يقول هو: “أحد مقومات الدين: إنكار المنكر، فيجب على الحاكم محاسبة العصاة، فكيف نسمح للناس بترك ركن من أركان الدين كالصيام أو الحج؟!”.

قسَّم العلماء واجبات الإنسان إلى قسمين: حقوق الله، وحقوق العباد، يقول الإمام القرافي: “فحق الله أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه”(1)، ومن هنا كانت العبادات كالصوم والحج هي حق الله تعالى، أما الزكاة وحفظ العِرض ورد الدَّين حقوق العباد، أو ما يسمى بالحقوق الاجتماعية، أي ما يتعدى الشخص ليؤثر على غيره.

هذا التقسيم جعل العلماء يفرقون بين الفتيا والقضاء، فالفتيا تختص بإيضاح حقوق الله، وهي ذاتية الالتزام، إذ إن طبيعة الدين الالتزام الذاتي، الذي يحاسب عليه الإنسان في الآخرة. أما القضاء فهو مختص بحقوق العباد، وهو القسم الذي تتدخل فيه الدولة بسلطة القانون والإجبار، وذلك لأن حقوق العباد لا تُضمن إلا بسلطة تُفرض على الناس.

يقول الإمام القرافي: “اعلم أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم البتة، بل الفتيا فقط”(2)، كما يقول الإمام أبو حامد الغزالي: “معاصي اللسان والقلب، وكل معصية تقتصر على نفس العاصي وجوارحه الباطنة لا يقدر على مباشرة التغيير بها باليد”(3).

إذن فليس من اختصاص الحاكم التدخل بالقوة ومحاسبة الناس إن أخطأوا في حق أنفسهم، كتارك الحج، وهاجر القرآن، بينما يتدخل فقط عند التعدي على الآخرين.

اعتراض: هل يعني ذلك عدم محاسبة المدمن بحجة أنه حر في إيذاء نفسه؟

المدمن يعتدي على نفسه، صحيًّا ونفسيًّا وماديًّا، إلا أنه يعتدي على المجتمع أيضًا من حيث السماح للجرائم الناتجة عن فقدان الوعي، كالاغتصاب والسرقة وقطع الطريق وترويع الآمنين، كما أن الدولة تضطر في النهاية إلى علاجه، ويؤثر الإدمان بالضرورة على إنتاجية المجتمع، ومشاركة رجاله في حمايته؛ لذا فهو مضر للمجتمع، ومن ثم يجب مقاومته.

يقول هو: “من أنواع المنكر: الأفكار الضالة الكفرية المنكرة؛ فغير مسموح بالدعوة للتنصر أو نشر المذهب الشيعي. ويجب على الحاكم محاربة كل فكرة تناقض الدين، فيجب عقاب من يتطاول على الدين أو طقوسه أو علمائه، ويجب مصادرة الأفلام/ الكتب/ الصحف المحرمة ومحاسبة فاعليها”.

يطرح الإسلام قاعدة من القواعد الإنسانية الأساسية وهي: لا إكراه في الدين؛ فلم نجد آية واحدة أو حديثًا يمكن تأويله لإجبار الناس على معتقد بعينه فيقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾، ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾، ومن هنا فلا مجال لمحاسبة الناس على معتقداتهم وأفكارهم، مهما بدا فيها من شذوذ ومنكر وضلال وكفر… إلخ.

بجمع الآيات التي تتحدث عن مواجهة الكفر أو الأفكار الباطلة عمومًا نجد منزلتين:

1. الموعظة والجدال بالتي هي أحسن:
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾

2.الإعراض:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾
هكذا على قدر طاقة الإنسان وواقعه، عليه إما أن يُعرض عن كل ضلال أو يحاول تغييره بالفكر، ولم يشر القرآن لا تصريحًا ولا تلميحًا أن نضع أيدينا على أفواه الناس ونمنعهم الحديث مهما كان قولهم، وحين نتعرض لأقوال المشركين نجدهم يصرّحون بادعاءاتهم الضالة جهارًا دون أن يمسهم أحد:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾

﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾
ومن هذه الأقوال يتضح مدى حرية التعبير التي كفلها الإسلام لغير المسلمين، ولعل تخليد هذه الأقوال في قرآن يُتلى آناء الليل وأطراف النهار خير مثال لترسيخ مبدأ: لا يواجه الفكر إلا بالفكر؛ فكل فكرة راسخة متمكنة لا تهاب الانتقاد والطعن، بل تواجهه، وتناظره.

وبذلك نجد أن الاعتقاد – أيًّا كان شذوذه وضلاله– والتعبير عنه ليسا ضمن المنكر الذي يجب تغييره بسلطة القانون.
يقول هو: “وإن لم ينكر الحاكم المنكر- ابتداءً من القصاص مرورًا بالكباريهات… إلخ، فنحن مضطرون لإنكاره بأنفسنا”.

صحيح هذه الأمثلة متفق على أنها منكر، ويجب إزالتها بالقوة وليس الإقناع، لكن السؤال: هل هي قوة القانون وسلطة القضاء، أم يحق لأي شخص إنكار المنكر بيديه؟

يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): “من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه”.

إن ارتباط الوسيلة بالاستطاعة يدل على أن الاستطاعة شرط التغيير، فإن لم تتوفر سلطة تسمح لنا باستخدام القوة، ننتقل للمستوى الثاني (اللسان).

إن التعريف البدائي للدولة: أن الحكومة هي الجهة الوحيدة المسموح له استخدام السلاح. وبدون هذه القاعدة لم تعد دولة ولا نظامًا، فإن سُمح لأي شخص أن يحمل سلاحًا لينكر ما يراه منكرًا بيده، ستنهار الدولة وتسود فوضى لا تحفظ دينًا ولا نفسًا ولا عِرضًا ولا مالًا.

هذه النتائج الكارثية دفعت العلماء للالتفات إلى النتائج، وأقروا قاعدة: إنكار المنكر يصبح حرامًا إذا ترتب عليه ما هو أنكر منه. وقاعدة: الضرر لا يزال بضرر أكبر منه. ومشروعية السكوت على منكر مخافة ما هو أنكر منه، ارتكابًا لأخف الضررين.(4)

فعن القصاص مثلًا يقول الإمام القرطبي: “اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك لسلطان أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض”.(5)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد