“أحد أنواع الجهاد: جهاد الطلب؛ أي أن نبادر العدو في عقر داره نقاتله، فإما أن يسلم وإما الجزية، وحكمة هذا القتال: وصول الإسلام لكل البشر، وأن يحكم الإسلام العالم، ويدين كل البشر لشرع الله لقوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾. ومن أدلة ذلك قتال النبي للروم والفرس في عقر دارهم”!

أولًا دوافع الجهاد:

حقيقة الأمر هي ليست دوافع متعددة، بل هو دافع واحد فقط، وهو الدفاع. وقد يأخذ هذا الدفاع صورًا عدة، منها:

1. الدفاع عن النفس:

يرى الإسلام – مثل أي دولة/ جماعة/ فرد – أن للمسلمين الحق في الدفاع عن أنفسهم من أي معتد، ومن هنا نزل أمره تعالى بمقاومة المعتدين ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾. ولا يهم إن كان المعتدون غير مسلمين أو مسلمين، فكونهم مسلمين لا يمنع مقاومة اعتدائهم، ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ (الحجرات :9).

2. الدفاع عن الغير:

لم يكتف الإسلام بالدفاع عن النفس، بل عن الغير، ولا يهم إن كان المعتدى عليهم مسلمين أو غير مسلمين، فقد اهتم الإسلام بالإنسان – كل إنسان– فأمر بالدفاع عن المظلومين المستضعفين، ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾.

3. الدفاع عن المضطهدين دينيًّا:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ هذا الدين لم يأتِ للعرب خاصة، بل هو رسالة الله للعالمين، لذا يجب أن يصل لكل البشر، وعندئذ يؤمن من يؤمن ويكفر من يكفر، لذا كانت رسالة النبي للحكام: “خلّوا بيني وبين الناس”، إلا أنه واجه حكَّامًا استعبدوا شعوبهم وحرموهم من حرية الاعتقاد وقهروهم على دينهم. هنا لا يقف المسلمون مكتوفي الأيدي، بل يجهادون ليزيلوا الحواجز التي تقف بين الإنسان ومعتقده.
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.

وجدير بالذكر أن هذا الغرض الأوحد – الدفاع- قد يأخذ صورًا احترازية ووقائية متعددة، منها قتال خائني العهود، والجواسيس، والمتمردين، ومن يقع في حكمهم. (1)

ثانيًا ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾:

يرى سيد قطب أنه يجب قتال كل غير المسلمين حتى يسلموا أو يخضعوا لشرع الله، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال :39). (2)

روى البخاري: “… قال رجل: إن الله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد النبي إذ كان الإسلام قليلًا، وكان الرجل يُفتن في دينه، إما أن يقتلوه وإما أن يوثقوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة” (3) لذلك نزلت الآية تبيح للمسلمين قتال من يفتنونهم عن دينهم.

ويقول ابن كثير: “(حتى لا تكون فتنة) حتى لا يفتن مسلم عن دينه. وقوله: (ويكون الدين كله لله) قال الضحاك، عن ابن عباس: يخلص التوحيد لله. وقال الحسن وقتادة وابن جريج: (ويكون الدين كله لله) أن يقال: لا إله إلا الله. وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله، ليس فيه شرك”. (4)

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا: “وقاتلهم حينئذ أيها الرسول أنت ومن معك من المؤمنين حتى تزول الفتنة في الدين بالتعذيب، وضروب الإيذاء لأجل تركه، كما فعلوا فيكم عندما كانت لهم القوة والسلطان في مكة، حتى أخرجوكم منها لأجل دينكم ثم صاروا يأتون لقتالكم في دار الهجرة، وحتى يكون الدين كله لله، لا يستطيع أحد أن يفتن أحدًا عن دينه؛ ليكرهه على تركه إلى دين المكره له فيتقلده تقية ونفاقًا – ونقول:

إن المعنى بتعبير هذا العصر: ويكون الدين حرًّا، أي يكون الناس أحرارًا في الدين لا يكره أحد على تركه إكراها، ولا يؤذى ويعذب لأجله تعذيبًا، ويدل على العموم قوله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)”. (5)

ثالثًا الفتوحات الإسلامية:

لا يخفى على أحد تفاصيل ومناوشات غزوات الرسول ضد كفار قريش والعرب، وأنها كانت دفاعية، ضد أقوام معتدين ظالمين لم يكتفوا بفتنة المسلمين عن دينهم بالقتل، والتعذيب، والسجن، ومصادرة الأموال، والتهجير، والتشويه، والسب، حتى إننا لا نجد وسيلة خسيسة لم تُستخدم ضد فئة تقول: ربي الله! ولم يكتفوا بذلك، بل حملوا سيوفهم وجهَّزوا جيوشهم لقتال الفئة المسلمة في عقر دارهم (المدينة)، فما كان من المسلمين إلا الدفاع عن أنفسهم حتى آخر قطرة دم، ومن ثم فلم يجد المسلمون بُدًّا من الدفاع عن أنفسهم، وليس خلافًا على أن هذه الحروب كانت دفاعية بلا شبهة أو ريب.

أما بخصوص قتال الفرس، فقد بعث النبي  برسالة إلى كسرى مع (عبد الله بن حذافة السهمي) يدعوه فيها إلى الإسلام، قال فيها: “بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيًّا، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس”، فمزق كسرى كتاب رسول الله، فقال رسول الله: مُزِق ملكه (6) ولم يكتف كسرى بهذا الفعل المنافي للأخلاق والاتفاقيات والمعهود، بل أرسل إلى (باذان) – عامله على اليمن- يطلب إليه أن يبعث برجال إلى مكة ليقبضوا على (محمد) ويأتوا به أسيرًا حتى يرى فيه رأيه! (7)

فكان ذلك الطلب من عامله بمثابة إعلان الحرب على دولة الإسلام.

أما عن قتال الروم، تبدأ القصة بعد صلح الحديبية عندما أرسل رسول الله الرسائل إلى رؤساء الممالك، وكان مبعوث النبي إلى ملك بُصرى هو الحارس بن عمير الأزدي، ولما نزل مؤتة – في طريقه إلى ملك بُصرى- عرض له (شرحبيل بن عمرو الغساني) فقتله (8).

 

وتزداد الأزمة بإساءة حاكم دمشق استقبال مبعوث رسول الله إليه؛ فقال: “من ينزع مني ملكي؟

 

أنا سائر إليه” وقد أخذ المسلمون تهديده مأخذ الجد؛ فيروى أن أوس بن خولي طرق الباب على عمر بن الخطاب طرقًا شديدًا، وقال له: “قد حدث اليوم أمر عظيم” فقال عمر: “ما هو؟ أجاءت غسان؟” (9).

 

ثم تزداد الأزمة اضطرابًا حين بعث الرسول  كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلًا إلى (ذات أطلاح) بأرض الشام للدعوة إلى الإسلام، فخرجت عليهم قضاعة بجموعها فقتلوهم جميعًا إلا واحد، أفلت بجراحه وتحامل حتى أتى النبي فأخبره الخبر. وقد شق ذلك على رسول الله، ولكنه لم يستطع حينئذ أن يثأر لأصحابه من قاتليهم. (10) وكانت هذه الحادثة بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير؛ فبعدها بشهرين حدثت غزوة مؤتة، وكان الهدف الأساسي منها هو تأديب عرب الشام، الذين دأبوا على استفزاز المسلمين وتحديهم، وارتكاب الجرائم ضد دعاتهم. (11) وعلى قدر هذا الهدف الدفاعي البسيط، بعث الرسول جيش مكون من ثلاثة آلاف، ولم يكن في الحسبان تدخل الروم في المعركة.

ولما علم عرب الشام بهذا الزحف، استغاثوا بهرقل، وقد كان هذا منعطفًا خطيرًا؛ فلم يضع المسلمون في اعتبارهم أنهم ذاهبون لحرب الروم، بل لتأديب عرب الشام. وقد كان عدد نصارى العرب في جيش العدو وجنود هرقل على أقل التقديرات مائة ألف مقاتل، ما وضع المسلمين في وضع حرج، جعلهم يترددون في دخول الحرب، وقد استقروا على دخولها بعد مشاورات، وهُزم جيش المسلمين، واستشهد القادة الثلاثة (زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة)، ثم خلفهم خالد بن الوليد، الذي استطاع الهروب بالجيش بسلام.

وبعد ذلك علم الرسول من بعض (الأنباط) – وكانوا يأتون من الشام إلى المدينة بالسلع الضرورية- أن الروم يعدون جيشًا لغزو المسلمين، وكرد فعل قد جهَّز الرسول جيشًا قوامه ثلاثين ألف مقاتل، وتقدم به إلى الشام بهدف إجهاض مخطط الروم وأتباعهم في الهجوم على قاعدة الدولة الإسلامية (المدينة)، وقد كان هذا التجهيز للجيش في وقت العسرة والجدب، ولذلك سمي بـ(جيش العسرة)، ويدل هذا على أن الرسول كان مجبرًا على تجهيز الجيش لرد عدوان وشيك، وإلا كان انتظر وقت وفرة لتجهيز مثل هذا الجيش.

أما عن البلاد التي دخلها المسلمون، فيكفينا شهادة سكانها، واعترافهم هم أن الإسلام لم يأتِ ليحاربهم، بل جاء ليخلصهم من طغيان ملوكهم، ويدل على ذلك مساعدتهم للمسلمين الفاتحين، وترحيبهم بالفتوحات الإسلامية، فيصف المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون حال أهل سوريا فيقول:

 

“وكان هَم المدن السورية، التي لم تنلها أيدي التخريب في الحروب الرومانية الفارسية الدائمة، والتي لم تزل على شيء من النضارة، مقتصرًا على المعاملات التجارية والمجادلات الدينية، ولم تبال بما كان يقع خارج أبوابها، وكانت تُهجر أريافها، ولم يكترث أهلوها لشيء من المبادئ القومية، وكانوا مستعدين لتلبية نداء أي فاتح يعد بإطعامهم” (12)، وعن أهل مصر يقول: “وكانت مصر التي أكلتها الانقسامات الدينية ونهكتها مظالم الحكام تحقد أشد الحقد على سادتها الكئيبين، وكانت تعد من يحررونها من أيدي قياصرة القسطنطينية منقذين، فحُفظ هذا الشأن للعرب” (13).

في ضوء كل هذه الملابسات والمناوشات يمكن بحق التأكد أن الإسلام ما دعى لحمل السيف، إلا دفاعًا عن الإسلام والمسلمين والمستضعفين.

 

رابعًا جهاد الطلب اليوم:

بناءً على ما سبق، يرسم الإمام القرضاوي خطوطًا عريضة للجهاد، فيقول:

 

إن الظروف التاريخية وليست نصوص الإسلام هي ما دعت كثيرًا من الفقهاء إلى القول بفرضية جهاد الطلب لغزو ديار الكافرين، إذ كانت الأمة مهددة باستمرار من جيرانها الأقوياء – دولة الفرس ودولة الروم- حيث لم تكن قوانين دولية تقوم على تبادل الاعتراف بين الدول ومنع العدوان كما هو اليوم رغم تجاوز الأقوياء لها.

 

كشفت مصادر الإسلام أن العالم ينقسم من وجهة نظر الإسلام إلى عوالم ثلاثة: دار إسلام؛ حيث تسود شريعته، وفي الأقل تظهر شعائره ويأمن القائمون بها والداعون لها، ودار عهد؛ أي دول بينها وبين دولة المسلمين تبادل اعتراف ومنع اعتداء، ودار حرب. ويعتبر القرضاوي أن المسلمين بمقتضى كونهم جزءًا من نظام الأمم المتحدة هم في حالة تعاهد مع كل دول العالم باستثناء دولة الكيان الصهيوني، بسبب اغتصاب الصهاينة لأرض فلسطين وتشريدهم لشعبها.

 

ليس على المسلمين غزو ديار الكافرين إذا كانوا آمنين على أنفسهم منهم. وحسبهم أن يكون لهم جيش مرهوب الجانب مسلح بأحدث الأسلحة، وعلى أعلى مستوى من التدريب، ينشر قواته في كل الثغور حتى يرتدع الأعداء، ولا يفكرون في الهجوم على المسلمين فيكون فرض الكفاية قد أدي.

 

أحد المسوغات الأساسية لجهاد الطلب هو الغزو من أجل الدعوة إلى الإسلام، وما يقتضيه ذلك من إزاحة عقبة الأنظمة الطاغوتية التي كانت تمنع الشعوب من أن تفكر أو تؤمن بخلاف ملكها، مثلما استنكر فرعون على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالله قبل أن يأذن لهم ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ﴾، وقد قهر ملوك الفرس والروم وغيرهم شعوبهم على دينهم، لذا حين بعث النبي برسائله إليهم أشار لذلك فقال لكسرى: “فإن لم تسلم فعليك إثم المجوس”، وقال لقيصر: “فعليك إثم الإريسيين”، وقال للمقوقس في مصر: “فعليك إثم القبط”، لذا انتشرت مقولة: الناس على دين ملوكهم! بينما اليوم قد انداحت في الأرض كما لم يحصل في أي فترة ماضية من تاريخ الإسلام مساجده وأقلياته.

وفي ظل الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان ومنها حقه في حرية الاعتقاد والدعوة إليه وإقامة مؤسساته وحماية الأقليات، وفي ظل تقدم وسائل الاتصال من فضائيات ومواقع تواصل اجتماعي وموبيلات وجرائد ومجلات وكتب… إلخ، يجعل حاجتنا أكثر إلى جيوش جرارة من الدعاة والمعلمين والإعلاميين المدربين المقتدرين على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة وبأساليب عصره، وللأسف الشديد لا نملك ولو واحد من الألف من المطلوب. ويتحسر الإمام القرضاوي على أنك قد تجد الكثير ممن هو مستعد لأن يموت في سبيل الله، ولكن القليل القليل من يملك الاستعداد ليعيش في سبيل الله. (14)

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

. (في ظلال القرآن) ج3 ص1439
. (صحيح البخاري) رقم (4514) ص1106
. (تفسير ابن كثير) ج4 ص56
. (تفسير المنار) ج9 ص553
. (تاريخ الطبري) ج2 ص654
. المصدر السابق ج2 ص655
. (المسلمون والروم في عصر النبوة) ص74
. المصدر السابق ص78
. المصدر السابق ص85
. المصدر السابق ص89
. (حضـارة العرب) ص132
. المصدر السابق ص208
. (فقه الجهاد)
عرض التعليقات
تحميل المزيد