قبل ساعات قليلة، قامت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا بشن هجمة صاروخية على العاصمة السورية دمشق في مشهد يذكر كبارنا بالهجمة الثلاثية على مصر بعد تأميم قناة السويس ويذكر جيلنا ببغداد عام 2003 وطرابلس عام 2011. وقد جاءت هذه الهجمات في سياق الرد على هجمة كيميائية على مدينة دوما بالعاصمة السورية والتي اتهمت دول غربية الحكومة السورية بأنها نفذتها.

ورغم أن المنظمات الدولية قد أوضحت بما لا يدع مجالًا للشك أنه لا يمكن تأكيد أو نفي حصول الهجمة الكيميائية أو مسؤولية الحكومة السورية عنها قبل تحقيق دولي في المسألة وذلك على لسان الأمين العام للأمم المتحدة والناطقة باسم المنظمة العالمية للصحة، ورغم أن لجنة التحقيق في الهجمة الكيميائية التابعة للأمم المتحدة قد وصلت سوريا قبل الهجوم الثلاثي بساعات في ظل ترحيب سوري عبر عنه مندوب سوريا في الأمم المتحدة د.بشار الجعفري في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن بما يعني أنه لا يوجد إلى حد الساعة تقرير نهائي بنتائج التحقيق يثبت أو ينفي ملابسات الهجمة الكيميائية أو مسؤولية طرف معين، ورغم الحساسية والإخلال بالاستقرار العام للمنطقة الذي قد تؤدي اليه هذه الهجمة الثلاثية في ظل الموقف الروسي الذي يقف سرًا وجهرًا ضدها ومنع السماح بمرورها في مجلس الأمن، إلا أن الدول المشاركة فيها لم تتوان عن تنفيذها.

ومن هنا يأتي السؤال الرئيس الذي يحاول هذا المقال التعامل معه.. هل تعتبر الهجمة الثلاثية على سوريا شرعية بمنظور القانون الدولي؟ أم أنها تعتبر دليلًا لا شك فيه على أن النظرية الواقعية المؤسسة على أن القوة هي الحق واعتماد الدول على القوة حصرًا في تحقيق مصالحها ووجودها هي النظرية الأنسب لدراسة العلاقات الدولية على حساب النظرية الإدماجية المرتكزة على اعتماد الدولة على التكامل الدولي عبر المنظمات الدولية لتحقيق مصالحها ووجودها؟

يعتبر تفادي الصدام العنيف بين دول العالم أحد أسس قيام منظومة القانون الدولي ومنظمة الأمم المتحدة، وخصوصًا بعد الأثر الكارثي الذي خلفته الحرب العالمية الثانية على مستوى العالم قاطبًا. وقد حدد القانون الدولي بشكل واضح جد لا يدع مجال للتأويل المعايير والظروف المحددة لمدى شرعية استخدام الدولة A أو مجموعة دول G متحالفة تربطها اتفاقية دفاع مشترك وفقًا للمادة 51 للقوة العسكرية ضد دولة B. حيث اشترط توافر إحدى الظروف الثلاثة التالية لاعتبار ذلك الاستخدام شرعيًا وهي:

1- توافر حالة الدفاع عن النفس بالنسبة للدولة A أو احدى دول مجموعة الدول G ضد اعتداء عسكري من طرف الدولة B، حيث يعتبر استخدام A أو G للقوة العسكرية ضد الدولة B حالة شرعية للدفاع عن النفس وفقًا للمادة 2(4) والمادة 51 من ميثاق الامم المتحدة.

2- صدور قرار من مجلس الأمن يبيح استخدام القوة ضد الدولة B بسبب إخلال الأخيرة بالأمن الدولي وفقًا لميثاق الأمم المتحدة.

3- استخدام القوة العسكرية من طرف الدولة A على اراضي الدولة B بناءً على دعوة حكومة الاخيرة الشرعية للدولة A وفقًا لأحكام محكمة العدل الدولية.

ويبرز في هذا المقام سؤال مهم جدًا، هل تعتبر الحكومة في حالة الحرب الأهلية حكومة شرعية؟

للإجابة على هذا السؤال يكفي الرجوع إلى سجلات محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة عام 1986 والتي أصدرت فيها حكمًا لم يتم تحديه إلى يومنا هذا.

في عام 1986 قامت نيكاراغوا برفع قضية ضد الولايات المتحدة في محكمة العدل الدولية بسبب التدخلات العسكرية والشبه عسكرية الأمريكية في وضد نيكاراغوا. وادعت نيكاراغوا في مرافعتها أن الولايات المتحدة الأمريكية، وفي خرق واضح لالتزاماتها تجاه القانون الدولي، خرقت سيادتها عبر عدد من الافعال منها تنفيذ هجمات مباشرة جوية وبرية وبحرية ضد نيكاراغوا، تنفيذ اختراقات للمياه والأجواء الاقليمية للدولة واستخدام طرق مباشرة وغير مباشرة لقمع وإخضاع حكومة نيكاراغوا (محكمة العدل الدولية، قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة، 1986).

في المقابل، أسست الولايات المتحدة مرافعتها على فكرة أنها كانت تتصرف تحت ظل مبدأ التدخل بناءً على دعوة، إلا أنها استلمت هذه الدعوة من المعارضة في نيكاراغوا. وكان رأي محكمة العدل الدولية (1986)، والذي لم يتم نقضه إلى يومنا هذا، التأكيد على أن الدعوة للتدخل في الشؤون السيادية لدولة أجنبية له أساس قانوني حصرًا اذا كانت تلك الدعوة صادرة عن الحكومة الشرعية للبلاد لا المعارضة (فوكس، 2015). وبالإشارة إلى إعلان العلاقات الودية، حكمت المحكمة بأن التصرف الذي قامت به الولايات المتحدة في تلك القضية يعتبر خرقًا للقانون الدولي وأن لا وجود لحق عام في التدخل لدعم معارضة في دولة أجنبية في القانون الدولي الحالي (محكمة العدل الدولية، قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة، 1986).

ويجدر بنا التنويه في هذا المقام إلى أنه إلى يومنا هذا وبغض النظر عن المواقف المتباينة منها، لا زالت منظمة الأمم المتحدة تعترف بالحكومة السورية الحالية على أنها الحكومة الرسمية الشرعية ويعتبر وجود ممثل الحكومة السورية الحالية في الامم المتحدة د.بشار الجعفري دليلًا واضحًا على ذلك.

بالعودة إلى سياق استخدام القوة العسكرية الاخير الذي نفذته بعض الدول الغربية ضد سوريا، فإنه لم يتوفر إلى حد الساعة أي دليل يشير إلى أن الحكومة السورية نفذت أو أمرت بتنفيذ أي اعتداء عسكري مستعملة الجيش السوري أو إحدى أجهزتها الأمنية ضد الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا أو حتى خارج حدودها في سياق الأزمة السورية منذ 2011 وإلى اللحظة، وذلك ما أكدته حتى الدول المهاجمة حيث إنها لم تبرر ضرباتها بحالة رد على اعتداء، بل كان المحرك الاساسي على لسانهم هو الهجمات الكيمائية في دوما.

كما أن مجلس الأمن لم يصدر أي قرار ينص على السماح بتنفيذ عمل عسكري ضد سوريا، بل إن منظمة الأمم المتحدة بحد ذاتها لم تحسم بعد في مدى تأثير الضربة الكيميائية أو مدى مسؤولية الحكومة السورية عنها؛ إذ إن فريق التحقيق التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية التابع للأمم المتحدة وصل سوريا ساعات قبل الهجمة ولم يصدر بعد تقريرًا عنه يوضح ظروف وملابسات الضربة الكيميائية في دوما، وهو أمر أكدته تصريحات المتحدثة باسم المنظمة العالمية للصحة فضيلة الشايب في مؤتمر صحافي بجينيف حيث صرحت بأنه لا تتوفر معلومات كافية للجزم في القضية.

ورغم محاولات الولايات المتحدة وحلفائها تمرير قرار يسمح بهذا الاستعمال للقوة عبر مجلس الأمن، إلا أن الفيتو الروسي منع تمريره. وبغض النظر عن مدى صحة أو خطأ القرار الذي حاولوا تمريره أو صحة أو خطأ صد روسيا له، فإن القرار بالنتيجة لم يمر، وبالتالي فإن مجلس الأمن لم يسمح أو يأمر بضربة عسكرية ضد سوريا وهنا جاء تصريح مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن نيكي هيلي، والتي قالت في نهاية الجلسة بكل وضوح وصراحة بما معناه أن الولايات المتحدة ستتحرك ضد سوريا بموافقة مجلس الامن أو بدونها. أما بالنسبة للظرف الثالث لشرعية التدخل العسكري وهو التدخل بناءً على دعوة من الحكومة الشرعية، فإن الحكومة التي تعتبر دوليًا الحكومة الشرعية السورية إلى هذه الساعة لم تقم في أي مرحلة من مراحل الأزمة السورية، وخصوصًا المرحلة الأخيرة، التي عرفت فيها تقدمًا ميدانيًا ملحوظًا بإرسال دعوة لأي دولة غربية تبيح لها التدخل العسكري في سوريا، بل عارضت بشكل علني واضح وعلى لسان رئيسها بشار الأسد مثل هذا التدخل معتبرة إياه خرقًا للسيادة السورية.

بناءً على ما سبق، فإن الهجمة الثلاثية التي نفذت ضد دمشق مؤخرًا تعتبر غير مؤسس لها قانونيًا باعتبارها تفتقد شروط اعتبارها استخدامًا شرعيًا للقوة ضد دولة B وهي سوريا في هذه الحالة. بل يعتبر ما حدث وفقًا للقانون الدولي إعلان حرب يسمح نظريًا للدولة السورية وفقًا للمادة 51 باستخدام القوة العسكرية ضد الدول التي نفذت الهجمات. وإذا كان هذا واضحًا بالنسبة لشخصي المتواضع، فمن المستحيل أن يكون هذا خفيًا على خبراء السياسة والقانون والدبلوماسية لدى البلدان التي نفذت تلك الهجمة الثلاثية، إلا أنها ورغم ذلك نفذت الهجمة فعليًا على الأرض ولم تنتظر حتى نتائج التحقيقات الدولية لتأكيد أو نفي مسؤولية الحكومة السورية عن استخدام المواد الكيميائية في دوما. مما يقودنا إلى سؤال آخر مهم، هل تمتلك المنظومة الدولية آلية لردع الدول العظمى عن خرق القانون الدولي الذي اجتمعت أغلب دول العالم على أنه خير وسيلة لتفادي الصدامات الهدامة بين الدول؟ أي من قائد دفة السفينة الدولية هنا؟ الحق والقانون الدولي المجمع عليه أم قوة ونفوذ الدول والتحالفات؟

تعود بنا الإجابة عن هذا السؤال إلى غزو العراق عام 2003، حيث قامت مجموعة من الدول ترأسها الولايات المتحدة باستخدام القوة العسكرية لغزو العراق وإسقاط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين تحت دعوى أنه يمتلك أسلحة دمار شامل. وقد خرج على العالم انذاك وزير الدفاع الأمريكي السابق كولن بأول بعينات من المفاعلات العراقية تثبت امتلاك العراق لأسلحة دمار شمال ورددت الدول المشاركة في العملية فكرة أن هذا التدخل هو لمنع الرئيس السابق صدام حسين من استخدام هذه الأسلحة لتهديد المنطقة بأسرها، وكذلك لهدم الدكتاتورية وجلب الديمقراطية للعراق. ويجدر بنا هنا التنويه إلى أن هذا التدخل لم ينتظر قرارًا من مجلس الأمن حيث إن مجلس الأمن الدولي لم يصدر قرارًا يبيح التدخل العسكري في العراق، كما أن العراق آنذاك لم ينفذ أي عمل عسكري ضد أية دولة من الدول المشاركة في وقت الغزو وبكل تأكيد لم يقم بدعوة الدول المشاركة لاستخدام القوة على أرضه. وبناءً عليه فإن هذا التدخل لم يكن شرعيًا دوليًا، وكانت نتائجه كارثية على المنطقة كلها، إضافة إلى أنه لم يتم العثور على أي أثر لأسلحة دمار شامل.

وحدثت نفس الحالة في ليبيا، حيث إن مجلس الأمن الدولي في القرار 1973 (2011) أباح التدخل (بفرض منطقة حظر طيران) لمنظمات البند السابع الدولية في المنطقة والتي تندرج تحتها جامعة الدول العربية على سبيل المثال، إلا أن حلف شمال الأطلسي (NATO) لا يندرج تحت هذا التصنيف كونه يعتبر اتفاقية إقليمية للدفاع المشترك بين دول شمال الأطلسي شكلت بناءً على المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة والتي تؤسس لحق الدول في الدفاع المشترك عن نفسها وهي مادة ليست جزءً من البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يبدأ من المادة 52، وبناءً عليه فإن الحلف يلتزم ككل بالتزامات الدولة الفردية، أي أن التحالف لا يمكنه استخدام القوة العسكرية بشكل شرعي، إلا وفقًا للبنود الثلاثة المذكورة أعلاه باستثناء البند الثاني حيث يجب توجيه إباحة مباشرة للحلف لاستخدام القوة. ومن المعروف أن الدولة الليبية آنذاك لم تنفذ أي عمل عسكري ضد أي دولة أجنبية لحظة تدخل الناتو العسكري، كما أن دول الحلف لم تتلق تصريحًا من مجلس الأمن باستخدام القوة، ولم تقم الحكومة الليبية الشرعية آنذاك بدعوة احد لاستخدام القوة على أرضها. والكل يعلم مدى الفوضى التي أصابت ليبيا بعد هذا التدخل.

وبالنظر إلى ما تبع هذان الحدثان على سبيل المثال لا الحصر، فإن المنظومة الدولية اضطرت لغض البصر عن اختراقات واضحة وضوح الشمس للقانون الدولي من طرف هذه الدول في مشهد يدل بشكل فعلي على أنها قد تكون عاجزة عن صد هذه الخروقات أو ضمان أمن باقي أعضائها منها، علمًا أن من نفذوا هذه الاختراقات هم وللأسف دول عظمى تعتبر من مؤسسي منظمة الأمم المتحدة ويمتلكون حق النقض في مجلس الأمن. وإذا افترضنا صحة هذه الفرضية، فإن النظرية الواقعية (التي تفترض أن العالم منظم وفق آلية مبنية على حتمية الصدام واستمرارية السباق على قمة هرم القوة) تعتبر النظرية الأكثر صحة في دراسة الحالة الدولية الحالية، حيث إن نظرية الادماج (التي تنص على انه يمكن للعالم التعايش ومواجهة المشاكل عبر انخراط دوله واندماجها في الأجسام الدولية والاتفاقيات الدولية) تعتبر في هذه الحالة غير واقعية إلا إذا تساوت جميع دول العالم تحت طائلة قانون واحد يضع الجميع أمام التزاماته، وهو شيء من الصعب جدًا رؤيته في واقعنا الحالي أين يبدو أن القانون الدولي لا يفرض احترامه إلا على الضعيف ويمكن تفادي العقاب على اختراقه عبر الانتماء إلى الأحلاف الصحيحة في الزمان والمكان الصحيح أو امتلاك القوة الكافية التي تجعل عقابك كدولة مكلفًا جدًا للمنظومة الدولية فتغض البصر عجزًا.

سوريا لم تكن الدولة الأولى التي شهدت استخدام اسلحة كيميائية وأسلحة محرمة دوليًا ضد مدنيين وأطفال خلال العشر سنين السابقة، والبحث عن مادة الفسفور الأبيض وعن القنابل العنقودية واستخدامها في منطقة الشرق الأوسط يدلنا بشكل واضح على ذلك، فما الفرق بين ضحايا دوما وضحايا المناطق الأخرى لما لم يستحق احتراق عائلات أحياءً وهي فارة من منطقة حرب في مدرسة لمنظمة الأونروا التابعة للأمم المتحدة تحت القصف الجوي بالفسفور الأبيض حتى موقفًا سياسيًا رغم وضوح المسؤولين عن استخدام الأخير وضوح الشمس في تقرير لجنة تحقيق دولية، واستحق اختناق الأبرياء في دوما بالذات فورًا فعلًا عسكريًا مباشرًا محفوفًا بخطر جر العالم لحرب عالمية ثالثة ضد فاعل بناءً على اتهامات أحادية المصدر قبل إتمام أي مرحلة من مراحل التحقيق الدولي للتأكد من تلك الاتهامات حتى؟.. ماذا عن الاطفال والنساء الذين رميت على رؤوسهم قنابل عنقودية في منطقة من مناطق الشرق الأوسط.. أو ليس الرامي، بل حتى مورد هذه المعدات للرامي واضحان كفاية ليأخذ منهم ولو موقف سياسي دولي؟ أولًا يعتبر استخدام القوة في سوريا بهذا الشكل رغم الظروف المحيطة به ومواقف الفاعلين الإقليميين وبعض القوى الدولية منه إخلالًا كارثيًا بالأمن العالمي نتيجة تصرفات أحادية الجانب غير مصرح بها تعجز المنظومة الدولية عن صدها بشكل يهز عرش ميثاق الأمم المتحدة؟.. بعد الترحم على أرواح من قضى في دوما وبغداد وطرابلس وكل مكان مسه هذا الحال في العالم.. وببقاء الوضع العالمي على هذا الحال، يبدو يا سيداتي وسادتي أنه في عالمنا الحالي لا قيمة للحق والحقيقة في غياب القوة.. فما دام الضعف هو سيد الموقف، فالبارحة بغداد واليوم دمشق وغدًا بيتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد