اعترفنا أو أنكرنا، ذاك هو واقعنا الفكري:

– عقولنا ليست آلات تعمل بالمنطق، بل تتأثر بمزيج من حجتك وبيئتك وتربيتك ومصالحك وعواطفك!

– تأثير توفيق عكاشة أكبر من د.المسيري، فلا علاقة بين الصائب والسائد!

– يصعب أن ينقل العلم شخصًا من خانة لأخرى، من أيدلولوجية لغيرها، غالبًا يزيد مستواك؛ فالإرهابي يبحث عن أدلة تزيد يقينه، حتى قيل: العلم كالغيث، ينزل صافيًا وتتشربه الأشجار، فتحوله على قدر طعومها، فيزداد المر مرارة، والحلو حلاوة!

-كل رأي، مهما بلغ شذوذه، له علماؤه وأتباعه وأدلته، حتى قيل: كل صاحب رأي مفتونٌ بحجته!

– العلم سلطة، بعض العلماء يمارس سلطته فيتحدث في أي شيء ويُطاع!

– غالبًا لا ندافع عن أفكارنا لصحتها، بل لأنها أفكارنا نحن!

– العامة تحتاج أفكارًا جاهزة!

أغلب خلافاتنا السياسية والدينية والاجتماعية في الأصل هي خلافات منطقية، حول طريقة التفكير، وسلامة الحجة! يحيطنا كثيرون يريدون إضلالنا، بائع يروج لسلعة فاسدة، حزب يبيع الوهم، شيخ ينقل رأيه وليس الدين، نصائح غير أمينة، تجارب ضيقة… لذا نحتاج التسلح بالنقد.

لم يعلمونا في المدرسة أو البيت كيف نفكر، فنتج ناخب غبي اختار رئيسًا فاسدًا، زوج وزوجة أغبياء يدفع أبناؤهما الثمن، شيوخ أغبياء لوثوا الدين، إرهابيون مزقوا الأوطان، نحن ندفع ثمن الغباء مالًا وأوطانًا ودينًا ودماءً!

لذا توجب علينا ترك حلبة الآراء، لنكرس جهودنا حول طرق التفكير وأساليب الاستنباط، لن أناقشك اليوم في رأي، بل نتفق على قواعد للتفكير، وأتركك مطمئنًا عليك ومحترمًا فكرك أيًا كان.

هذه سلسلة مقالات تعري عقولنا، تفضح منطقنا بعرضه على مرايا من المغالطات المنطقية، فنرى غباءنا/ذكاءنا.

هل ندرك غباءنا؟

كل نصائح الأديان ودروس الفلسفة وخبرات التاريخ قد تتحول لرفات إن لم تُوجه للشخص المناسب، المحتاج إليها. المعضلة أن الإرهابي لا يدرك حقيقته، فلا تصله رسائل السلام، والغبي لا يدرك غباءه ويظن الحكمة في عينيه، فلا يولي اهتمامًا بحديث عن المنطق. والسؤال: هل أدرك حقيقة عقلي؟

الجهل نوعان: بسيط، حيث لا تعلم. ومركب، حيث تتخيل أنك تعلم، لكن علمك خاطئ، وهي الدائرة التي تحوي أكثرنا.

انظر للصورة التالية وحدد ماذا رأيت؟

لا ترى سوى نمر يسير في شارع عادي، أليس كذلك؟

ركز العقل على الغريب، نمر في الشارع، وإهمال باقي الصورة لأنها مألوفة، ولم يلحظ أن أحد المارة بلا رأس، وإحدى السيارات مرتفعة عن الأرض، ورقم الشارع مقلوب!

كذلك يتعامل العقل مع الأفكار، يركز على الغريب، ويهمل الباقي، لا يدرك ما يفقده، حين يعلم معلومة يعتقد أن القضية باتت في يديه، وهنا يسيطر الغرور المعرفي.

يصعب أن يدرك العقل نقصه؛ فهو يقيس نفسه بنفسه! لذا آخر من تسأله عن عقلك هو عقلك! يقول (برتراند راسل): «مشكلة العالم:أن الأغبياء والمتعصبين دائمًا واثقون من أنفسهم، فى حين أن العقلاء تملأهم الشكوك في أنفسهم». ويقول: «تأكد المرء من صحة فكره يتناسب عكسيًا مع الحقيقة الموضوعية».

لذلك لم يهدف سقراط إلى إضافة معنى جديد قدر اهتمامه برصد رأي الآخر، يعري الفكرة أمام صاحبها فيدرك حقيقته. وحين نعته رجل بالجهل، قال:هذا رجل جاهل لا يدرك ذلك، أما أنا فجاهل أدرك جهلي، فأنا خير منه.

إذن ليس أحد منا بعيد عن اتهام الغباء، فكلنا أغبياء بدرجات متفاوتة، وتتلاعب عواطفنا ومصالحنا وتجاربنا وبيئتنا بعقولنا، لكن إدراك خطأنا أول خطوات النجاة.

وجود الدليل

اعتقَد أرسطو أن عدد أسنان المرأة أقل من عدد أسنان الرجل. واستمر الاعتقاد عقودًا دون أن يفتح أحد فم رجل وامرأة ويعد أسنانهما!

عدم السؤال عن الدليل سمح لكُتَّاب أن يبدأوا كلامهم بـ(إذن) دون وجود (بما أن)! فوجدنا فتاوى دون دليل! وتاريخ دون سند! وبحث علمي دون توثيق! وهو ما يُسمى دوغما، أي اعتقاد دون دليل. في حين أن محط النقد هو الدليل وليس النتيجة، فإن قلتُ لك: أؤيد رفع الدعم. لا يحق لك نقد رأيي، وإنما تسأل عن الدليل، هذا الدليل هو محل الفحص والنقاش والنقد.

الإسلام نفسه لا يقبل إيمانًا دون دليل، فيتهكم على الذاكرين عن عمى، (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، يظهر الإمام محمد عبده حتمية الدليل فيقول: «من رُبّي على التسليم بغير عقل، والعمل – ولو صالحًا – بغير فقه، فهو غير مؤمن. فليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كالحيوان، بل القصد منه أن يرتقي عقله ونفسه بالعلم، فيعمل الخير لأنه يفقه أنه نافع مرضٍ لله، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته».

(قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)

يقول رشيد رضا: «قرر لنا قاعدة وهي أنه لا يقبل من أحد قولا لا دليل عليه، ولا يحكم لأحد بدعوى ينتحلها بغير برهان يؤيدها»

ويقول ابن عاشور: «كل اعتقاد لا يقيم معتقده دليل اعتقاده، فهو اعتقاد كاذب»

ويقول النبي: «أترى الشمس؟ على مثلها فاشهد»

غياب الدليل

حاول أن تسأل من حولك عن آرائهم في أي شيء، ستجد الفئة الغالبة تبدي رأيًا في أي شيء دون بحث وتحرٍّ، في حين أن احترام الدليل يقتضي تعليق الرأي حتى نجد دليلًا يقينيًا. (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)()

ويقول الغزالي: «إذا سكت من لا يعلم، رُفع الخلاف».

ومن هنا فالامتناع عن إبداء رأي لعدم وجود أدلة لا يعني عجزًا. لكن البعض يستغل غياب الدليل، ويقدمون تفسيرًا ناقصًا – وهم يعترفون بنقصه – ويسألون: هل لديك تفسير أفضل؟!

هذه الوقاحة يشرحها الفيلسوف (جوليان) فيقول: «بعض التفسيرات أسوأ من عدم التفسير إطلاقًا. لكن الناس لا يرتاحون للعيش مع الأحداث غير المعللة.

هل لديك تفسير أفضل؟ هذا السؤال ينقل العبء من صاحب الادعاء إلينا نحن! وبدلًا من بحثه عن دليل يدعم تفسيره يطالبنا نحن بتقديم تفسير أفضل أو نصمت! هذا الانتقال غير معقول، فأنت صاحب الادعاء مطالب بتقديم دليل تدعمه أو تصمت، ولست مطالبًا أنا بتقديم تفسيرًا أفضل. وبالمثل إذا كتبت قصيدة رديئة، هل أُضطر لمدحها لأني لا أستطيع تقديم قصيدة أفضل؟!»

لاحظ أنه إذا كنت مخيرًا بين طريقين للوصول لهدفي، عندئذ أُضطر لقبول أفضلهما، أو أقلهما سوءًا، وقد أعرف أن اختياري سيئًا، لكن أقبله لأني لم أجد أفضل منه، أما فكريًا لا يوجد داعٍ يضطرني لاعتناق فكرة غير مؤمن بها كفاية، لمجرد أنها الأفضل، أنا غير مضطر لإصدار رأي أصلًا، ويمكنني التوقف، بل يجب التوقف.

أدلة ضعيفة لكن متسقة!

إذا وجدنا قتيلًا وعلمنا أن شخصًا ما كان يعاديه واشترى مسدسًا قبل الحادثة، هنا نجد شكًا أن يكون هو القاتل.

وإذا علمنا أنه كان في موقع الجريمة وقت حدوثها، عندئذ يزداد الشك.

وهكذا يزداد الشك بكثرة القرائن، لكن لاحظ أن كل معلومة وحدها ليست حجة أنه القاتل، لكن مجموعها هو ما نعتبره حجة. هذه الطريقة لا تكفي لتثبت يقينًا، لأن العقل قادر على تجميع عشرات القرائن المشتتة، كل واحد منها ليس له أي قيمة، لأنه يحتمل عشرات الاحتمالات، وبخدعة التجميع هذه نخدع الآخرين بإظهار أن أدلتنا كثيرة، ومتسقة.

لاحظ أن القرائن هذه لا نهملها، بل نتتبعها، وكلما قلت الاحتمالات كلما زادت قوتها، وقد تكفي لتوجيه اتهام، إلا أنها لا تكفي لإثبات نتيجة يقينية حتمية.

دعنا نلعب هذه اللعبة: رأيي أن الأهرامات قد بنتها كائنات فضائية، وأدلتي: أن الأدلة المستخدمة لبنائها متطورة للغاية عن زمن بنائها، رسومات فرعونية تشير لنقل الحجارة بطائرات، وجود رسومات هندية تشير إلى الأهرامات، وهكذا يمكنني جمع عشرات الأدلة، كل منها ضعيف، فهل تسمح بالتغاضي عن قوة كل دليل وتقبلها لأنها كثيرة ومتسقة؟!

كل دين يعتمد على مجموعة من المعجزات، إن أهملت قوة ويقينية كل معلومة، واتبعت كثرتها واتساقها، أعتقد ستؤمن بكل الأديان معًا!

يساعدنا علماء الفقه بقاعدة أصولية: «الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال»

وبخصوص كثرة الأدلة، فقد باتت مصدرًا للتباهي، إلا أن (جوليان) يقول: «إن كان لديك عشرة أدلة، كل منها يشير إلى نفس الحقيقة باحتمال 10%، فمجموعها لا يكون نتيجة مرجحة 100%، وإنما كل دليل يصل بمفرده إلى النتيجة بنسبة 10% كما هو»

إذن مئات المقالات غير الموثقة = مقال غير موثق، ألف شهادة ظنية = ظن، يقول الغزالي: «لو أخبرنا أهل العراق أنهم رأوا طائرًا (ظنوه) حمامًا لم نتيقن أنه حمام».

دليل أم علة؟

أحيانًا تختلط العلة بالدليل؛ فالعلة تؤدي إلى (حدوث) النتيجة، أما الدليل فهو يثبت (صحة) النتيجة. لماذا أنت مؤمن بالإله؟ لأني تعرضت لحادث وكدت أموت، عندئذ حفظتني العناية الإلهية وازددت تمسكًا بالدين! لماذا أنت ملحد؟ لأن الأديان تسببت في حروب وتخلف عن الحضارة. هذه علل أدت لإيمانك/إلحادك، وليست أدلة تثبت صحته.

————————–
المراجع:

.(النظرة العلمية)ص54

.(أرسطو والمرأة)

.الفرقان:73

.(المنــار)ج2ص77

.البقرة:111

.(المنـار)ج1ص350

.(التحرير والتنوير)ج1ص674

.(الفوائد المنتخبة)رقم (21)

.الإسراء:36

.(حجج فاسدة)ص233

.(الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد)ص47

.(حجج فاسدة)ص233

.(المستصفى من علم الأصول)ص197

.(مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد)ص6

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غبي
عرض التعليقات
تحميل المزيد