بعد حادثة شارلي إيبدو، نجد أنفسنا أمام اهتمام عالمي بالغ، في السياسة وفي الإعلام، وتبعًا بين الناس، تعاطف، ثم تحرك وحراك، نجدنا من جديد نطالب أنفسنا أن نتخذ موقفًا، ومن هنا يقع النظر وجوبًا، وتباعًا تتولد الأسئلة. بداية لا يسعنا أن نمنع سؤالاً من الظهور: لماذا هذه الحادثة بالتحديد تبعها كل ردود الأفعال هذه؟

لفهم الأمر نحتاج إلى محاولة تجريده: أهو القتل والاعتداء على حرمة الدماء في ذاته؟ بالتأكيد لا يبدو منطقيًّا، والقتل والاعتداء مستمر بين بني البشر حول العالم في سفور.

الأمر إذًا بسبب الاعتداء على الصحفيين؟ وإن مددناه بمعناه الذي يمكن أن يشير إليه من اعتداء على حرية التعبير والرأي فلا يقبله المنطق؛ فالاعتداء على الصحفيين بمختلف الأشكال بمعناه الذي يشير إليه من اعتداء على حرية الرأي والتعبير هو أمر شبه دائم، أثناء الحروب، ودون الحروب، في العلن، وفي الخفاء؛ فبحسب لجنة حماية الصحفيين CPJ شهد عام 2014 وحده قتل 61 صحفيًّا، وسجن 220 حول العالم، ولم يحدث هذا الحراك العالمي في أي واقعة، حتى في أسفرها علانية.

الأمر بسبب عدد الصحفيين في اعتداء واحد؟ ربما، وربما عليه وصفته اللجنة المذكورة آنفًا بوصفه أسوأ اعتداء على الصحافة منذ عام 2009. الإشكال أن كل هذا التحرك العالمي بمستوياته المتعددة يدفعنا إلى استبعاد أن يكون عدد الصحفيين هو العامل الوحيد، هنا نستشعر بعدًا آخر في المشهد. وهو يبدو لنا بعدًا واضحًا؛ فالرئيس الفرنسي يصف منفذي الهجوم بالمتعصبين، واللافتات في المظاهرات تدعم حرية التعبير ضد “البربرية “، والهجمات توصف “بالإرهابية “، توصف المظاهرات إعلاميًّا وسياسيًّا بأنها “تظهر التضامن والقوة ضد الإرهاب”. الإرهاب بوصفه مصطلحًا فضفاضًا لا شيء يمنع ظهوره هنا أيضًا.

إذا فالأمر سيء، الأمر شرير، ندرك دون فطنة لازمة أن الأمر يشار فيه إلى دين الإسلام، تتزايد الهجمات ضد ما يمثل الإسلام والمسلمين في أوروبا عامة وفرنسا خاصة، بوصفنا مسلمين نحاول جاهدين صد الإدانة.

نتلفت حولنا باحثين عمن يقول ذلك، عمن يخبرهم أن الإسلام دين رحمة وتسامح وطيبة، نجد المؤسسات الدينية تقول وتصرح، الأزهر يدين، ودار الإفتاء تبدي التعاطف، وكذا شخصيات أخرى، جزء بين جنباتنا يرتاح، مع أن هؤلاء صوتهم ضئيل في الغرب، وهو بالكاد يصل أصلاً. نعثر على رأي كاتب من الغرب يقول إن الإسلام لا يجب أن يلام في مثل هذه الاعتداءات، نبتهج، ننشره على مواقع التواصل، ويساور جزءًا بين جنباتنا الارتياح أنه أدى واجبه تجاه الأمر.

ولكن ذلك المتسائل منا يعود، يطرح ذاك السؤال المتكرر يمد خطًا رتيبًا: ماذا بعد؟

الهجوم لا يمثل الإسلام، والإسلام منه براء، ببهجة آمنًا وأمنًا، ماذا بعد؟ هل يعني ذلك أن أمر السخرية في ذاته يجب أن يكون مقبولاً؟ وأننا برفضنا إياه نكون متطرفين “بربريين”؟

التصريحات والإدانات تشير إلى إدانة السخرية أيضًا، الجزء بين جنباتنا يستريح، ثم يعود السؤال: ما البديل؟ جوابه لا نجده إلا في القلة، في مثل تصريح للأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين جاء فيه بحسب جريدة (المصريون):

“يجب التعامل مع أي مخالف للرأي أو الفكر بالحوار والنقاش وليس بالسلاح والقتل، ومهما كان ما قامت به الصحيفة من طرح آرائها فلا يمكن مواجهة ذلك بالقتل والإجرام”، يبدو تصريحًا جميلاً، “بالحوار والنقاش”، من جديد يعود الجزء المتسائل المتشكك يراه شعارًا أكثر من كونه بديلاً، إذا أردنا تنفيذه على أرض الواقع: فهل له مكان؟

وما هي كيفيته وآلياته؟ لنا التشكك فيما إذا كان المصرح يعرفها تحديدًا، وإن كان يعرفها: فلم لم ينفذها أو يسعى تجاهها وهو على رأس مؤسسة مسئولة؟ وإن كانوا قد سعوا إليها، فلم لم نر نتائجها؟

بإدانة الواقع، وانعدام البديل، لا يوجد منفذًا، ونكون أميل إلى الرضا بالواقع، ما مشكلة السخرية؟ هي حرية رأي وتعبير، ولا يضرنا إن سخروا.

 

ولنا حق النظر. نعرف السخرية، ونعرف أيضًا شيئًا آخر اسمه النقد. عمدًا نحاول تجنيب العاطفة، ونلتزم بأبسط قواعد العقل. ثمة مسافة فاصلة بين النقد والسخرية، نفصل خطوطها العامة فيما يلي: السخرية لا تعتمد على حقائق مفهومة واضحة ذات مصدر مدعوم، وتستهدف الإضحاك والترفيه في الأساس، إن افترضنا انعدام وجود نية قصد التشويه.

هل يبرر العقل السخرية؟ أورد ديفيد بروكس في مقال بالنيويوك تايمز بتاريخ 8 يناير الماضي عبارة ترجمتها: “السخرية تكون أقل متعة عندما تصبح أكثر وعيًا بتفاهتك”.

 

وقال رسام الكاريكاتير البرازيلي كارلوس لاتوف مفصلاً في تغريدة له على تويتر في نفس اليوم، ترجمة نصها: “لا يصح أبدًا رسم أنبياء الدين المسيحي/ الإسلامي/ اليهودي عراة في وضعية الكلاب (doggy-style) يظهرون أعضاءهم التناسلية ؛ لذلك أنا لست شارلي!”. ونذهب هنا إلى أبعد من ذلك، فلا يصح أبدًا رسم أي إنسان له كرامته في الوضعيات المذكورة آنفًا وما شابهها ؛ إذا أنه لا يوجد أي سبب منطقي أو عقلاني من ذلك، ولا يؤدي بنا – بني الإنسان– إلى أي شيء إيجابي، إن لم يسبب الضغينة والكراهية، وما قد ينتج عن الضغينة والكراهية، وتبدو هذه نتائج مفهومة.

وللحق: فنعتقد أنه من الواضح أن دين الإسلام نفسه يحرم السخرية، يحرمها ضد أي شخص في أي زمان في أي مكان، نقرأ في القرآن الكريم: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” (الآية 11 من سورة الحجرات)، يبدو لنا أنه مبدأ عام للجميع أن يلتزم به، ولو أن الخطاب موجه لـ “الذين آمنوا” فهم الأولى إذًا بتطبيقه، نشير هنا سريعًا إلى أننا أبحنا ونبيح لأنفسنا السخرية – بجميع مستوياتها– ونشرناها وتبنيناها، والمبدأ مبدأ، متى يقبل الإنسان به في حالة يقبل به أبدًا، وعليه أن يتحمل تبعاته.

النقد في الناحية الأخرى، يعتمد على حقائق واضحة محددة ذات مصدر مدعوم واضح، وهو يتيح لوجهات نظر أخرى أن ترد بحقائق تدعمها، وهو لذلك يستهدف الوصول إلى ما هو حقيقي، الوصول إلى الفهم، فهم أكبر للنفس والآخرين، وهذا هو مما يحتاجه كل إنسان.

والحق أننا نحتاجه – نحن المسلمين– خاصة، نحتاجه لأن يكون خطوة في تجاه ما هو أكبر، حين يقع الفهم للنفس والآخرين، نستطيع توليد موجات جديدة من التقدم في جميع مجالات التقدم الإنساني، فنًا وعلمًا وصناعة وتطبيقًا وغير ذلك، موجات جديدة برؤيتنا ونظرتنا، نعم لنا رؤية، ولنا نظرة، رؤية تعتمد على مبادئ الدين الإسلامي التي تتسع للجميع من دان بالدين نفسه ومن لم يدن. نعم لنا رؤية، للدين الإسلامي رؤية، للثقافة الإسلامية رؤية.

وهي رؤية لن نكون قادرين على طرحها على أن ينظر إليها بعين الاعتبار إلا إذا كنا خارج موقف صد الإدانة الذي نتمركز فيه الآن، وأن نكون في موقف الحضارة، الحضارة الإسلامية، هنا فقط يمكننا أن نخرج من دور التبعية، التبعية للثقافة الغربية بمفاهيمها ورؤيتها ومصطلحاتها، لنا أيضًا – بوصفنا بني الإنسان على الأقل– مفاهيمنا ورؤيتنا ومصطلحاتنا، تتقابل أو تتباعد، يبقى لنا كياننا.

هو وضع مأساوي هذا الذي نعيشه الآن، نستشعره أحيانًا دائرة مفرغة، أو هو دوامة هابطة لا تنتهي، ولن تنتهي حتى يكون ذلك الحين، حين الحضارة، وهو كائن لا محالة، بنا أو دوننا.

فجر جديد في الغد آت لا محالة، وما علينا إلا التيقظ بكل ما يعنيه التيقظ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد