يقول هو: “إن ما يفعله أعداؤنا من احتلال أرضنا، وانتهاك أعراضنا، وتشريد أسرنا، وقتل أطفالنا، وتعذيب أسرانا، في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وبورما، والبوسنة… إلخ. وما يفعله حكامنا من سرقة، وظلم، واعتقال، وتعذيب، وقتل… إلخ. يستلزم بالضرورة قتالهم ورد عدوانهم بالمثل لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾([1])، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾([2])، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾([3]).

نحن بشر نشعر ونحس، والدليل أننا نُستفز ونغضب إن داس أحد على كرامتنا، يقول الإمام الشافعي: “من أُستغضب ولم يغضب، فهو حمار”. والأولى من تُنتهك حرماته أمام العالم ولم يغضب، فهو ديوث.

الانتقام غريزة إنسانية تستوجب حب التشفي والتمكن من الظالم والانتصار عليه، وكعادة الإسلام لم يأتِ ليقضي على غرائز الإنسان بقدر ما جاء متفهمًا ومهذبًا وموجهًا، فجزء من الانتقام حق؛ فمن حق المظلوم أن يرى عقاب الظالم والاقتصاص منه، وهو العدل. لذا شرَّع الإسلام القصاص والجهاد والحدود لرد العدوان، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾([4]).

إلا أن الانتقام قد يتجاوز الحد ليصبح وسيلة للثأر والتشفي، وليس العدل ورفع الظلم، قد يتجاوز الحد فيظلم الجاني، أو ينحرف فينتقم من أبرياء، وبذلك يتحول المظلوم إلى ظالم، والظالم لمظلوم، لذلك وجب الإشارة إلى صور الغلو في الانتقام حتى لا تضيع حقوقنا ولا يُظلم بريء.

أولًا الانتقام من غير المعتدين:

“عن ابن عباس قال: لما انصرف المشركون عن قتلى أُحُد انصرف رسول الله فرأى منظرًا ساءه؛ رأى حمزة قد شق بطنه، واصطلم أنفه، وجدعت أذناه، فقال: لولا أن يحزن النساء أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير، لأمثلن مكانه بسبعين رجلًا. ثم نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾([5]) ([6]).

نفسيًّا وعاطفيًّا قال النبي مقولته بدافع من غريزة الانتقام والتشفي، وتهذيبًا وتوجيهًا قال القرآن مقولته، بدافع من العدل والنظام.

ثانيًا المبالغة في العقاب:

قال النبي: “لا ضرر ولا ضرار”، والضرار: هو المبالغة في العقاب. وبذلك فقد حفظ الإسلام حقوق المعتدي، فليس من العدل في شيء اعتبار المعتدي فاقد كل الحقوق ليتعرض للإهانة والسب والتعذيب وانتهاك الحرمات والحرق… إلخ! فلابد من التناسب بين العقاب والخطأ الداعي للعقاب.

ثالثًا رد العدوان بمنكر:

يقول تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾([7])، ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾([8])، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾([9])

تشير الآيات إلى إحدى قواعد العدل: وهي المعاملة بالمثل، فالعين بالعين، لكن ماذا لو اعتدى علينا العدو بمنكر محرم، هل نرده بالمحرم نفسه؟

  1. فرق كبير أن تأمر الآيات بزيادة العقاب ليصبح أكثر بشاعة، مثل ما يفعل الأعداء، وبين أن تأمر بألا يتمادى العقاب لتسوقه غريزة الانتقام والثأر، فتضع له سقفًا أعلى لا يتجاوزه وهو: ما عوقبتم به، والقصاص بالمثل. ومما يؤكد ذلك سبب نزول ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ هي رغبة النبي بالثأر لحمزة من سبعين من قريش، فكانت القاعدة سقفًا أعلى لتحد من شهوة الانتقام.

وسبب نزول (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) “أنه كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبد قوم آخرين عبدًا لهم، قالوا: لا نقتل به إلا حرًّا تعززًا، لفضلهم على غيرهم في أنفسهم. وإذا قُتلت لهم امرأة قتلتها امرأة قوم آخرين قالوا: لا نقتل بها إلا رجلًا! فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أن العبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي” ([10]).

يقول الإمام القرطبي في تفسير (وجزاء سيئة سيئة مثلها): “قال العلماء: جعل الله المؤمنين صنفين، صنف يعفون عن الظالم، فبدأ بذكرهم في قوله (وإذا ما غضبوا هم يغفرون). وصنف ينتصرون من ظالمهم. ثم بيَّن حد الانتصار بقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي”([11]).

ويقول الإمام المراغي في تفسير (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به): “إنكم إن رغبتم في القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه، فإن الزيادة ظلم، والظلم لا يحبه الله”([12]).

  1. تنص نصوص صريحة على أن الحرام لا يُرد عليه بحرام مثله، مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾([13]).

وقول النبي: “أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك”([14]).

وعن أبي هريرة أن رجلًا شتم أبا بكر، والنبي جالس، فجعل النبي يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت؟!، قال: “إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان”([15]).

  1. العقاب بالمثل هو قاعدة عامة يقيدها ضوابط الجهاد، فهي لا تحل ارتكاب محرمات، ومما يشير لذلك أن الآيات المذكورة تختتم قاعدة المعاملة بالمثل بجمل (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) و(وَاتَّقُواْ اللّهَ)، وهي إشارة إلى الالتزام بما هو مباح وعدم تجاوزه إلى ما هو محرم.

أقر الإسلام محرمات ذاتية التحريم، ولا يمكن أن تُستثنى لتطبيق القصاص، فلا يتصور عقل أن يزني الرجل مع نساء العدو، لأنهم فعلوا ذلك، ولا أن ينقض المسلمون العهود لأن غيرهم يخون!

عُرضت مسألة على الإمام مالك وهي: إذا أخذ ظالم مال مظلوم، ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال، هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه؟ فأفتى بالحرمة، وفي أدلته يقول: “والخيانة رذيلة لا انفكاك عنها”([16]).

يقول الإمام القرطبي: “قال مقاتل وهشام بن حجير: المعاملة بالمثل في المجروح؛ ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره من سب أو شتم، وقاله الشافعي وأبو حنيفة وسفيان”([17]).

وبصفة عامة إذا ما تتبعنا سلوك العدو سيئة بسيئة، وخسة بخسة، ودنائة بدنائة دون ضابط وحد وخلق، سنصبح صورة مطابقة للعدو من انعدام الشرف والمروءة والخلق!

يقول سيد قطب: “إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع وتعف، فلا يبيح الغدر في سبيل الغلب، وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد، ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة.

إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ، ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة، فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة، وليس مسلمًا من يبرر الوسيلة بالغاية”([18]).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. النحل :126
2. البقرة :193
3. الشورى : 40
4. الحج :39
5. النحل :126
6. (الجامع لأحكام القرآن) ج10 ص182
7. النحل :126
8. البقرة :193
9. الشورى : 40
10. (تفسير الطبري) ج3 ص359
11. (الجامع لأحكام القرآن ) ج16 ص38
12. (تفسير المراغي) في تفسير قوله تعالى: (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)
13. المائدة :2
14. (المستدرك على الصحيحين) رقم (2233)
15. (مسند الإمام أحمد) رقم (9411)
16. (الجامع لأحكام القرآن) ج10 ص183
17. المصدر السابق ج16 ص38
18. (في ظلال القرآن) ج10 ص1542
عرض التعليقات
تحميل المزيد