في مسيرة الحياة، منا من خلص إلى أن الفرح والسعادة لحظات نحصل عليها اقتناصًا، تعطينا شعورًا قويًا وممددًا. أما الحزن والتعب والأسى واليأس، فلها الأوقات الطوال. لذا نتعلق بالأمل ونفرد له مساحة واسعة، وبقدرما يحزننا غياب الأشخاص الذين نحبهم، نبحث فيما تركوه من الآمال التي سعوا إليها وحضروا نحوها مسارات للحلم والضوء، وذلك لتخليدهم ولتخليد آثارهم في ذاكرة الشعوب.
ومنا من علمته الحياة أن الكتابة عن المكان تحول هذا المكان إلى كلمات، والكلمات مهما كانت بارعة لا تتعدى أن تكون ظلالًا باهتة، أو في أحسن الحالات ملامسة لها من الخارج، أو مجرد اقتراب منها، مع أن الحياة ذاتها أغنى وأكثر كثافة، ومليئة بالتفاصيل التي يصعب استعادتها مرة أخرى؛ لأنه من أصعب المواقف أن يكون الإنسان شاهدًا وأن يكون مطمئنًا.
أما أنا فأردد مع القائلين: إن أفظع ما في الخيال الاستفاقة منه على حقيقة مرة، وهذا نزر قليل عن ذاكرة مكان سرها زمن وساءتها أزمان. إنها ذاكرة القصبة الزيدانية.
تقع هذه المعلمة العريقة في مركز مثلث «بني ملال، تادلا، الفقيه بن صالح». ويعود إنشاؤها على الجانب الأيسر من «مشرع أم الربيع» المعروف بالمحج السلطاني، إلى سنة 992 هـ/ 1584م على يد «زيدان بن أحمد المنصور الذهبي» الذي كان واليًا على جهة تادلا. و تعتبر أول حاضرة شيدت على بلاد «بني عمير»، ولم تلبث أن أصبحت تتحكم في نصف المغرب، بعد أن وزع «أحمد المنصور» مجموعة من المناطق على أبنائه، و فوض لهم جميع الصلاحيات والسلط التي كان يتمتع بها. وربما كان هذا من الأسباب التي جعلت بعض المؤرخين يصفون المنطقة بالقطر التادلي، والقصبة الزيدانية بالقصبة العميرية، وحتى بالمدينة العظيمة. إنها على حد قول الشاعر:
آية في الفن تنبئ من أتى ***** عمن مضى وكفى بها للراء
إلا أنها على الرغم من الدور السياسي والأمني والثقافي والاقتصادي الذي ظلت تلعبه على مر الزمان، فقد ظلت دومًا في أذهان العميريين وغيرهم من أهل الربع التادلي، على حد تعبير الباحث «أحمد محمد قاسمي»، رمزًا للسلطة وما يمكن أن تثيره هذه الكلمة من خوف ورهبة في النفوس، ولعل ذلك ما أخر نموها الحضاري، وأبعد السكان عن جنباتها، كما جعلها هدفًا مرصودًا لقوات الاحتلال الفرنسي حين دخولها المنطقة، فكان أن احتلتها بتاريخ: 10 أبريل (شباط) 1913م. واستباحت هدمها وشجعت على نهب نفائسها؛ مما دفع بعض القواد إلى جلب أخشابها وسقوفها لتشييد منازلهم.
الزيدانية، هذه المعلمة التاريخية، تحولت اليوم إلى أطلال امتدت إلى رحابها محاريث بعض الفلاحين وقطعان أغنامهم، وأيدي العابثين…هي الآن، في حاجة إلى من ينقذ معالمها ويرعى آثارها المتبقية. إنها صرخة استغاثة إلى كل الضمائر الحية التي تغار على سلامة الذخائر النفيسة لتاريخ وتراث وطننا الحبيب.. ألا فهل من منقذ؟
إن الغريب والأغرب أن نطلب المنقد ونبكي على الأطلال، نحن إلى الماضي ونعيش على وشائج الزمان، إن المنقد نحن ومن تراه يكون؟ أليس نحن من نبكيها الدماء؟ ألسنا من أولى بجعلها قبلة للزوار والسياح؟ أليس التراث بوابة التنمية؟ أليست وظيفتنا أن ننقح هذا التراث ونعيده إلى أهله بحلة جديدة؟
ألا فإن عمل اليوم أولى وأجدى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد