جلست أتأمل ما الذي حدث فتغيّرت الكثير من المجتمعات من مجتمعات تراحمية إلى مجتمعات مادية بحتة, فكل شيء أصبح بمقابل, ومعظم الأشياء أصبحت أعجمية عنّا.

فوجدت أن ثمة فجوة مميتة بين هذا الجيل القادم من الشباب والجيل الحالي, فالجيل الحالي تربى على الأرجوحة, فحتى تلعب يجب أن يساعدك أحد ثم تتبادلوا الأدوار حتى تستطيعوا اللعب, أما الآن فقد أصبحت الألعاب تحتاج لضغطة زر فقط ولا تحتاج لأحد، فأصبح كل شيء يجعل الفرد ينغلق على نفسه، وأنا ومن بعدي الطوفان.

فهل هذا الجيل الذي أصبح استهلاكيًا قادر على أن يكون إنتاجيًّا أم سيظل دائمًا هو الجمهور المستهدف ولن يستهدف أي جمهور!

هل في عصر الثورات والانقلابات سنواجه الظلم والفساد بمواقع التواصل الاجتماعي وأعداد المتابعين وأحدث الأجهزة ودوامات الاستهلاك المتزايدة؟

إذا توقفنا قليلًا سنجد أننا أصبحنا نجيد فن التعليق وقد يكون تعليقًا ذا عمق فكري, لكن تبقى الفجوة الأكبر حينما أكتب الstatus  واضغط زر post  وأنسى أن أقوم لأعمل بها، بالطبع لأنني أتابع التعليقات على «البوست».

إلى متى سيظل يكتب البعض إن لم يكن المعظم عبارات مثل:

  • لا تسأل عن العدل فقد مات عُمر.
  • أمة اقرأ لا تقرأ.

لماذا أصبح البعض يتغنى بهذه العبارات, بل لماذا انقلبت المعايير فظننا أن القصص والتاريخ شيء نتذكره للحسرة لا للتعلم ثم التعجيل بالعمل؟!

لماذا لا نربي ابن الخطاب والجبير والفاتح وغيرهم؟

متى سيخرج أولئك المسلمين من دائرة الحزن والحسرة لدائرة العمل؟

هل لنا من فتوحات جديدة؟!

على صعيد آخر, وجدتني دائمًا حينما أنظر لقائمة الطعام بأي مكان، ينتابني الشعور بالعجز والجهل إلى أن أتى يوم وجدتهم يقولون لي لا يوجد إلا السوبر كرنشي.  فسألت ما الفرق بينه وبين البانيه؟ كانت نظرات الضحك و«الصعبانيات» كأني أشحذ منهم تملؤهم! واكتشفت أن هذا الكرنشي هو  بذاته الذي أريد، ولكنّي كل يوم أجده أمامي فأشير تجاهه دون مسميات وأنا لا أدري ملته إلا أنه من فصيلة البانيه! وإذا بالفرق أن البانيه تجد به كذا وهناك لا يوجد كذا، فعُدت لأتعجب من نظراتهم لي، وأني لست من زمن آخر أو متأخرة! فللوهلة الأولى والأخيرة علاقتي به أنه مجرد سندوتش فراخ وأنا شخص جائع، ولن تتأثر علاقتنا بهذه التفاصيل الفارغة طالما أنه حلال.

فقد كثرت الأسماء الاستثمارية بالآونة الأخيرة ومعها كثر الاستهلاك، وعلى ما يبدو يبارك الله في ذاكرة الكثير من الشباب الآن. فبالنسبة للمخلوق الطبيعي تجده يفرق بين المنبهات إما شاي وقهوة وبعض المذاقات، لكن الآن تجد بعض الأشخاص عندهم القدرة الهائلة على استيعاب الكثير من التفاصيل التي لن تؤثر على الكوب الذي يتردد عليه، هذا شاي بنكهة كذا وهذا كابتشينو وهذا سبريسو أما هذا فرابتشينو , رحم الله أيامًا كانت بعض «محلات» يكتب عليها هنا تجد مرطبات, أما الآن أصبحنا في عصر ال«سموزي».

و على ما يبدو أنه أصبح حفظ هذه المسميات نوعًا من أنواع التحضر، أو بلفظ أدق نوع من أنواع التحضر الشكلي, فمن تجده يحفظ الكثير من هذه الأسماء تأخذ عنه انطباعًا أنه من الشخصيات التي تذهب لأفخر الأماكن، ومن ثم تظنه شخصية مرموقة أو مرفهة, كل ذلك لأنه يقول أسماء لا تعلمها، فأنت تشرب قهوة باللبن وهو يشرب café au lait, وستجد بالنهاية أنكم تشربون نفس الشيء, حتى العاملين بهذه المشاريع الاستثمارية يجب أن يتحدثوا في أنواع الطعام بلغة إنجليزية, فأنت في عصر حضارة التغريب!

فضلًا عن صور التغريب المنتشرة في مجتمعاتنا، وتهميش لُغتنا العربية وغيره، وكله يصب في إناء خدمة حضارات الغرب وسقوطنا شيئًا فشيئًا.

و قد وجدت ضالتي في سطور مقال الدكتور عبدالوهاب المسيري «أسئلة الهوية», فقد أشار:

«وهذا ما أدركه لورد ماكولي، السياسي والكاتب الإنجليزي. ففي خطاب له للبرلمان الإنجليزي في 2 فبراير 1835 قال: «لقد سافرت في الهند طولا وعرضا، ولم أر شخصا واحدا يتسول أو يسرق. لقد وجدت هذا البلد ثريا لدرجة كبيرة، ويتمتع أهلها بقيم أخلاقية عالية، ودرجة عالية من الرقي، حتى أنني أرى أننا لن نهزم هذه الأمة، إلا بكسر عمودها الفقري، وهو تراثها الروحي والثقافي. ولذا أقترح أن يأتي نظام تعليمي جديد ليحل محل النظام القديم، لأنه لو بدأ الهنود يعتقدون أن كل ما هو أجنبي وإنجليزي جيد وأحسن مما هو محلي، فإنهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم وثقافتهم المحلية، وسيصبحون ما نريدهم أن يكونوا، أمة تم الهيمنة عليها تماما».

فبالطبع ليست قضيتي في الأرجوحة أو التكنولوجيا الحديثة أو الطعام والشراب، لكن الحق أن كل هذه الصور نتاج لهوية الضائعة, فأصبح كل جديد نتبناه كي نواكب التغيير والعصر الحالي, لأن التغيير في حد ذاته هو هوية من ليس له هوية، فأصبح هو الشيء الوحيد الثابت, أي أصبحنا بلا مرجعية ولا ثوابت.

ليتنا ندرك أن استحمار فاحتلال الفكر أشد قسوة من استعمار واحتلال الأرض.

ليتنا ندرك أن جيل الفرابتشينو قد يجد فرابتشينو فاتح، لكنّك لن تجد فيه أمثال محمد الفاتح.

ملحوظة: استعنت ب«جوجل» لمعرفة الأسماء الواردة في قسم الطعام والشراب.

رابط مقال «أسئلة الهوية»

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد