وسط حالة الفقر الدرامي الذي نعانيه في شاشاتنا الفلسطينية، حيث ربما نشهد في العام مسلسلًا واحدًا على كل شاشة تبعًا للحزب المسؤول عن القناة، وأفلامًا قليلة تدور في فلك الأحزاب وبرامجها السياسية العامة، وغياب دور العرض، وشباك التذاكر بصورة حقيقية وفاعلة، وتوقف عجلة الإنتاج من قبل القطاع الخاص والحكومي، يصبح صدور أي فيلم طويلًا كان أم قصيرًا لأشخاص محترفين، أو هواة قابل للمشاهدة أينما كان مكان البث.

وفي الحقيقة كثير من الأفلام تخرج في النهاية يتملكها التقليد والكلاشيهات، وعدم النجاة من فخ الخطابية العالية، والمباشرة، وعدم الفهم الكامل للمعنى الحقيقي خلف نوعية الفيلم الروائي الدرامي. بدءًا من الفكرة التي تصلح أن تكون فيلما روائيًّا، ومعالجتها وصولًا لكتابة سيناريو المشاهد العامة لها، هذا عدا مشاكل تقنية وفنية أخرى في مرحلة الإنتاج وما بعده.

لكن كل مرة نقول إن خطوة السعي أفضل من التوقف، وكل شيىء يصدر لا بد أنه سيفيد مستقبلًا من خلال تراكم المجهودات، لا سيما لشعب محاصر يتعلم ذوو المهن السينمائية فيه بنظرية التعلم بالمحاولة والخطأ.

هذه المرة خرج علينا فيلم #خطة_بديلة للمخرج «علاء العالول» وإنتاج «مكتب السلام» فيلم دراما قصير 23 دقيقة، بعد عشرات الأفلام التي أنتجت في آخر خمسة عشر عامًا، إذ تدور أحداثه حول حياة المطاردين في كهوف الضفة المحتلة، واشتياقهم لعوائلهم، ومحاولة إسقاطهم في شباك الشاباك الإسرائيلي.

ربما الموضوع العام الكبير للفيلم ليس جديدًا، لكن الجديد هو المعالجة وتناول الأحداث، وتوظيف عناصر السرد الفيلمي المتوزعة بين الصوت والصورة.

بالإضافة إلى الخروج من عباءة أفلام السير الذاتية للشهداء، وأفلام توثيق العمليات الاستشهادية، التي ارتديناها كثيرا. أو نقل وقائع المعيشة في المدن المحتلة بثوب درامي دون إخضاعها لعملية البناء الدرامي التي تستوجب تطوير القصة بما يتطلبه من إثارة وتشويق.

ربما بإصدار هذا الفيلم، الذي شاهدناه عبر البث الفضائي والسوشيال ميديا، نجزم أننا بدأنا فعليًّا في قطاع غزة وبمال وطني لا تحكمه الأجندة الخارجية السير باتجاه صناعة أعمال وازنة تجمع بين الأصالة والحداثة، أصالة الفكرة والقضية وحداثة التناول في المفاهيم الإنسانية التي افتقدناها في ظل جمود الكثيرين. الخالية من التحيز في نقل الروايات، التاركة للمشاهد الخارجي أن ينحاز للحق الفلسطيني دون التأثير المسبق عليه.

والجديد في الفيلم، ليس الإبهار البصري، والجودة في إحداث جغرافيا الضفة الغربية في داخل قطاع غزة، وتحديد أماكن تصوير مناسبة في تقريب الحيز المكاني للفيلم  فحسب.

إنما في سرد القصة، في بناء الفيلم القائم على الصدمة، الخالي من ترهلات الحوار، الذي شارك في كتابته «سائد سويركي» بالرغم من وجود أحد المشاهد الذي يروي الأبطال فيه سبب اختيارهم للعمل المقاوم، وذلك في بداية الفيلم، لكن مع ذلك كان الحوار القريب من القلب، المختلط بمشاع الشخصيات، الطويل نسبيًّا مقارنة بالفيلم، يمكننا القفز عن الإشكالية التي أحدثتها دقائقه بالنسبة لمجموع الفيلم الكلي.

ورافق الفيلم التكثيف في إيصال الأحداث، والانتقالات التي تجيب عن التساؤلات المشروعة. وأثناء المشاهدة لم نلجأ لذكائنا في بناء القصص، والاتكاء على منسأة التخمينات، استسلمنا لإرادة المخرج في قيادتنا نحو خطه الفيلمي، في لحظة حزنا على إمساك الشاباك للبطل، لكن سرعان ما تبدد الحزن؛ لأنه قد نجا، كأنه يضحك علينا جميعا، ويقول أبطالي لا يسقطون!

ولا يفوتني التذكير بأن المخرج استخدم أسلوب الكاميرا الثابتة، لم يحرك الكاميرا إلا لأسباب شديدة الظرف، منها إظهار البيئة الجغرافية في لقطة جوية، أو إشعارنا بالتوتر في بعض اللقطات لا سيما في لقطات مطاردة البطل. كأنه أراد إخبارنا أن المطارد بنفسية ثابتة متزنة لا يعرف الاهتزاز إلا إذا اضطرته الظروف.

عدا الموسيقى المستخدمة، التي صنعت خصيصًا للفيلم، وجودة تسجيل الصوت من موقع التصوير، حيث كان الصوت عاملًا من عوامل الشعور بجمال الصورة، والتأكيد الدرامي على معانٍ كثيرة أوصلتها الكاميرا.

والتمثيل كان جادًّا هذه المرة، لم نمل من تصنع الأبطال، لم نشعر أنهم يرددون نصوصهم فقط كعادة الكل الفلسطيني في الأفلام السابقة، «أحمد شحادة»، و«أحمد فياض»، و«غسان سالم»، و«كاميليا فاضل».

الوجوه الأربعة التي كان يدور الفيلم حولها جعلتنا نصفق للفيلم في نهايته، في إشارة واضحة أرسلوها لنا أنهم قادرين على أداء الأفضل إذا ما وضعوا في ظرف إنتاجي، لا يقيدهم ولا يترك لديهم انطباعات سلبية تجردهم من الشعور للانتماء لموضوع الفيلم.

خطة بديلة.. أشعرنا أننا نتجه لمشاهدة أفلام طويلة في دور السينما بصناعة محلية، أشعرنا أن الأدرينالين يمكن أن يرتفع لدينا من مشاهدة عمل محلي، أشعرنا أننا سنستمع إلى حوارات ونحتفظ بها، أشعرنا أننا من الممكن أن نصاب بشرك التخمين ونقع فيه وينتصر المؤلف علينا.

دقائق حملت بين طياتها الأمل والألم، حب الأرض، وحب الإنسان، الانتصار، ومحاولة الفهم لكل ما يجري حولنا.. شباب في كهوف الضفة تسرق سكاكين المحتل أرواحهم، ويضعون عدوهم في دوائر القنص.. ولا يترددون في إطلاق النار. القرار الذي كنا سنأخذه لو كنا مكانهم.

سيناريست العمل ومخرجه الذي يخوض باكورة الأفلام الروائية بعد سلسلة من الوثائقيات. ويخوض الآن تجربة الأفلام الروائية الطويلة، قد ترك لنا النهاية مفتوحة، حيث نرى في المشهد الأخير نيشان القنص يستهدف العميل الذي بخبثه وصل السم إلى والدة صالح، ويستهدف الضابط الإسرائيلي.

في رسالة واضح مفادها وهى أن الاثنين في الجريمة سواء وفي العقاب يجب أن يكونوا كذلك، خرجت الرصاصة من بندقيته ولم نعلم أينما تتجه. لكن بالتأكيد لا يوجد أمامها سوى هذين الخيارين.

خطة بديلة من جديد يستعرض بعض ملامح الصراع العربي الاسرائيلي، في رسائل بعيدة عن الشعارات، رسائل مرتبطة بالإنسان قبل أن ترتبط بالأرض، رغم أنهما في مواجهة العدو واحد. وكذلك واحد في الأذى الواقع عليهما، فأذى مصادرة الأرض والاستيطان فوقها لا يقل عن أذى قتل ومحاصرة الإنسان.

في النهاية، بالرغم من الحصار الفني والثقافي الذي يشهده القطاع، ما يمكن قوله أن السينما الفلسطينية تشهد تقدمًا واضحًا، ليس من خلال الكبار الذين جلسوا على الكراسي وشابت رؤوسهم، إنما عبر إيمان المخرجين وصناع الأفلام الصاعدين بشغفهم العميق، ووقوفهم عند دورهم في صياغة أولوية وطنية تقول :«إن سرد معاناة الشعب بصريًّا فريضة وطنية في ظل تغول الرواية الإسرائيلية على هذه المعاناة» فمن لم ينصف نفسه لن ينصفه عدوه في محفل.

رابط الفيلم:

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد