الكائنُ الوحيد الذي يَعتبره المنظَّرون جديًرا بالاهتمام هو الكائن الذي له الفضلُ في «استمرار دوران عجلة الاقتصاد»، أي الفاعل الاقتصادي المنعزل المتمركز حول نفسه ومصالحه من أجل تحقيق أفضل صفقات، «مهتديًا بالاختيار العقلاني» وحذرًا من السقوط فريسةً لأية عواطف يستعصي تَحويلها إلى مكاسب نقدية. وأما الكائن الوحيد الذي يبدي ممارسو السوق قدرةً واستعدادًا للاعتراف بهِ والتوافق معه فهو الإنسان المُستهلِك، المتسوق الوحيد المتمركز حول نفسه ومصالحه من أجل تحقيق أفضل الصفقات باعتبارها عِلاجًا لوحدته، وباعتبارها العلاج الوحيد الذي يعرفه. «الحب السائل» ص109.

هذه المستهلة لعالم الاجتماع البولندي «زيجمونت باومان Zygmunt Bauman» في كِتابه «الحب السائل»، الذي عالج فيه الكثير من إشكالات الواقع الاجتماعي الاستهلاكي، والنزعة الفردانية السائدة، وخاصةً في المجتمعات الحديثة المتقدمة، فهي تصفُ حال كفتيّ الميزان الذي يزن عليه المجتمع المستهلك السريع قواعده وأسسه، ويستخدم السوق مكيالًا ويجعل الإنسان الفرد صفقةً رابحة.

بعيدًا عن التوظيفات المعرفية للكِتاب حول العالم الحديث الذي نعيش فيه وسيره على قدمٍ وساق مع العالم الرقمي الافتراضي المستجد، هُناك أزمة نعيشها جميعًا.. بعضنا يعيش معها متماهيًا بشكل اعتيادي، والبعض الآخر يعيش معها لاعنًا وطأتها متأملًا في إحداث تغيير. وهذا بدوره يدعونا إلى التساؤل: هل نحن مدفوعون حقًا بغير إرادتنا نحو الاستهلاك؟ وهل الانسلاخ عن هذه النزعة أمرٌ محتومٌ بالفشل؟

ما أحوجنا إلى الزهدِ!

الزهد والقدرة عنصران لا ينفكان عن بعضهما البعض، لا يكون الزهدُ زهدًا وأنتَ لا تملك القدرة على الإنفاق. وأنا أحب هذا الخلط من المعاني.. أحيانًا يفصلُ الناسَ بين القدرة والزهد ويُلبَّسون الزهدَ شكل الثيابِ الرثة والحال البائس والضعف والوهن. وأتصور أن الخلل يكمن في «القراءة التاريخية للزهاد» التي عولجت بنظرة أحادية، والتي لابد أن تكونَ في سياقها الخاص بعيدًا عن مجريات العصر الحالية، أما مع النظام الاجتماعي – الاقتصادي الحالي، فالتوفيق بين هذين المشهدين من (القدرة والزهد) في آنٍ معًا، وهو أمر ليس بمستحيل.

بل أعده أمرًا واجبًا حقيقةً مع قدرة التسويق الحالي على استفزاز واستنزاف حواسنا من أجل الخضوع لإعلان منتج ما حتى ونَحن لا نحتاجه حقًا! مع هذه القدرة يمكن أن نصنع معها فارقًا في تقنيلها (من اسم قناة) بالاتجاه السليم وتوجيهها فيما نَحتاجه حقًا. وإن دققنا النظر في طريقة الإنفاق الخاصة بإنسان اليوم لوجدنا العجب! وسترى أن لغة المظهر لا تكشف عن الكثير، ولوجدنا أن أية عائلة تواجه ترفًا في أمر ما في ذات الوقت الذي تعاني من نقص في أمر مغاير!

ما أحاول الرمي إليه أن التعامل مع الزهد في وقتنا الحالي لا يجب أن يتصور في هيئات الضعف والحرمان، فلو وضعنا تطور «تورطنا في الإنفاق» على أشياء لا نحتاجها فعلًا في منظور صيروري – أي سير وتحول معًا – سنفهم الصورة أكثر.

لنفترض أننا وصلنا لنقطة معينة في هذه الصيرورة الإنفاقية بعد تراكمها الكمي والنوعي لعمليات الاقتناء، سنرى أننا في حال رجعنا للخلف على هذا الخط سنجد أن الزهد رافقنا في بداية هذا الخط قبل تورطنا مع الجذب الإعلاني! أي أننا نُعتبر زهاد قبل كل عملية شراء لا نحتاجها، وأن الفاصل بين أن نصبح زهادًا مقتدرين هو قرار واختيار يَخصنا بالدرجةِ الأولى. وهذا يعني أن حالة الزهد غير الواقعية التي صدرت لنا من أدبيات وسير وتراجم ونحوها نستطيع تحقيق بدلًا عنها حالةً من الزهد تتناسبُ مع حيثيات الواقع الذي نعيشه فيه.

يضاف إلى ذلك أن الزهد بهذا المعنى يتقاطعُ في كثير من النقاطِ مع فلسفة العَيش البسّيط «المينيماليزم Minimalism» التي تقوم على البساطة في العيش والاقتناء وفقًا لما هو ضروري وبطريقة تؤدي لضمان استخدامه لا ركنه داخل الرفوف، بحيث يصيرُ فنًا يستطيع المرء من خلاله أن يوفر الكثيرَ مِن المال واستثماره في أشياء أخرى تعودُ بالنفع الحميد على الفرد والأسرة والمجتمع – وفي هذا طرق كثيرة – وأيضًا جعل حواس الإنسان وقراراته واستجابته لما حوله أشد فاعلية.

بهذه الطريقة أيضًا لن يكون المنزل محشو بالأثاث الواسع الذي صُنع خصيصًا للتوقعات الشرائية الحالية والمستقبلية، في ذات الوقت الذي تجد أطفال هذا المنزل ينقصهم تعليم جيد مثلًا! وأيضًا لن يكون هُناك تكدس وضيق بطريقة مفجعة في البيوت الصغيرة التي اضطر ساكنيها للعيش فيها نظرًا لغلاء العقارات الأخرى ومعاشات المكاتب الهندسية! وستكون مساحة أكثر رحابةً وسعة مما يفرضه علينا وحش السوق من اعتقاد بأن هُناك شيئًا ينقصنا! فكر في هذا ستجد أن الكثير من الأشياء المركونة في الدواليب وعلى الرفوف وتحت الاَسّرة لا نحتاجها بالفعل، وأن جُل ما نفعله هو التكديس والاستسلام لشعور «أنها ستلزمنا في المستقبل»!

بالنسبة لي في السنة المنصرمة كنت قد جمعت كمًا من الكُتب وجدت لاحقًا أني لن أقرأها، الأمر ليس متعلق بالتأكيد بإيجاد مساحة تحتويها بقدر ما أن الطريقة نفسها التي عاملت كتبي بها ستجنح بي إلى أبعد من ذلك، وسأكون خاضعًا لتأثيرات السوق بطريقةٍ أو بأخرى، وسيكون مالي مبددًا بالتأكيد في أشياء لا أحتاجها الآن، والأهم يظل الاستهلاك بهذه الطريقة طريقًا آخر للتشتت والحيرة، ويضاف عليهما الأزمة الأكبر (أزمة بحث الإنسان عن السعادة في الاستهلاك واعتقاده بأنه سيجدها هُناك) التي لا تتسع لها هذه الرقعة من الحديث صراحةً، بخلاف ما يدفعه فينا حس العيش البسيط من تنظيم والتزام ووضوح للرؤية والأهداف، وكذلك يزرع فينا احتمالية أن نكون مجتمعًا أكثر تراحمًا والتحامًا، والأهم من هذا أقدر على هذا كُله.

إن طريقةَ العيش هذه تَسترد لنا جوهر الإنسان في كونه شخصًا مستحقًا لحريته متى كان ممسكًا بالمسئولية بشكلٍ أكثر ملائمةً مما هي عليه الآن في هذا العالم السائل الحديث، وتسترد للإنسان قيمته ومطلقاته التي باعها في سوق الاستهلاك بنسبيات عدة، وتجعله أكثر استقلالية وأقل خضوعًا، وتجعله أكثر حكمةً وأقل جنونًا وتدفعه به ومن حوله من الناس إلى النظر – ولو لمرةً واحدة – إلى الحياة خارج صندوق السوق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد