تنشأ أغلب الخلافات الفكرية بسبب عدم تحرير المصطلحات أو سوء تحريرها؛ فكم بريء اتُهم بالإرهاب لعدم وجود تعريف واضح للإرهاب؟ كم مناضل اُتهم بزعزعة استقرار الحكم لغموض وميوع التهمة؟

وكم تصادم عاشق للصوفية مع ناكر لها لعدم وجود فاصل واضح بين الصوفية والدروشة؟ وهنا كم قديس ومفكر ومجاهد اُتهم بالكفر؟ وكم منافق يعجبك قوله في الحياة الدنيا وهو ألد الخصام لُصق بالإسلام؟ حتى أنه رُوي عن الإمام ابن حزم قوله: “سينتهي ثلاثة أرباع اختلاف أهل الأرض إذا اتفق على المصطلحات”.

لذا فقد رسَّخ القرآن معالم واضحة لهذا الطريق، وبيَّن الحد الفاصل بين الإسلام والكفر.

 

الإسلام:

لكل فعل سند نظري يرتكن إليه ويستمد منه حجته ودافعه؛ ولكل نظرية واقع يجسدها وينقلها للحياة. والإسلام لا هو مجرد أفكار تختزنها عقول وترددها ألسن وحسب، ولا هو أفعال معلقة بلا حجة ودافع تستند إليه.

الإسلام فكرة، وهي العقيدة، يجسدها المسلم ويترجمها لواقع ملموس مؤثر مهذِّب لكل نواحي الحياة، وهي الشريعة، لذا علَّق القرآن النجاة في الآخرة بركنين لا انفصام بينهما: العقيدة والشريعة، الإيمان والعمل.

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾

أما عن العقيدة فيقول الإمام محمود شلتوت: “العقائد الأساسية التي طلب الإسلام الإيمان بها، وكانت العنصر الأول من عناصره هي:

أولاً:
وجود الله ووحدانيته، وتفرده بالخلق والتدبير والتصرف، وتنزهه عن المشاركة في العزة والسلطان، والمماثلة في الذات والصفات، وتفرده باستحقاق العبادة والتقديس، والاتجاه إليه بالاستعانة والخضوع، فلا خالق غيره، ولا مدبر غيره، ولا يماثله مما سواه شيء، ولا تخضع القلوب وتتجه إلى شيء سواه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾

 

ثانيًا:
أن الله يصطفي من عباده من يشاء، ويحمله رسالته- عن طريق ملائكته ووحيه إلى خلقه- ثم يبعثه إليهم رسولاً يبلغهم، ويدعوهم إلى الإيمان والعمل الصالح. ومن هنا وجب الإيمان بجميع رسله الذين قصهم علينا من نوح، إلى محمد.

 

ثالثـًا:

الإيمان بالملائكة (سفراء الوحي بين الله ورسله) وبالكتب (رسالات الله إلى خلقه).

رابعًا:
الإيمان بما تضمنته هذه الرسالات من يوم البعث والجزاء (الدار الآخرة)، ومن أصول الشرائع والنظم التي ارتضاها الله لعباده، مما يناسب استعدادهم، وتقضى به مصالحهم، على الوجه الذي يكونون به مظهرًا حقـًّا لعدله ورحمته، وجلاله وحكمته.”(1)

جدير بالذكر أن أي معتقد سوى ذلك ليس شرطـًا للإيمان، فالاعتقاد بنزول المسيح، والمسيخ الدجال، وعذاب القبر، وشفاعة النبي، ورؤية الله..إلخ من الجوانب النظرية في الإسلام وليست ركنـًا من أركان العقيدة، فالاختلاف فيها لا يخرج من الملة.(2)

 

أما عن الشريعة فيقول الإمام محمود شلتوت: “الشريعة اسم للنظم والأحكام التي شرعها الله، أو شرع أولها، وكُلف المسلمون إياها، ليأخذوا أنفسهم بها في علاقتهم بالله، وعلاقتهم بالناس، وأنها على كثرتها ترجع إلى ناحيتين رئيسيتين:

ناحية العمل الذي يتقرب به المسلمون إلى ربهم، ويستحضرون به عظمته، ويكون عنوانًا على صدقهم في الإيمان به ومراقبته والتوجه إليه، وهذه الناحية هي المعروفة في الإسلام باسم (العبادات).

وناحية العمل الذي يتخذه المسلمون سبيلاً لحفظ مصالحهم ودفع مضارهم فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين الناس، على الوجه الذي يمنع المظالم، وبه يسود الأمن والاطمئنان، وهذه الناحية هي المعروفة في الإسلام باسم (المعاملات)”(3)

وبذلك نثبت-خلافًا للشائع- أن الإيمان وحده لا يكفي، فكونك مؤمنًا ليس كافيًا للنجاة، بل يجب الطاعة والاتباع، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.

 

كما أن العمل- حتى لو كان صالحًا–بدون عقيدة لن يُقبل، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾.

الكفر:
قبل الحديث عن الكفر، دعنا نشير إلى مفهوم العدل.

إذا أخطأ عامل بدون قصد أثناء عمله في مفاعل نووي، وتسبب في قتل آلاف، بينما شخص آخر تعمد قتل امرأة عجوز وسرقتها، أيهما يستحق العقاب؟

إذا اقتحم رجل بيتًا يحترق لينقذ طفلاً، وخرج بجثته، هل تعتبره رجلاً فاشلاً أم بطلاً؟
إذا حكمنا بالنتائج سنعتبر العامل المخطئ مجرمًا أكثر من القاتل المتعمد! وسنعتبر من حاول إنقاذ الطفل فاشلاً!

إلا أن ذلك ليس عدلاً، لأن النتائج ليست بأيدينا؛ فآلاف المؤثرات قد تعوق دون وصولي للنتائج الصالحة، وقد اضُّطر إلى ارتكاب نتائج سيئة دون إرادتي سهوًا أو جهلاً، فما ذنبي؟!

أما إذا حكمنا بالنوايا، سنعتبر من قصد القتل مجرمًا، ومن أخطأ عن غير قصد لا يُحاسب، ومن حاول إنقاذ الطفل بطلاً. وهذا هو الأقرب للعدل.
لذا فالعدل يحاسب النوايا والقصد، ومن ثم يقتضي العذر بالجهل؛ فلا يحاسب أحدًا على شيء إن فعله لجهله دون قصد.
نعود لموضوعنا (الكفر).

 

بتطبيق مفهوم العدل هنا، لا يمكن محاسبة أحد على الإيمان والكفر إلا بعد التأكد من قصده وإقامة الحجة عليه، ويؤكد القرآن هذه القاعدة العادلة في أكثر من موضع:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾

﴿لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾

 

حتى إن القرآن حين يتحدث عن نماذج من الكفار، لم يحكم عليهم بالكفر إلا بعد التأكد من أنهم يعرفون الحق، ولكن يحجدونه.

﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾

 

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

تتضافر كل هذه الأدلة لتشكل مفهومًا فطريًّا عقليًّا دينيًّا لأكبر مقومات العدل الإلهي: العذر بالجهل؛ فلا يؤاخذ الناس بجهلهم، ولا تُسعَّر النيران وتُسن السيوف لتقع على أبرياء لا يعلمون، فالكفر- أو الشر بصفة عامة-لا يعني فعل الشر أو غياب الإيمان، وإنما يعني إرادة الشر، أي توفر القصد وتوجه النية، وذلك من القاعدة العامة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، لذا فقد تتوفر أفعال وصفات الشر أو الكفر على الفعل إلا أن الفاعل ليس شريرًا أو كافرًا.

 

عن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله يقول: “إن رجلا حضره الموت، فلما يئس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، وأوقدوا فيه نارًا حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت، فخذوها فاطحنوها، ثم انظروا يومًا راحًا (فيه رياح)، فذروه في اليم، ففعلوا. فقال الله له: لم فعلت ذلك؟ قال من خشيتك. فغفر الله له”(4)

يقول الإمام ابن تيمية: “فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلاً بذلك ضالاً في هذا الظن مخطئاً، فغفر الله له ذلك.”(5)

إذن فالحكم على شخص بالكفر يقتضي إقامة الحجة عليه أولاً، فيقول الإمام محمود شلتوت: “الحكم على شخص بكفره عند الله يتوقف على أن يكون إنكاره للعقائد أو لشيء منها بعد أن بلغته على وجهها الصحيح، واقتنع بها فيما بينه وبين نفسه، ولكنه أبى أن يعتنقها ويشهد بها عنادًا واستكبارًا.

فإذا لم تبلغه، أو بلغته بصورة منفرة، أو صورة صحيحة ولم يكن من أهل النظر، أو كان من أهل النظر ولم يوفق إليها، وظل ينظر ويفكر طلبًا للحق حتي أدركه الموت في أثناء نظره، فإنه لا يكون كافراً يستحق الخلود في النار عند الله.

ومن هنا كانت الشعوب النائية التي لم تصل إليها عقيدة الإسلام أو وصلت إليها بصورة سيئة منفرة، أو لم يفقهوا حجته مع اجتهادهم في بحثها، بمنجاة من عقاب الآخرة للكافرين، ولا يطلق عليهم اسم الكفر.

 

والشرك الذي جاء في القرآن هو الشرك الناشئ عن العناد والاستكبار..قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾”(6)

 

ويقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: “الكفر شرعًا هو رد الحق بعد معرفته، ومعنى هذا أن الذي يرد الحق جهلاً، أو يفعل شيئًا من الكفر جاهلاً ظانـًّا أنه من الإسلام، وأنه فعل ما لا يضاد الإيمان، فليس بكافر حتى تقوم الحجة عليه، ويعلم الحق فيرده على النحو المبين سابقـًا في تعريف الإيمان ومستلزماته ونواقصه.”(7)

 

إذن فلا أحد على ظهر هذه الأرض يمكنه الجزم بكفر شخص بعينه واستحقاقه لجه.

**********************
1. (الإسلام عقيدة وشريعة) ص17
2. المصدر السابق ص54
3. المصدر السابق ص73
4. (صحيح البخاري) ص855 رقم (3452)
5. (مجموع فتـاوى الإمام ابن تيمية) ج11 ص409
6. (الإسلام عقيدة وشريعة) ص37
7. (الحد الفاصل بين الإيمان والكفر) ص53

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد