يقول هو: “لن نتوقف عن قتال غير المسلمين إلا بدفع الجزية، وفُرضت الجزية على غير المسلمين مقابل عدم إسلامهم، والجزية صورة لإذلال غير المسلمين، لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (1) وغير المسلمين في الوطن العربي ليسوا أهل ذمة لأنهم لم يدفعوا الجزية”!

الجزية في اللغة مشتقة من مادة (ج ز ي) بمعنى جَزاهُ بما صنع؛ تقول العرب: جزى يجزي، إذا كافأ عما أُسدي إليه.

لم يبتدع العرب الجزية، وإنما أول من ابتدعها هو كسرى، فقال: “نريد أن نجمع من ذلك في بيوت أموالنا ما لو أتانا عن ثغر أو طرف فتق، كانت الأموال عندنا معدة. فاجتمع رأيهم على وضع الخراج على ما يعصم الناس والبهائم، وهو الحنطة والشعير والنخل والزيتون. وألزموا الناس الجزية ما خلا أهل البيوتات والعظماء والمُقَاتِلة والهرابذة والكتاب، ومن كان في خدمة الملك، وصيروها على طبقات على قدر إكثار الرجل وإقلاله، ولم يلزم الجزية من كان له من السن دون العشرين وفوق الخمسين” (2).

وعن فلسفته في فرض الجزية يقول: “ولما نظرت في ذلك وجدت المقاتلة أجراء لأهل العمارة، وأهل العمارة أجراء للمقاتلة، فأما المقاتلة فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم ومجاهدتهم من ورائهم، فحق على أهل العمارة أن يوفوهم أجورهم، فإن العمارة والأمن والسلامة في النفس والمال لا يتم إلا بهم.” (3).

وبذلك يتبين أنه “يجب على كل فرد من أفراد المجتمع/الجماعة/الشعب المدافعة عن نفسه وماله، فمن كان يقوم بهذا العبء بنفسه فليس عليه شيء – وهؤلاء أهل الجند والمقاتلة – وأما من كان يشغله أمر العمارة وتدبير الحرث عن المخاطرة بالنفس، فيحق عليه أن يؤدي شيئا معلوما في كل سنة يصرف في وجوه حمايته والدفاع عنه. وهذا هو المعني بالجزية، فإنها تؤخذ من أهل العمارة وتعطى للمقاتلة والجند الذين نصّبوا أنفسهم لحماية البلاد”(1).

هذا القتال من أجل الدفاع عن النفس والدين هو ما فرضه الإسلام على المسلمين، وجعله فرض كفاية (إن لم يكن النفير عامًا) وفرض عين (إن هاجم العدو البلد) وبذلك فالمسلمون – القادر منهم – مفروض عليه القتال فرضًا دينيًا وعسكريًا وسياسيًا، لذلك فهم معفيون من الجزية، لأنهم هم المقاتلون بأنفسهم.

أما أهل الذمة، فلم نجد نصًا واحدًا يفرض عليهم القتال، وذلك لأن الحروب حينئذ كانت دينية؛ فما كان كفار قريش ولا اليهود حينئذ ولا الفرس ولا الروم يحاربون الفئة المسلمة إلا للإسلام، فليس عدلاً أن يُجبر غير المسلمين على الدفاع عن الإسلام الذي لا يؤمنون به أصلاً، لذا لم يفرض الإسلام أن يقاتلوا في صفوف المسلمين. كما أننا لا نجد نصًا واحدًا يمنع غير المسلمين من المشاركة في القتال، بل ترك الأمر بيدهم، فإن رضوا بالقتال عن أنفسهم وأموالهم عفوا عن الجزية، وإن أبوا أن يخاطروا بالنفس، فلا أقل من أن يدفعوا جزية للمقاتلين.

إذن فالجزية على الذميين بدلٌ لفريضتين على المسلمين: الجهاد، والزكاة؛ فليس عدلاً أو مساواة أن يُفرض على المسلمين القتال، ويُؤخذ من أموالهم زكاة، ويُترك أهل الذمة بلا قتال أو زكاة أو أي واجبات اقتصادية وعسكرية تجاه المجتمع!

ما الدليل أن علة الجزية هو الدفاع عن أهل الذمة؟
1. كتب خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا حينما دخل الفرات وأوغل فيها: “هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه، إني عاهدتكم على الجزية والمنعة فلك الذمة والمنعة وما منعناكم (أي حميناكم) فلنا الجزية وإلا فلا”(1)

2. روى القاضي أبو يوسف: “أنه لما رأى أهل الذمة وفاء المسلمين لهم، وحسن السيرة فيهم، صاروا أشداء على عدو المسلمين وعيونًا للمسلمين على أعدائهم، فبعث أهل كل مدينة رسلهم يخبرونهم بأن الروم قد جمعوا جمعًا لم ير مثله، فأتى رؤساء أهل كل مدينة الأمير الذي خلفه أبو عبيدة عليهم فأخبروه بذلك، فكتب والي كل مدينة ممن خلفه أبو عبيدة إلى أبي عبيدة يخبره بذلك، وتتابعت الأخبار على أبي عبيدة فاشتد ذلك عليه وعلى المسلمين.

 

3. فكتب أبو عبيدة إلى كل والٍ ممن خلفه في المدن التي صالح أهلها يأمرهم أن يردوا عليهم ما جبي منهم من الجزية والخراج، وكتب إليهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط، وما كان بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم. فلما قالوا ذلك لهم وردوا عليهم الأموال التي جبوها منهم، قالوا: “ردكم الله علينا ونصركم عليهم، فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئا وأخذوا كل شيء بقي حتى لا يدعوا شيئا”. (1)

 

4. حين تمكن الفرس من أهل العراق كتب نوابها لأهل الذمة: “براءة لمن كان من كذا وكذا من الجزية التي صالحهم عليها الأمير خالد بن الوليد، وقد قبضت الذي صالحهم عليه خالد، وخالد والمسلمون لكم يد على من بدل صلح خالد، ما أقررتم بالجزية وكففتم أمانكم أمان، وصلحكم صلح، نحن لكم على الوفاء”. وقد كتب أهل الحيرة كتابًا: “إنا قد أدينا الجزية التي عاهدنا عليها خالد – العبد الصالح – والمسلمون – عباد اللَّه الصالحون – على أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم.” (1)

5. وقال البلاذري: “لما جمع هرقل للمسلمين الجموع وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك ردوا على أهل حمص ما كانو أخذوا منهم من الخراج وقالوا: “شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم”. فقال أهل حمص: “لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم.” (1)

6. يقول سير توماس وأرنولد: “ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين – كما يريدنا بعض الباحثين على الظن – لونًا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة. وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش، في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين. ولما قَدَّمَ أهل الحيرة المال المتفق عليه، ذكروا صراحة أنهم دفعوا هذه الجزية على شريطة : “أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم”. (1)

كما قال: “نجد أمثلة شبيهة بهذه للإعفاء من الجزية في حالة المسيحيين الذين عملوا في الجيش أو الأسطول في ظل الحكم التركي. مثال ذلك ما عومل به أهل ميغاريا (Migaria) وهم جماعة من مسيحيي ألبانيا الذين أعفوا من أداء هذه الضريبة على شريطة أن يقدموا جماعة من الرجال المسلحين لحراسة الدروب على جبال (Cithaeron) و(Geraned) التي كانت تؤدي إلى خليج كورنته، وكان المسيحيون الذين استخدموا طلائع لمقدمة الجيش التركي، لإصلاح الطرق وإقامة الجسور، قد أعفوا من أداء الخراج ومُنِحوا هبات من الأرض معفاة من جميع الضرائب.

وكذلك لم يدفع أهالي (Hydra) المسيحيون ضرائب مباشرة للسلطان، وإنما قدموا مقابلها فرقة من مائتين وخمسين من أشداء رجال الأسطول، كان ينفق عليهم من بيت المال في تلك الناحية.

وقد أعفي أيضًا من الضريبة أهالي رومانيا الجنوبية الذين يطلق عليهم (Armatoli) وكانوا يؤلفون عنصرًا هامًا من عناصر القوة في الجيش التركي، ثم المرديون (Mirdites) وهم قبيلة كاثولوليكية ألبانية كانت تحتل الجبال الواقعة شمال إسكدرا (Scutari) وكان ذلك على شريطة أن يقدموا فرقة مسلحة في زمن الحرب.

وبتلك الروح ذاتها لم تقرر جزية الرؤوس على نصارى الإغريق الذين أشرفوا على القناطر (هي نوع من القناطر تقام على أعمدة لتوصيل مياه الشرب إلى المدن، وقد كانت شائعة في الدولة الرومانية منذ القرن الأول الميلادي) التي أمدت القسطنطينية بماء الشرب ولا على الذين كانوا في حراسة مستودعات البارود في تلك المدينة نظرًا إلى ما قدموه للدولة من خدمات. ومن جهة أخرى أعفي الفلاحون المصريون من الخدمة العسكرية على الرغم من أنهم كانوا على الإسلام، وفرضت عليهم الجزية في نظير ذلك، كما فرضت على المسيحيين.” (1)

أما اليوم فقد اتفقت الشعوب على مفهوم المواطنة الذي يقر بالتجنيد الإجباري – أو الاختياري – للقادرين من المواطنين، دون تفرقة بين المسلمين والذميين. وبذلك لا معنى لتطبيق الجزية هذه الأيام على أي أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد