قبل عدة أشهر، طلب مني أحد الأصدقاء أن أساعده في العثور على جراح ليعرض عليه حالة زوجه التي تعاني من “سائل ما” يتجمع في تجويف بطنها.

اتضح أن المريضة/الزوج تعاني من سرطان في المبيض نتج عنه استسقاء (ascites) في تجويف البطن، فنصحه زميلي بإجراء جراحة عاجلة والخضوع بعدها للعلاج الكيميائي قبل أن تتفاقم الحالة أكثر وتنتشر في باقي الجسم. رفض الرجل رفضًا قاطعًا رغم تحذيرات الطبيب، وتحدث لنا بكل اقتناع ورضى عن أحد أساليب “الطب البديل” بالتغذية على أعشاب وحبوب معينة تحفز جهاز المناعة فتقضي على الخلايا السرطانية دون الحاجة إلى جراحة أو علاج كيميائي.

 

 
اليوم، وبعد أشهر، انتشر المرض في جسم المريضة المسكينة ولم تعد قادرة على إجراء الجراحة التي فقدت نجاعتها بسبب حالتها المتأخرة، وباتت تخضع لعلاجات “تحسينية”، تقلل من الأعراض وتحاول “إدارتها” بعد أن تعذر “الشفاء” من المرض. أعادني هذا الصديق -سامحه الله- إلى نقاشات عدة مع الكثير من الأشخاص حول “الطب البديل” والمدرسة الغربية في الطب، والمقارنة بينهما.

 

 
يظن البعض أن نقد معظم الأطباء في العصر الحديث لمعظم وسائل الطب البديل نابع من حسد ومنافسة بين المدرستين على “الزبائن” أو المرضى، بينما ثمة نقاط جوهرية تجعل “الطب البديل” ووسائله المختلفة -من طب نبوي إلى إبر صينية إلى العلاج بالأعشاب إلى غيرها- أبعد ما تكون عن الحلول مكان الطب الحديث، بل هناك حقائق تدحض الكثير من الأوهام فيما خص هذا المجال، أهمها:

 

 
أولًا، يشتهر بين الناس أن وسائل “الطب البديل” -وخاصة الأعشاب والنباتات- طبيعية ولذلك فهي غير مضرة وبلا آثار جانبية كالأدوية الحديثة المصنـّعة من المواد الكيميائية، وهو خطأ شائع، وقاتل أحيانا. ذلك أن المواد الطبيعية أيضًا لها نتائج وتأثيرات جانبية مضرة بفعل المواد الفاعلة فيها (كحبوب تخفيف الوزن التي أدت إلى عدد كبير من الوفيات، بسبب عدم الالتزام بالجرعات وعدد مرات التناول المطلوبة والسليمة)، كما أن معظم الأدوية الحديثة مصنعة من مواد طبيعية ونباتات، وهي تستمد فعلها العلاجي وكذلك آثارها الجانبية الضارة من هذه المواد وليس من المواد المضافة.

 

 

 
ثانيًا، لا يمكن الحديث عن منظومة متكاملة “للطب البديل”، فالطب يشمل التشخيص والعلاج معًا، وتضم مرحلة التشخيص عدة خطوات هي السماع لشكوى المريض وتاريخه الطبي/الصحي ثم المعاينة ثم الفحوصات المخبرية والصور الإشعاعية وغيرها من الوسائل، وهي مراحل وخطوات شبه غائبة في “الطب البديل” المستعمل في العلاج بشكل شبه حصري.

 

 
ثالثًا، من الثابت بالممارسة العملية أن تجاوب المرضى مع وسائل ما يسمى بـ “الطب البديل” متفاوتة جدًا بين شخص وآخر، والسبب المنطقي هو اختلاف حالة كل مريض عن غيره من المرضى، وهو ما تظهره لنا بوضوح المدرسة الحديثة في الطب، بينما يتجاهله الطب التقليدي ويتعامل مع كل المرضى بنفس الطريقة والأسلوب والمواد والجرعات تقريبًا.

 

 

 
رابعًا، تقوم المدرسة الغربية الحديثة في الطب على دراسات علمية محددة المراحل والخطوات قبل طرح أي علاج في السوق للاستعمال البشري، فتبدأ بالأبحاث النظرية، ثم التجارب المخبرية، ثم التجارب على الحيوانات، ثم على عدد من المتطوعين، ثم على عينة من المرضى، ثم تدرس فوائدها ومضارها على مدى طويل خلال استعمالها بما يتيح سحب دواء معين من التداول بعد سنوات أحيانًا من طرحه في السوق. وهي منظومة شبه غائبة عن “الطب البديل” ولا نكاد نعرف عن هذه المواد إلا الترويج لها بأنها طبيعية، بينما -حتى ولو سلمنا بفائدتها غير المؤكدة- لا يمكن معرفة آثارها الجانبية ومضارها لغياب هذا النوع من الدراسات المذكورة.

 

 

 
إذن، لا يمكننا الحديث عن “مدرسة الطب البديل” بل عن وسائل تقليدية متناثرة ومتبعة منذ القديم في العلاج حصرًا وليس في التشخيص، وربما أثبتت وتثبت نجاعتها لدى بعض المرضى، لكنها لا تفيد كل/معظم المرضى ولا تقوم في غالبيتها على منظومة علمية واضحة ومتكاملة (ربما هناك بعض الاستثناءات مثل الإبر الصينية).

 

 
مؤخرًا فقط، ولحسن الحظ، بدأت بعض الجامعات والمختبرات الحديثة بالاهتمام بهذه الوسائل التقليدية في العلاج، وقرأنا عن دراسات أجريت وتجرى للتأكد من مدى فاعلية وسلامة المواد الطبيعية المستعملة فيها، وسيكون لها برأيي بالغ النفع إذ ستمكننا من الاستفادة من النافع والتحذير من الضار منها، وفق أسس علمية وأبحاث واضحة.

 

 
لا شك أن المدرسة الغربية الحديثة في الطب لها وعليها، ولا شك أن الأدوية باتت سوقًا تجارية عملاقة، وأصبحت شركات الأدوية وحوشًا تبتلع كل من ينافسها أو ينتقدها، لكن كل ذلك لا ينفي فوائدها والأسس العلمية الواضحة التي تقوم عليها والتي تمكننا من متابعتها والرقابة عليها بل ومحاسبتها.

 

 

 
والحال كذلك، تبقى هذه المدرسة رغم مساوئها هي الأساس في الطب ويبقى “الطب البديل” مجرد أوهام يتعلق بحبالها فاقدو الأمل من المدرسة الأولى (التي لم تدّع يومًا مقدرتها على شفاء الجميع) أو الغاضبون من تحولها -أو تحول بعض منتسبيها- إلى صناعة تتاجر بالإنسان وصحته طمعًا في أمواله. إن غاية ما يمكن لوسائل العلاج التقليدية المذكورة آنفًا أن تكونه هو “الطب المكمّل” للمدرسة الحديثة في بعض الجوانب بحيث يستفيد كل منهما من الآخر في نطاقات معينة، لا أن تكون “بديلا” عنها.

للأسف الشديد، فقد قتل صاحبنا زوجته (رغم تحذير زميلي له من “قتلها”!!) حين أصر على تجاهل الحقائق العلمية الواضحة، وصدق أكاذيب تجار لعبوا على وتر حاجته، وراهن على “بديل” لم يكن له مكان في حالة زوجته، بل لعله كان سيفيد لو استـُعمل “مكملًا” للعلاج الرئيس، فالتغذية السليمة والصحة النفسية شرطان لازمان للاستفادة القصوى من العلاجات المختلفة وفي مقدمتها الجراحة والعلاج الكيميائي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صحة, طب, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد