قوة الأشياء ضد طبيعة الأشياء

انقلاب السيسي هو انقلاب صهيوني، حرصت تل أبيب على توفير دعائم لتثبيته، هي ذات الدعائم التي ثبتت قديمًا دويلة إسرائيل، وسمحت لعدة ملايين من الصهاينة بفرض إرادتها على 300 مليون عربي وأكثر من مليار مسلم، وهي:

  • قوة عسكرية تفرض “أمرًا واقعًا” على الأرض.
  • ماكينة إعلامية تشيطن الخصوم وتمدح المولود الجديد.
  • دعم مالي لا محدود من قبل قوة خارجية ترعى هذا الكيان الجديد.

كان هذا فرضًا لكيان استيطاني صهويني في جسد غريب عنه، بقوة الأشياء ضد طبيعة الأشياء! وإذا نجحت هذه الإستراتيجية في بقاء إسرائيل منذ 1948 حتى الآن، فإن ذلك لم يكن ليتم إلا بوجود أنظمة عسكرية مستبدة في دول الطوق (سوريا – الأردن – مصر)، موالية للغرب ومتحالفة مع إسرائيل.

وبمرور الوقت صار اعتماد إسرائيل على هذه الأنظمة في دول الطوق كاحتياج عمود الخيمة إلى أوتادها، وصار أي تغيير سلبي في أحد هذه الأنظمة الثلاثة بأي شكلanyhow يؤثر بشكل كبير على مستقبل هذه الدويلة وقدرتها على البقاء viability.

لذا كانت إسرائيل مصرة على عدم سقوط نظام الأسد في سوريا، الذي أبقى جبهة الجولان هادئة لمدة تزيد على أربعين عامًا. ولذلك أيضًا رأت إسرائيل في قدوم الإخوان للسلطة في مصر خطرًا محدقًا، دفعهم للجوء إلى الجيش لإعادة الأمور إلى نصابها، ولهذا أيضا هدد نتنياهو بالتدخل عسكريًّا في الأردن إذا وصلت داعش إلى هناك.

***

  • اهتزاز في دعائم انقلاب السيسي

وكما قلنا فإن دعائم تثبيت انقلاب السيسي هي نفسها ذات الدعائم التي ثبتت دويلة إسرائيل، ونسخة مصغرة منها:

  • قوة عسكرية تفرض “أمرًا واقعًا” على الأرض (إزاحة الرئيس وفرض خارطة الطريق).
  • ماكينة إعلامية تشيطن الخصوم (الإخوان) وتمدح المولود الجديد (تسلم الأيادي – وبكرة تشوفوا مصر).
  • دعم مالي لا محدود من قبل قوة خارجية ترعى هذا الكيان الجديد: الدعم الخليجي الذي تجاوز 50 مليار دولار. (ذكرت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور في أبريل الماضي أن بشار الأسد حصل من إيران طيلة 5 سنوات من أجل استمرار حربه على 35 مليار دولار فقط!).

ورغم اعتماد الانقلاب على ميراث العلاقة بين الشعب والجيش، وخاصة ذكرى انتصار الأيام الأولى من حرب 1973، فإن وجود كتلة حرجة مؤيدة للمشروع الإسلامي تقدر من خمس إلى ثلث المصريين (6/28 مليون ناخب في الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة 2012، و 13/28 مليون ناخب في الجولة الثانية)، وكتلة أكبر رافضة للمشروع الصهيوني تزيد عن النصف (كثير ممن صوت لمرشحين آخرين هم ضد إسرائيل) جعل استمرار الانقلاب أمرًا صعبًا، وخاصة مع فشل اقتصادي مريع، وفشل سياسي تام.

فأكبر خطر يهدد انقلاب السيسي هو تعرض اقتصاديات الدول الخليجية الداعمة له لمشكلات يجعلها غير قادرة على الاستمرار في دعمها له؛ جراء الانخفاض المستمر في أسعار البترول، إلى الدرجة التي دفعت صندوق النقد الدولي إلى التنبؤ أن المملكة العربية السعودية ستفلس في غضون خمس سنوات (حسبما نقلت صحيفة الإندبندنت البريطانية)، مع توقعات بعجز في الموازنة السعودية في العام القادم وحده بـ 100 مليار دولار! بينما بدأت الإمارات في وقف دعم البترول عن المواطنين الإماراتيين للشهر الثالث على التوالي، وأعلن أمير الكويت انخفاض عائدات البلاد إلى النصف!

 

من ناحيته فإن الإعلام لم يعد ملتفًّا حول السيسي بالشكل الذي بدأ به انقلابه، مع تراجع الغطاء الشعبي للسيسي، الذي تحول من زعيم منقذ يطلب تفويضًا في 26 يوليو 2013 ينزل له الملايين، وبين رجل ضعيف متلعثم يستجدي الشعب للنزول في الانتخابات البرلمانية فلا ينزلون، ويقاطعونها كما قاطعوا انتخابات الرئاسة.

الإعلام أيضا مهدد بفقدان ما تبقى لديه من مصداقية، بمطالبته تبرير أشياء لا تبرر، والقيام بمجهود أكبر لعدم تحميل السيسي مسؤولية ما يحدث من أزمات، والبحث عن كبش فداء لها (أزمة الارتفاع المحمود للدولار، وغرق مدن رئيسية كبرى بمياه الأمطار كالإسكندرية).

لم يعد حول السيسي إلا الدبابة، وحتى هذه فقد بعضًا من قوتها بخروجه من وزارة الدفاع، لكن من قال أن الدبابة وحدها كانت لتصنع انقلابا؟

3- السيناريو القادم (تراجع الجيش – تقدم داعش والكنيسة)

سقوط السيسي يكون جيدًا إذا كان خطوة في المسار الثوري الصحيح، نتيجة للعمل الثوري، ولحساب العمل الثوري، ساعتها فقط يكون سقوط السيسي في صالح الثورة!

وهل ممكن أن يكون سقوط السيسي في غير صالح الثورة؟ نعم، وربما كان سقوطه لا يقل خطورة الانقلاب ذاته، إذا كان هذا السقوط لصالح فصائل أخرى مناوئة للثورة، لتستمر الحرب بأشكال أخرى.

أحد أهم السيناريوهات القادمة: تراجع الجيش سواء منكسرًا أو بصورة تكتيكية كما فعلت الشرطة في 2011، لتتقدم ولاية سيناء (داعش) التي يتم تدشينها كلاعب أساسي في السياسة المصرية بتفجير الطائرة الروسية، بعد أن حصلت على ما يكفي من شو إعلامي ومصداقية كالتي حصلت عليها القاعدة بعد 11 سبتمبر.

ولاية سيناء بها الكثير من الشباب الذي التحق بها رغبة في الثأر من الجيش الذي اغتصب وقتل وهجّر أهل سيناء، لكنها مخترقة على أقل تقدير، وصنيعة على أسوأ الفروض. إنها مثال عملي لنظرية استراتيجية التوتر التي التي تحدثنا عنها مرارًا، والتي تقتضي وجود إرهابيين معروفين لكن وهميين، False flagged terrorists، يتم إلصاق الجرائم بهم.

وفي حال تراجع الجيش بسقوط السيسي، ربما تتقدم ولاية سيناء لتحتل بعض المدن الكبرى شرق القناة كالعريش أو غربها، (على غرار ما حدث في مدينة الموصل العراقية أو الرقة السورية) وتقوم ببعض الممارسات الشاذة البعيدة عن سماحة الإسلام (ذبح سائحين – قطع أيدٍ أو أرجل بدعوى إقامة الحدود – حرق أناس أحياء – اتخاذ فتيات كجوارٍ … إلخ).

وسيتضح فيما بعد أن معظم هذه الأفعال يقف وراءها الجيش، بالضبط كما اتضح في الجزائر أن كثيرًا من العمليات الإرهابية التي نسبت لتنظيمات إسلامية متشددة في التسعينيات تقف وراءها المخابرات والجيش الجزائري! (راجع كتاب الحرب القذرة – إستراتيجية التوتر صـ 16 – لكاتبه: الحبيب سويدية؛ ضابط سابق في الجيش الجزائري).

هذه الأفعال ستدفع ميليشيات الكنيسة (التي هدد بها ساويرس في وقت سابق) للدخول على الخط بدعوى حماية أنفسهم، وخاصة مع افتعال أزمات طائفية على غرار فتنة وفاء قسطنطين وفتنة الخصوص، وستقوم داعش وقتها بذات الدور الذي كان يقوم به حزب النور، لإذكاء النعرات الطائفية الملتهبة أصلًا بدعم الكنيسة الواضح للانقلاب، ورفضها التام للثورة ووقوفها مع النظام منذ اليوم الأول.

***

  • داعش والكنيسة والجيش ضد الإخوان!

تحركات داعش ستستهدف الإخوان، وتحركات الكنيسة ستستهدف الإخوان كذلك، وإن لم يتدخل الإخوان سريعًا لضبط الأمور فورًا عقب كسر الانقلاب، فإنه من المرجح أن تدخل البلاد في غرب القناة في فوضى تجعل الناس يترحمون على أيام الجيش كما ترحم كثيرون على أيام مبارك!

على الإخوان ألا يقعوا في خطأين إستراتيجيين وقتها:

  • الخطأ الأول: أن يعودوا لنظرية الإصلاح من الداخل، والاعتماد على تطهير الجيش والأجهزة الأمنية والتعويل عليها لضبط الأمن.
  • الخطأ الثاني: ألا يتقدموا ويكتفوا بالمراقبة wait and see ولا يعتبروا سقوط السيسي كسرًا للانقلاب، كما اعتبر كثيرون سقوط مبارك سقوطًا للنظام.

***

  • لماذا نستبعد سيناريو التدخل الخارجي؟

يروج البعض أن ما يجري في سيناء مقدمة لتدخل أجنبي في سيناء، وهذا وارد، وربما كان أكثر وضوحًا من سيناريو الطائفية الذي ذكرناه! لكننا نستبعده هنا لعدة أسباب:

  • التدخل الدولي المباشر عالي التكلفة؛ فحماية أمن إسرائيل وقناة السويس يتطلب آلاف الجنود، وهو ما تتجنبه الحكومات الغربية.
  • التدخل الدولي المباشر يعيد ضبط بوصلة الصراع أن إسرائيل ومن ورائها الغرب هم العدو، بعد أن انشغل العرب في خوض معارك خاطئة (ضد الإخوان) أو وهمية (ضد داعش) أو ثانوية (ضد إيران) بعيدا عن إسرائيل.
  • التدخل الدولي المباشر سيعطي مصداقية للفصائل الإسلامية التي ستحاربها قطعًا (وعلى رأسها الإخوان).
  • التدخل الدولي المباشر له؛ بعد إقامة منطقة عازلة في سيناء وكذلك جدار بطول الحدود مع إسرائيل.
  • التدخل الدولي المباشر لا يستطيع أن يقوم بذات الممارسات القذرة التي تقوم بها أنظمة دول الطوق العسكرية، لذا يمكنهم التساهل مع بشار الذي استخدم البراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي ضد شعبه، أو السيسي الذي أقام المذابح في قلب القاهرة!

 

 

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد