كثيرةٌ هي النقاشات التي تدور يوميًا، وكثيرةٌ هي المواضيع التي نتطرق لها، والأكثر من هذا وذاك هو وجهات نظر الناس حولها، ولكن السمة السائدة عند كثير من أصحاب هذه الوجهات هي اللامنطقية، والابتعاد عن التفكير، والتعبير لأجل التعبير لا لأجل الوصول إلى الحقيقة إذ إن «أكثر الناس لا يعقلون»، فعندما وصفتُ العلاقات الجنسية القائمة خارج إطار الزواج – أمام أحد الأشخاص – بأنها عبارة عن نزعة حيوانية – وقد ظننت وصفي بالمسلمات لدى الجميع – إذ أتفاجأ بردّة فعل عليّ بأن هذه العلاقات لا تختلف عنها تحت ظل الزواج سوى بوجود ورقةٍ (صك زواج).

وهذا الكلام من حيث الظاهر صحيح، ولكن من حيث الجوهر تختلف العلاقات داخل إطار الزواج عنها في خارجه بفوارق لا تعد ولا تحصى، وفي الواقع فإن لب الشيء هو الذي يهمنا وليس ظاهره، فإذا ما ولجنا إلى كنه الزواج رأينا من الود والمحبة والاحترام المتبادل وتحمُّل المشاق والمسؤوليات ما لا نجده في أي علاقة حب مهما عظُمت، وإن لم تجدوا ذلك بين المتزوجين حولكم فالعلة بهم لا بالزواج، كذلك الأمر عندما تجد صديقًا متلونًا لا يحفظ العهد، فإن الخلل فيه وليس بالصداقة.

والآن فلنترك موضوع الزواج برهةً ونفكِّر سويًَّا؛ عندما تشتري بضاعةً من أحد التجار وتدفع له ثمنها، فما الذي يثبت سدادك المستحقات المترتبة عليك سوى ورقة؟!

وعندما تُديِّن أحدهم مبلغًا من المال ويحين وقت السداد، فما الذي يضمن لك حقك عدا ورقة؟!

ثم إن ما وجه الاختلاف بين شهادة الدكتوراه والشهادة الابتدائية، وشهادة المهندس وشهادة الطبيب؛ وبين من تمتلئ سيرته الذاتية بمختلف أنواع الشهادات والخبرات والدورات – والذي تركض المؤسسات والشركات وراءه – وبين من لا تتعدى المعلومات في سيرته الذاتية أكثر من شهادته الجامعية واسمه وعمره ومكان ولادته – والذي تغلق الشركات دونه بابها -؟!، أليست في الظاهر كلها أوراق ولا تختلف إلا في طبيعتها وكنهها، والتي ترفع من قدر شخص وتحط من قدر آخر؟

وإذا ما أسقطنا ذلك كلَّه على الزواج اتضح لنا جليَّا أن الزواج في وادٍ والعلاقات الخارج إطاره في وادٍ آخر.

فالزواج يقوم على المسؤولية من إنجاب الأطفال وتربيتهم وتعليمهم والاهتمام بهم، ومن أن يعرف كل من الزوج والزوجة ما له وما عليه، أما العلاقات العابرة فتقوم على تنحِّي المسؤولية وعدم التفكير سوى بالذات، والتخلص من الطفل -في حال الحمل- بأي طريقة من الطرق ولو كانت بإلقائه على قارعة الطريق دون مبالاةٍ أو تأثُّر.

وتعتبر العملية الجنسية داخل إطار الزواج أحد مكونات الزواج الأساسية، ولكنها ليست المكون الوحيد له إذ إن إنشاء الأسرة وتولي رعايتها، والتواد والتراحم بين الزوجين ووقوفهما إلى جانب بعض في الأوقات العصيبة، هذه الأشياء كلها تشكِّل مع العملية الجنسية لب الزواج.

في حين تكون العملية الجنسية خارج إطار الزواج هي المكون الأساسي والوحيد لهذه العلاقة، وإن زُيِّنت برداء الحب والمشاعر الجيَّاشة والأحاسيس المرهفة، واسألوا من كان بذلك خبيرًا -علماء النفس-، إذ يكشف هؤلاء العلماء عن ارتباط الحب بالجنس ارتباطًا وثيقًا.

وأخيرًا قد قال الفيلسوف كانط فيما مضى «إنَّ البشر يشرِّعون القوانين لأنهم لا يثقون بغرائزهم» والقانون الإلهي لهذه العلاقات هو الزواج.

وقد قال في مكانٍ آخر «إذا أردت أن تعرف صفة من الصفات هل هي خيرٌ أم شر
فعممها»، فلو أن البشر جميعهم اتجهوا إلى الزنا فإن ذلك سيغرق المجتمع بالكوارث
والفواجع -ولا مبالغة ولا غلو في هذا الوصف- كاختلاط الأنساب، والعزوف عن الزواج،
والإقبال على الإجهاض، وانتشار الأمراض من إيدز وغيره، وخسارة فاعِليها في الدنيا
والآخرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!