حلا لي أن التقط من الآثار النثرية للشاعر السوداني – شاعر الجمال والروح والوجدان – التجاني يوسف بشير (1912- 1937) رائد الشعر الرومانسي الصوفي المتجدّد بضع آراء خلّفها في تلك الآثار التي كان ينشرها في الصحف. تكمن أهمية هذه الإشارات في إضاءتها لعبقرية التجاني الشعرية التي مكّنته من استنباط مفاهيم دقيقة متجاوزة لعصره (عصر ما قبل الميلاد المؤرَّخ بميلاد قصيدة النثر) لينشر تأصيلاته الشعرية في حبل الأفق البعيد، ذلك الأفق الذي أطلّ من على شرفته السماوية كتاب سوزان برنار (قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا) المنشور في باريس 1958، لتأتي الإشارة العربية الأولى إليه لاحقًا في مقال أدونيس بعنوان (في قصيدة النثر) في العدد 14 من مجلة شعر اللبنانية 1960.

لألخص ما سبق وأُؤسس لما سيأتي: انطلق الرعيل الأول، أدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج والماغوط وغيرهم من روّاد الحداثة – الرسميين – من القاعدة السوزانية لتدشين قصيدة النثر العربية – وجميعنا نعلم، فرضية، أن هذا السلف الحداثي كسر القيد الشعري الفراهيدي وأعلن القطيعة معه، بدون استفاضة في مقرر التاريخ الأدبي – حيث أشير هنا للمقارنة بين تجربة هؤلاء الروّاد ورؤية التيجاني الذي أبدع في شعر الكلاسيك، ولكنه استشرف بنظرات نقدية ثاقبة و(ثورية فكرية) إلى ولادة قصيدة النثر التي تلته بأكثر من عقدين في أكف الروّاد بالمحيط العربي الذين تلقّفوها من ماعون سوزان برنار. بعد هذا التأسيس لنمضي قدمًا إلى مُستلّات من آثار التيجاني النثرية لنجادل هذه النصوص التيجانية عن الوهم الشعري والقيد العروضي الراهن في ذلك العصر (توفي التيجاني عام 1937).

لنضبط المصطلح أولًا (الوهم الشعري) حسب رؤية التجاني طبعًا، تحت مقال عنوّنه بـ«في مغاور الشعور.. الآثار الشعرية المُبهَمة»، ذكر التجاني: «كم من الشعر ما لو حاول القارئ أن يفهمه من غير طريق روحه في حدود استطاعته أن يعرف من أي اللذاذات تكون هذه التي يحسُّ لم يكن موفقًا في فهمه أو الاستمتاع به. ولكي يصل منه نشدته من المتاع واللذة فإن حاجته إلى نصيب غير قليل من الوهم الشعري شيء لا بدّ عنه لمن ينشد هذا المتاع». هل هكذا ضُبط المصطلح؟ لا أظن أن العبارة بعنوان المقال (الآثار الشعرية المبهمة) تفسح لنا المجال لنضبط المصطلح، ولكن يمكن أن نكتفي بمقاربته – أو مقاربة صاحبه له بالأصح – نستأنف لملء السلّة بما يعيننا أكثر، يقول: «فإذا انتهى إليه – الوهم الشعري – وفتح إغلاق نفسه – القارئ – يستقبل ما ينهمر عليه من صيبه السحري لم يجد لديه يومئذ ما يجعل لها أثر السحر، ولكنها ليست به. فقد يكون نشوة أو طربًا روحيًا تجهل أنت من بواعثه أكثر مما تعلم، أعني أنك تعرف أنه من هذه القطعة الشعرية وكفى». هل تمّ ضبط المصطلح هكذا؟ أو تمّت مقاربته؟

لنرجع خطوة للوراء، أو خطوات لنرتدّ إلى العنوان الرئيس لمقال التجاني (في مغاور الشعور) لأضع مفهومًا مفتاحيًا نحمله معنا، ونحن نجادل في النصوص التالية – والرؤى الكامنة خلفها – وهو: أن التجاني استشفّ ميلاد قصيدة النثر انطلاقًا من الشعور من تلك المغاور كما أسماها. والمقارنة بين انطلاقة الروّاد (السوزانية) وانطلاقة التجاني، يمكن أن نصبغها بتسميّة (الشعورية) تنتهي عند هذا الحدّ، لأن هذا الطرح يشير للمقارنة ولا يُعني بها في سيره لجدلية الوهم الشعري والقيد العروضي في رؤية التجاني وتنظيره. لنرجع للتجاني بعد أن ركّنا المقارنة وحدّدنا مكانتها في هذا التخطيط.. هذا الانفلات العبقري الوثّاب من التجاني من أصفاد الفراهيدي وقيوده الحديدية التي يمكن أن نفترض – ونحن على حق – أنها كبّلت شعراء الثلاثينات من القرن الماضي، وأنا هنا أُحاجج في إطار هذا الرأي عن هذه الفلتة الذهنية، الرصاصة التي أصابت هدفًا في صميم الغيب (مفهوم قصيدة النثر) انطلاقًا من أن الشعور هو المُولِّد للبحور الفراهيدية كما سأورد لاحقًا، وهذا المفهوم المفتاحي الثاني الذي ينبغي أن نحمله معنا مع التأصيل التالي نقلًا عن التجاني في معرضه: «ولكنك لا تدري أبدًا حقيقة ما أثارت هذه القطعة في دمك من الوساوس والأوهام التي تزحم عليك نفسك، ثم لا تلبث أن تبني في كل خلية من أعصابك هيكلًا سحريًا عجيبًا تملؤه الخيالات وتعمره أحلام الشعر».

لنقف هنا عند الإشارة الضوئية السابقة (الهيكل الشعوري الناتج من الوهم الشعري تلك الآثار الشعرية المبهمة في مغاور الشعور)، نجد أن لدينا «هيكل» يؤسسه الشاعر الكلاسيكي – عامةً – وهو البنية الشكلانية للقصيدة التي يجري قاربها على أحد البحور الشعرية الستة عشر. وهيكل آخر يتأسس لدى المتلقي، وهو يمثِّل الآثار الشعرية المبهمة في مغاور النفس.

لنضع خطًا عريضًا تحت الهيكل الثاني، أو نمنحه دائرة الضوء لتُسلّط عليه في هذا المسرح، لأن هذا الطرح وهو يمضي في طريقه نحو نقطة النهاية يتبنّى استبصار التجاني لعلويّة الهيكل الثاني من حيث الأهمية وامتلاكه سلطة التأثير على الشكل الشعري الخارجي للقصيدة، القالب، ذلك البحر الذي يحجز القصيدة في أسر النحت اللغوي على جدران الغرفة الحجرية التي أوكِلت مهام الحراسة أمام بابها للحرس الفراهيدي. ومن ثم أطلق التجاني رصاصته نحو الغيب من ماسورة الهيكل الثاني لترسّم جغرافيا جديدة تُقلِّص مساحة الهيكل الشكلاني الفراهيدي وتجعل الهدف الشعري، أو الهدف من القصيدة، هو تأسيس الهيكل الشعوري المتأثر بالمُبهمات والوساوس والظنون.

هل يُشير التجاني لظاهرة الغموض الشعري؟ في الحقيقة لا – حتى نفضّ الاشتباك بين مصطلحي الغموض والوهم الشعري – نعم أُتهِم التجاني بغموض شعره من قِبَل كثير من النقاد، وهناك من أرجع ذلك إلى قِصر تجربته الشعرية (توفي عن عمر 25 عامًا) وتعمّده تقعير شعره، مثلما قال الشاعر والناقد السوداني محمد محمد علي، ولا يسعني إلا أن أقول: «إن الناقد أفحش القول فيه»، قياسًا على دفاع الإمام الذهبي عن الراوي الإخباري سيف بن عمر التميمي، قال: «سيف بن عمر عمدة في التاريخ، أفحش ابن حبان القول فيه»، ردًا على ابن حبان الذي وصف سيفًا بأنه زنديق يضع الحديث. وهما على طرفي الجرح والتعديل في سيف لتسجيل موقف من قبول رواياته الإخبارية الضخمة بكتب التاريخ. لم يكن التجاني غامضًا في شعره – في ديوانه الوحيد الذي ورثناه – ولكنه أبدع في صناعة الوهم الشعري في ظل عصر كان الشعر فيه تقريريًا نمطيًا صرفًا.

لأختم الحديث عن الوهم الشعري في هذا الجزء الأول، أرجع للمقال، ذكر التجاني: «وتلك هي الآثار الشعرية المبهمة التي نعنيها ونتوجّه إليها بهذا الحديث، وحتى الحديث في هذا لا يكاد يخلو من عوارض الإبهام لما يتمتّع به من مغاور وأنفاق في مسابح الإحساسات القصيّة التي تعيش في هذا الحسّ الذي تملؤه حياة واحدة ليكون أكثر افتتانًا في تلوينها من الحياة نفسها، وبحسبه منها أن تمدّه بالأثر الواحد ليصنع منه ما لا حصر له من الصور الخفيّة، والآثار المتنوعة، والألوان المختلفة التي لا توجد في حقيقة الحياة، والتي يحمل رسالتها الشعر موفّقًا في بثّها بين الدماء الشاعرة فتختلف آثاره فيها قوة ووضوحًا ولينًا وإبهامًا. أما ما اتضح من هذه فهو محدود النتيجة معروف العمل. وأما في كثير مما انبهم منها ما تقوم به حقًا مهمة الشعر. وهل هي إلا مهمة خلق وتجديد».

وحتى في مقاربته – صاحبنا – لتقعيد الوهم الشعري فهو يؤكد أن هذا التفسير نفسه لا يخلو من إبهام كونه يفسّر أثرًا شعريًا مبهمًا في شعور المتلقي للنص الشعري. وأغادر هذه المقدّمة برسم خط تحت ملاحظته لمهمة الشعر، أنها مهمة خلق وتجديد. وهل كانت قصيدة النثر إلا حركة تجديد! وتحديث؟

(يُتبع).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد