرات من السوفييت أسلحة معينة ولكنهم كانوا يتجاهلون حيث يرون فينا الحليف غير المُجدي على المستوى الدولي وبالأخص عندما كانت الحرب الباردة بينهم وبين الأمريكان تتجه إلى الهدوء وبداية الحرب الهندية الباكستانية فأداروا ظهورهم لنا، في حين أن المجتمع الدولي لن يتحرك سياسيًا إلا عندما يشعر على الأقل أن هناك قوة عسكرية واضحة. فكانت ضربة طرد المستشارين السوفييت حركة جيدة في تغيير استراتيجية السوفييت تجاه مصر.

تطوير الهجوم إلى المضايق

قرر الرئيس السادات في يوم ١١ أكتوبر ٧٣ وبعد انتصارنا الواضح في معركة الدبابات أن يطور الهجوم إلى المضايق وذلك كان بهدف تخفيف الضغط على الجبهة السورية لأنها كانت تتلقى ضربات ثقيلة وكان ذلك خطأ عسكريًا واضحًا، خروج الجيش خارج مدى الدفاع الجوي جعله فريسة سهلة للعدو وخسرنا حينها معظم ألويتنا المدرعة. يحكي الفريق الشاذلي أن ذلك كان خطأ عارضه المذكور أمام السادات وكان رأيه أننا لابد من المحافظة على مكسبنا الأخير وعدم إهدار قواتنا بهذا الشكل ولكن هنا دعونا نتساءل، خطة تطوير الهجوم إلى المضايق ألم يكونوا متفقين عليها منذ الاعداد للحرب؟ أم أن السادات ووزير دفاعه ابتكرها فجأة ليواجهوا بها الشاذلي؟!

تلك أسئلة تحتاج إلى إجابة.

ثغرة الدفرسوار

عندما لاحظ العدو وجود ثغرة يستطيع العبور منها في محاولة لضرب عمقنا وبعد خسارة مصرنا لعدد من الألوية المدرعة في تطوير الهجوم. يحكي الشاذلي أنه طلب من الرئيس سحب قوات من الشرق إلى الغرب لسد تلك الفجوة وضرب ألوية العدو العابرة من خلالها ولكن الرئيس رفض ودارت بينهم مشادة كانت ستسفر عنها محاكمة الأول عسكريا وكان للسادات رأي آخر يوافقه بعض القادة العسكريين وهو أن أي انسحاب آخر سوف يحبط من قدرة الجنود ويذكرهم بانسحابهم المخزي في حرب ١٩٦٧ كما أنه لا يحتاج سوى بضعة كيلومترات ليقلب الطاولة سياسيًا عليهم.

مباحثات الكيلو 101

أما هنا فقد اتفقا الفريق الشاذلي والمشير الجمسي. حيث أن بعد حصار الجيش الثالث الميداني وبعد قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار وتوقف مصر ورفض إسرائيل تنفيذه واستمرّا هكذا إلى أن توقفا بشكل كامل بعد تدخل السوفيت مع استمرار الحصار وكان الجنود المحاصرين يحتاجون بالضرورة إلى احتياجاتهم من الإعاشة ويذكر الفريق الشاذلي أنها كانت مهزلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى إذ كانت المفاوضات غير متساوية، فبعد مفاوضات، سمح الجانب الإسرائيلي بمرور ثلاثين طنًا من احتياجات الإعاشة وفي المقابل تسلموا جاسوسًا وليس ذلك فقط حيثا استمر الضغط بتسليم بعض الأسرى. اما عن الإعاشة فاشترطت إسرائيل أن يكون السائقون إسرائيليين و من الأمم المتحدة وكان الجيش الإسرائيلي ينهيها قبل أن تصل إلى الجنود المحاصرين.

هذه ما كانت إلا لمحات مقارنة بسيطة وهامة بين ابن النظام البار الذي تحول إلى وزير الدفاع المشير عبد الغني الجمسي، والمتمرد الذي توالت اتهاماته وسخطه على النظام ومذكراته التي يراها البعض أنها لم يكن لها أن تُصدر بهذه التفصيلية باعتبارها أسرار حرب خاصة بالجيش المصري، الفريق سعد الدين الشاذلي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مذكرات المشير عبد الغني الجمسي
مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي (حرب أكتوبر)
البحث عن الذات (محمد أنور السادات)
مذكرات فريق أول محمد فوزي – حرب أكتوبر 1973 .. دراسة ودروس
عرض التعليقات
تحميل المزيد