إن الأصل في الإنسان البراءة، إذًا لا يلقى القبض على أحد، ولا يعتقل، إلا طبقًا للقانون وفق حكم حائز لقوة الشيء المقضي به، وهذا ما أكدته المواثيق والاتفاقات الدولية، وكذلك كل التشريعات ومن بينها التشريع المغربي ويعتبر الاعتقال الاحتياطي أهم إجراء ماس بحرية الأفراد اعتمده المشرع بقانون المسطرة الجنائية، لما يترتب عنه من سلب لحرية الفرد مدة من الزمن على الرغم من أنه لم يحكم بعد بالإدانة. بل لا يزال متمتعًا بضمانة قرينة البراءة ما دعا بشكل أساسي للبحث عن آليات بديلة للاعتقال الاحتياطي تكفل سير تطبيق الإجراءات القضائية دون اللجوء إلى سلب حرية المتهم.

إن البحث عن بدائل الاعتقال الاحتياطي من أهم التحديات التي تواجه التشريعات والسياسة الجنائية، فالوضع تحت الاعتقال الاحتياطي يؤدي إلى تجاوزات تطال حقوق الافراد وتهدد حرياتهم وكرامتهم، خاصة بالمرحلة التي تسبق المحاكم.

ولقد عمد المشرع المغربي إلى التأكيد على الطابع الاستثنائي للاعتقال الاحتياطي، وذلك من خلال توسيع الخيارات المطروحة أمام الأجهزة.

وسنتناول الحديث يشكل مفصل عن الآليات التقليدية والحديثة في مقاربة الاعتقال الاحتياطي.

المحور الأول:

المقاربة التقليدية لمواجهة الاعتقال الاحتياطي

لقد نظم المشرع المغربي نظام المراقبة القضائية، وذلك بمشروع قانون المسطرة الجنائية بالمواد 160-161 وبعض المواد المتناثرة، ويلاحظ أن المشرع المغربي لم يعرف فقط ما ورد بالمادة 160؛ باعتبارها بديلًا عن الاعتقال الاحتياطي، ما ترك المجال للفقه لمحاولة تعريفه، فيمكن القول إنه الإجراء القسري الذي يتخذه قاضي التحقيق في حق المتهم، وذلك بإخضاعه لواحد أو اكثر من التدابير أو الالتزامات كلما تعلق الأمر بجناية أو جنحة معاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية.

وتعتبر المراقبة القضائية تدبيرًا استثنائيًا لا يعمل به، إلا بالجنايات والجنح المعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية، وذلك ما يتطابق كذاك مع توجه المشرع الفرنسي حيث إنه نص على نفس المقتضيات بالمادة 137 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي.

إن اعتبار المراقبة القضائية بديلًا للاعتقال الاحتياطي يؤكد العمل على صيانة مبدأ قرينة البراءة، والتي تعد ضمانة أساسية للمحاكمة العادلة.

وباستقرائنا للمادة 175 من مشروع قانون المسطرة الجنائية يتبين ان المشرع الزم قاضي التحقيق بتعليل الامر الصادر بالاعتقال الاحتياطي، واشترط كونه كتابيًا، ويبين كذلك الأسباب التي حالت دون تطبيق بدائله. بينما في المقابل لم يلزمه بتعليل قراره بالوضع تحت المراقبة القضائية.

إن المادة 160 من مشروع قانون المسطرة الجنائية، ترجع الاختصاص لقاضي التحقيق بإصدار الأمر بالوضع تحت تدابير المراقبة القضائية لمدة شهرين قابلة للتجديد مرتين لنفس المدة إذا تعلق الأمر بجنحة، لاسيما لأجل ضمان حضوره، وهذا الإجراء يعتبر إمكانية مخولة لقاضي التحقيق خلال سريان عملية التحقيق، فله السلطة التقديرية لاتخاذه من عدمه.

كما نجد الفقرة الثانية من المادة 160 أعطت للغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف الحق في النظر في الاستئنافات المرفوعة ضد أوامر قاضي التحقيق بشأن المراقبة القضائية، سواء من طرف المتهم أو النيابة العامة. ولقد اعتبرت الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف الملاذ الأكبر بعد قاضي التحقيق، ولها أن تضيف تدبيرًا آخر، أو أن تعدل التدابير المتخذة، كما يمكنها وهي تبت في استئناف قرارات قاضي التحقيق أن تطبق تدبير الوضع تحت المراقبة القضائية بإخضاع المتهم لبعض التدابير المنصوص عليها بالمادة 161 من م. ق. م. ج.

ولقد رتب المشرع المغربي عن تدبير المراقبة القضائية مجموعة من التدابير ملقاة على عاتق المتهم وذلك بـ18 بند يلتزم بها.

لقد نصت المادة 74 من مشروع قانون المسطرة الجنائية أنه كلما تعلق الأمر بجنحة معاقب عليها بالحبس فلوكيل الملك أن يتخد في حق المتهم تدبيرًا أو أكثر من تدابير المراقبة القضائية وفق ما هو منصوص عليه بالمادة 161، وما بعده من م. ق. م. ج كما أنه جعل اللجوء للاعتقال الاحتياطي لا يتم إلا في حالة عدم كفايتها.

وقد نصت نفس المادة أن لمحامي الموقوف حق الحضور أثناء استنطاق موكله عرض تقديم كفالة مالية أو شخصية مقابل إطلاق سراحه، ففي إطار عقلنة الاعتقال الاحتياطي يلاحظ أن المشرع نص بالمادة 159 من ق. م. ج. والتي أبقى عليها بالمشروع أن الاعتقال الاحتياطي تدبير استثنائي، فالأصل هو إطلاق سراح المتهم، ولذلك منح الدفاع حق التقدم بطلبات لإطلاق سراح الموقوفين خلال عرض ملفاتهم أمام النيابة العامة مقابل تقديم كفالة مالية أو شخصية لضمان حضورهم أمام هيئة المحكمة.

وتعتبر الكفالة تدبيرًا جديدًا يمكنه تعويض الاعتقال الاحتياطي وتدخل إجراءاتها في نطاق المراقبة القضائية طبقًا للمادة 159 ق.م.ج، ويجوز لقاضي التحقيق بكافة القضايا أن يأمر بالسراح المؤقت عن المتهمين بشرط استشارة النيابة العامة، وذلك مقابل دفع كفالة مالية أو شخصية.

فالكفالة المالية إحدى الآليات البديلة التي يمكن من خلالها تفادي الإشكاليات المترتبة.

وتقديم المتهم لكفالة يراعى في تقديرها مجموعة من المعايير الأساسية ويضمن مقرر تحديدها بسجل خاص وتوضع بالملف نسخة من المقرر ومن وصل الإيداع.

ولقد المشرع المغربي عليها بمشروع قانون المسطرة الجنائية، خاصة بعد التنصيص على اعتبار الاعتقال الاحتياطي بديلًا لا يلجأ إليه إلا في الحالات الاستثنائية، وأن يكون معللًا.

وتضمن الكفالة حضور المتهم في جميع إجراءات التحقيق وتنفيذ الحكم، وكذلك والامتثال لمجموعة من التدابير، إلا أن ما يسجل على هاته الأخيرة أنها تعتبر بمثابة وسيلة لأداء ضمانات الضحية من مصاريف مسبقة وتعويض عن الضرر مع العلم أن هاته الأخيرة يجب أن تحدد من طرف محكمة الموضوع

وعلى أثر ذلك تعمل النيابة العامة فورًا بمجرد اطلاعها على وصل دفع الكفالة بتنفيذ الأمر بالإفراج المؤقت.

وعند غياب إمكانية تقديم كفالة مالية يمكن لقاضي التحقيق الاعتماد على الكفالة الشخصية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتأكد من استحالة أداء المبلغ المطلوب نظرًا للوضعية المالية للمتهم، خاصة وأن بعضهم قد تتوفر فيهم ضمانات الحضور عن طريق الكفالة الشخصية، ولا يتأتى لهم أداء كفالة مالية. فالمشرع أتاح للجهة القضائية المختصة إمكانية متابعة الإجراءات في حق المتهم عن طريق كفالة شخصية تدفع من طرف المتهم أو دفاعه وتعتبر وسيلة لإقرار حضور المتهم لمتابعة الاجراءات.

المبحث الثاني

التوجهات الحديثة في مقاربة الاعتقال الاحتياطي وأوجه فشل هاته البدائل

تعتبر المراقبة الإلكترونية من الوسائل البديلة للاعتقال الاحتياطي، وهي من أهم ما أفرزه التقدم التكنولوجي، والذي انعكس على السياسة العقابية، وذلك بمعظم الأنظمة العقابية المعاصرة. ومفهوم المراقبة الإلكترونية مشتق من التعبير الفرنسي électronique surveillance أو السوار الإلكتروني.

فقد تم العمل على ابتكار جهاز إلكتروني يوضع برجل أو يد المحكوم عليه، وذلك بأمر من القاضي المختص، ويتصل مباشرة بجهاز إلكتروني لدى السلطة القضائية المعنية، ويسمح للمراقب أن يتابع تحركات المتهم، ومعرفة مكان تواجده.

وتعتبر المراقبة الإلكترونية بمثابة نوع من الإقامة الإجبارية المفروضة على الجاني، وبذلك تمنعه من حريته، إلا وفق ما يحدده القضاء.

وللمراقبة الإلكترونية العديد من المميزات فهي تمكن المتهم من ممارسة وظائفه كما أنها تعمل على تقليص النفقات المرصودة للمؤسسات السجنية خاصة وأن المعتقلين الاحتياطيين يشكلون نسبة جد مرتفعة من الساكنة السجنية وما يترتب عليها من مساوئ.

ولقد عمل المشرع المغربي بالمقابل على التنصيص على آلية المراقبة الإلكترونية كآلية بديلة للاعتقال الاحتياطي بمشروع قانون المسطرة الجنائية.

فالمراقبة الإلكترونية لا تعني استبعاد الاعتقال الاحتياطي بشكل نهائي، وإنما وجود هاته الإمكانية التكنولوجية يعطي قدرًا من التفضيل بينها وبين الحبس الاحتياطي.

لقد تطرق تعديل قانون المسطرة الجنائية بالمادة 174-1 للمراقبة الإلكترونية بواسطة قيد الكتروني بشكل يسمح برصد تحركاته داخل الحدود الترابية وفق ما يحدده قاضي التحقيق.

إن هذا التدبير لا يطبق الا على الأشخاص البالغة أعمارهم 18 سنة فأكثر وبالتالي فإنه يستثني الحدث المتابع، ولقد أناط المشرع وظيفة وضعه على جسم المتهم وتتبعه لضابط الشرطة القضائية، كما له إمكانية الاستعانة بأشخاص من ذوي الخبرة كلما تطلب الأمر ذلك. كما ألزمه المشرع بتتبع هاته العملية ورفع تقارير لقاضي التحقيق كما أنه أتاح للمتهم طلب فحص طبي إذا ما رأى أنها تشكل خطرًا عليه، بحيث يقوم قاضي التحقيق بإحالته للفحص الطبي.

ولقد تمت الإشارة بالمادة 174-1 من مشروع قانون المسطرة الجنائية على أن المراقبة الإلكترونية بواسطة قيد إلكتروني سيحدد أحكام العمل بها وشروطها ومختلف الشكليات المرتبطة بها من خلال قانون تنظيمي، تمت الإحالة إليه بالفقرة الأخيرة من المادة السابقة.

وتثير المراقبة الإلكترونية عدة مشكلات كالملائمة من الناحية القانونية بين مكان تنفيذه في البيت ومبدأ عدم الاعتداء على حرمة المسكن وعلى الحياة الخاصة لأن حرمة المسكن قد تنتهك من طرف نظام المراقبة إذا كان هذا المسكن مشترك كذا إشكالية التعويض عن المراقبة الإلكترونية غير المبررة، ومدى جواز خصم مدتها المراقبة من مدة العقوبة والتقادم.

إن تبني التدابير البديلة للاعتقال الاحتياطي، بعد أهم وأبرز التطورات العلمية بمجال العدالة الجنائية رغم الانتقادات التي توجه اليه، إذ إنها في المقابل تساهم في حماية المتهم، وذلك عن طريق إبعاده من الوسط الإجرامي (السجن)، كما أنها تشكل ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة، وكذاك من ضمانات حقوق الإنسان، وتعزز المبدأ الدستوري قرينة البراءة.

إن تطبيق مقتضيات مشروع قانون المسطرة الجنائية، ودخوله حيز التنفيذ، وتفعيل بدائل الاعتقال الاحتياطي، سواء المراقبة القضائية أو الكفالة بنوعيها، وكذلك المراقبة الإلكترونية، سيؤدي لا محالة لإعطاء صورة إيجابية لتطور المنظومة الجنائية بالمغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد