كان الطقس باردًا جدًّا يشبه في برودته وجوه ساكني هذا الشارع الذي أقطعه مسرعة للحاق بالمحاضرة، أغلب ساكنيه من الفرنسيين ترمقني نظراتهم ما الذي أتى بي إلى شارعهم في ذلك الصباح،دخلت المحاضرة التقت عيناي بها تبادلنا الابتسام وقلت في نفسي أخيرًا زميلة جديدة محجبة ترد عليا التحية وتتقاسم معي التجاهل وعدم الارتياح، انتهت المحاضرة تبادلنا تعريف الأسماء بعدها بثوانٍ: أسماء أستغفر الله.. أستغفر الله كل يوم أنظر لنفسيفي المرآة وأقول لماذا ما زلت أرتدي الحجاب، تفتكري لو خلعنا الحجاب سيسمح لنا بالعمل وسيتقبلنا الآخرون، بينما كانت تقول هذا خرج أستاذ المادة فذهبت تسأله عن شروط التسجيل في إحدى الدورات العملية، فرد قائلًا لا يسمح بالحضور بالحجاب دون أن يقول أي شيء عن الشروط الفعلية، وانصرف!

في نفس اليوم ذهبت للتسجيل في المكتبة المركزية للجامعة فقام الموظف من مكانه وظل ينظر إليَّ محدقًا، ثم قال أريد إثباتًا أنك طبيبة، فقلت له معك كارنيه الكلية، قال لي أريد إثباتًا أنك طبيبة، دليلُا آخر، ومع إصراري على استكمال إجراءات التسجيل بنفس المطلوب من الآخرين جاء موظف آخر واستكمل إجراء تسجيلي.

بعد عدة أيام كان لدي موعد في مدرسة ابني حين سجلت اسمي وصفة الحضور فوجئت بإحدى الحضور تقول لي تجيدين الكتابة إذن، تضايقت وصمت، تقول صديقتي بعدها: “تخيلي لو بعد السنين اللي ضاعت من عمرنا الحجاب مطلعش فرض” وأنها قرأت إحدى الفتاوى التي تقول إن المقصود بالحجاب هو الحائط.

أجلس وحدي أتذكر الضغوط التي تعرضت لها في صغري لأرتدي الحجاب، ها أنا اليوم أتعرض لنوع آخر من الضغوط بسبب نفس الشيء، أفكر في أن كل ما قيل لنا عن حكمة الحجاب ليس صحيحًا فلا نحن أحلى بالحجاب ولا الحجاب يحافظ على الشعر ولا أن الحجاب يجعل محدثنا ينظر إلى عقولنا وليس إلى أجسامنا، بل العكس تمامًا هو لايرانا أصلًا، لماذا لم يقولوا لنا أنهم لا يعرفون حكمته وأن هناك أشياء لا يعرف حكمتها، لماذا لم يبذلوا جهدهم في تعريفنا بالله لنحبه كما ينبغيأن يكون حب الإله في قلوبنا، فتخضع عقولنا وقلوبنا وأجسامنا وأرواحنا عشقًا وحبًّا ويقينًا واستسلامًا لأوامره.

تذكرت أني فعلت الخطأ نفسه مع ابني ذات يوم حين أخبرته وهو في الثالثة من عمره أن لا يأكل اللحم الذي يقدم له في المدرسة لأن بطنه ستؤلمه فعاد بعد أسبوع وقال لي ربما أني لا اعرف اللحم المقدم له لأنه رأى زميلته (لارا) تأكل ولم تعان من مغص، وتأكد منها أن هذا لم يحدث في البيت أيضًا، فرددت مرة أخرى بسذاجة قائلة له أنه حرام وأن ربنا (هيوديك) النار إذا أكلته. عاد بعد شهرين ليقول أنه يـأكل اللحم وأنه لايخاف من النار لأن معلمته وزملاءه سيذهبون معه، أدركت فداحة ما قلت له، لم يكن يعرف الله.. حتى يسمع أوامره.

قررت حينها أن أتوقف عن الكلام في هذا الأمر وعملت على أن أعرفه على الله.. الله بصفاته وأسمائه الله بنعمه وأفضاله علينا، الله الذي يعلم ما لا نعلم ولا يختار لنا إلا الأصلح، الله اللطيف رأيت لطفه مرات ومرات، الله مغدق علينا بنعمه ما منع عنا إلا ليعطينا، وما أغلق في وجهنا بابًا إلا لنذهب إلى باب أوسع، الله الجبار الذي رأيت جبره وهو يجبر كسري ويمنحني قوة أواجه بها أقداري ويحيطني بعنايته. أن أعلمه حب الله قبل أن أعلمه فرائضه، وحب دين الله، بعد أربع سنوات لم أعد مضطرة لأقول لابني كاذبة ألا يأكل اللحم الحرام لأن به دودة، جاء وحده ليقول إنه اليوم قرر ألا يأكل اللحم وأنه وقف في مطعم المدرسة وقال لهم أنا لم أعد آكل اللحم في المدرسة إلا إذا أحضرتم لحمًا حلالًا، علمت أني على الطريق.

سأخبر أبنائي أني لا أعرف كل شيء، وأننا في دار اختبار وأن الله يحرم علينا أشياء ليختبر حبنا وصدقنا واستسلامنا، فإن نجحنا فزنا برؤية وجهه الكريم وجنته، ولن يفهموا هذا إلا إذا أحبوا الله ملء قلوبهم وأحبوا الله لما يغزوهم به من النعم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد