أينما تحل يتهمونك بالغرابة، ذنبك الوحيد أنك خالفتهم، ذنبك الوحيد أنك خالفت القطيع، وغيّرت أفكارك وعاداتك.

عندما لا تجلسُ معهم في المقهى كعادتك، تصير غريبًا، عندما تعتزل الناس قليلًا لأنك تحتاج لأن تختلي بنفسك قليلًا لتفهم بعض الأمور وتعيد صياغة حياتك، تصير غريبًا، عندما تحدثهم عن الحقائق التاريخية وحال الأمة الإسلامية، تصير غريبًا، ما دخلك في ذلك؟ لا يجب عليك الآن سوى الاهتمام بكسب الرزق وإنشاء عائلة، واترك تلك الأمور لأهلها ! هكذا يقولون، عندما تحدثهم عن مجد الأمة، تصير في أعينهم غريبًا، عندما تحدثهم عن أنّ هناك شيئًا ما خاطئ، ولذلك أصابنا الهوان والذل، فبعدما كنا أعزّة، صرنا أذلة، تصير غريبًا.

عندما تفكر خارج الصندوق، وتأتي بأفكار جديدة يحطمونك سواء بعلمٍ أو بغير علم فتلك هي عقليَّتُنا العربية، فتصبح في نظرِهم غريبًا ومجنونًا، نعم لا بأس بالجنون فهو سبيل الإبداع .. فلولا الجنون لما كان هناك مصباح، ولولا الجنون لما كانت هناك طائرات، ولولا الجنون لما كانت هناك سيارات.. حسنًا، لولا الجنون لما كان هناك هواتف ذكية وحواسيب محمولة، لولا الجنون لما كانت هناك إنترنت، ولما كان هناك فيسبوك .. نعم كل هذه الابتكارات بدأت بفكرة مجنونة.

عندما تلتزم بأوامر دينك وتجتنب نواهيه، تصير غريبًا، فنحن في وقت غير وقت الصّحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح، عش حياتك واستمتع والله غفور رحيم! عندما يُرفع الآذان وتهمُّ بوقف عملك وإِكماله فيما بعد تصير غريبًا، فالصّلاة لديها الوقت، دعنا نكمل شغلنا أفضل!

تسير في الطّريق، والدّهشة تملؤك مّما آل إليه الوضع، تبرّج الجاهلية صار حضَارةً والنساء المُسلمات يتنافسْن في التعرِّي وإبراز المفاتن، والشباب أصيب بأنواع شتّى من المتلازمات، فهذه قصّاتُ شعرٍ لا تليق حتى بحيواناتٍ فما بالك ببشر ! وهذا لباس يُظهر العورات، ثم إنك لا تكادُ تفرق بين الولد والبنت فقد صار كلاهما يستعمل مواد التجميل (الماكياج)، ضاعت الثقافة فنادرًا ما تصادفُ أحدًا يحمل كتابًا في مرفقٍ عمومي أو على قارعة الطريق، تقرأ كتابا في الحافلة أو أثناء انتظارك في أحد الهيئات العمومية، الكلُّ ينظر إليك، وكأنّك مجنون، وانحدر التعليم إلى أدنى مستوياته فلا بحث علمي، ولا نخبة متخرّجة، بل أغلب مذكِّرات التخرج محشوة حشوا وأغلبها منقول حرفيًا.

عندما تبحث عن الحقيقة، تتَّهم بالغرابة، لا تفكر ولا تحاول ذلك حتى، افعل كل ما يُملى عليك فقط! صار العبث شيئًا عاديًا، بينما صار التشبُّث بالقرآن وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الكماليات (كما تريد)، النّاس كلهم فقهاء وعلماء ومحلِّلون، فكلٌّ يفتي لنفسه بحسب هواه، كثُر الاختلاف على التفاهات بين الطوائف والحركات الإسلامية ونسينا حال أمتنا وإضاعة أمانة رسولنا صلى الله عليه وسلم “الخلافة”، نسينا أقصانا الذي يبكي دما، نسينا إخواننا المضطهدين في مشارق الأرض ومغاربها، صرنا أمة همُّها بطنها وفرجها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ماذا لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا؟ ماذا لو رأى عمر بن الخطاب حالنا؟

التغيير يبدأ من الأنفس فقول الله سبحانه وتعالى واضح في سورة الرّعد الآية 11 “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”.

فمثلما ساهمت تربية الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة بالقرآن في ظهور جيل فريد من نوعه، لن يتكرّر أبدًا، ومثلما ساهمت تربية أبي حامد الغزالي وعبد القادر الجيلاني في تكوين وظهور جيل صلاح الدين الذي أعاد القدس، تحتاج أمتنا إلى تكوين جيل رباني موصول بحبل الله (القرآن)، هذا الجيل يكون طليعة تغيير الأنفس وجلب النّصر بإذن الله، فلا بديل عن التربية بالقرآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد