التجارب الشخصية:

لا ينكر عاقل قيمة التجارب والخبرات الحياتية في تكوين رأي راجح مستند على تجارب واقعية حقيقية، وليس تنظيرًا خياليًا، حتى قال معاوية «لا خبرة إلا لذي تجربة»، إلا أن المشكلة في استخلاص الدرس المستفاد من التجربة، وهل يمكن تعميمها؟

الاعتماد على التجارب الشخصية ينتج مشكلتين:

أولاً الانحصار في تجارب محدودة لا تكفي لبناء قاعدة عامة:

كل الشواهد والحواس التي يدركها الإنسان في حياته يستخدمها ليبني عليها قواعد عامة، وهو ما يُسمى «الاستقراء»، إلا أن للاستقراء نوعان:

«استقراء تام»: حيث نتتبع كل الجزئيات، فعندما نلاحظ أن كل طلاب مدرسة منذ بنائها أولاد، نقول: هذه «مدرسة بنين».

و«استقراء ناقص»: وفيه لا نحصي كل الجزئيات، وهو المتداول؛ لأنه يصعب غالبًا أن نجرب كل الجزئيات، فمثلًا حين نشاهد أسدًا ونمرًا وفرسًا يحركون فكهم الأسفل عند الأكل، نستنتج أن كل الحيوانات تحرك فكها الأسفل. هذا استقراء ناقص «ظني»؛ بدليل أننا نكتشف أن «التمساح» يحرك فكه الأعلى!

لكننا ندعم الاستقراء الناقص بوجود علة، أي وجود سبب يجمع الجزئيات، ويسبب القاعدة العامة، مثل أن نحجب شيئًا مشتعلًا عن الهواء، فلا يشتعل، ونكرر الاختبار على أكثر من عينة لنجد نفس النتيجة، عندئذ نخرج بقاعدة: «عدم وجود هواء يطفيء الاشتعال»، هنا لم نختبر كل المواد المشتعلة، لكن بما أننا اكتشفنا العلة: وهي غياب الأكسجين المسبب للاشتعال، تمكنا من استخلاص قاعدة عامة. هذا النوع من الاستقراء يفيد اليقين، وهو أساس العلوم.

ومن هنا نتبين أنك إذا عاملت شخصًا من بلد ما وكان سيئ الخُلُق، فلا يمكنك تعميم هذه التجربة على كل سكان البلد؛ لأنه استقراء ناقص، ولا توجد علة تجعل جمع من الناس يشتركون في خُلُق واحد؛ لأن الخُلُق اختيار شخصي. وإذا وجدت طالبًا فاشلًا، فلا يمكنك التعميم بأن كل طلاب المدرسة فاشلون، إلا إذا وجدت علة مشتركة بين كل الطلاب تسبب ذلك، مثل «ضعف المدرسين، أو تأخر المناهج .. إلخ».

ثانياً: النصوع/الخفاء المضلل:

إذا افترضنا شخصًا نجا من غرق عَبَّارة، عندئذ سيشعر أن معدل حوادث العَبَّارات أكبر من أية وسيلة مواصلات أخرى، رغم أن الإحصاءات قد تثبت غير ذلك، إلا أنه يبقى شعورًا محفورًا بداخله؛ لأن هذه التجربة – بالنسبة له – تعني أكثر من حادثة، تعني أكثر من رقم في إحصائية!

بمجموع تجاربنا تطفو أولويات وتختفي أخرى. وطبقًا للتجارب، يبني كل إنسان أولوياته الخاصة، لكن إن لم توضع هذه الأولويات في حجمها الحقيقي بموضوعية تصبح التجربة حائلًا بين صاحبها والحقيقة، تعزله في عالم من تجاربه! فهذا رجل فشل في عدة محاولات للتجارة، فترسخ لديه أن التجارة خطر، أكثر من كونها فرصة! وذاك يحتك بعدة نساء جاهلات، فاستنتج من تجاربه أن كل النساء تافهات!

هذا ما جعل الكثيرون لا يهتمون بالإجراءات الأمنية، مهما كانت إحصاءات الحوادث، إلا عند وقوعنا في كارثة، عندئذ فقط نولي هذه الإجراءات اهتمامًا كافيًا؛ لأنها اقتربت منا، فزادت نصوعًا!

هنا تظهر حتمية وضع أولويات موضوعية مجردة.

الأولويات:

«صحيح أن تركيا من أكثر الدول الإسلامية عدلًا وازدهارًا اقتصاديًا واحترامًا لحقوق الإنسان، إلا أن الحجاب مازال ممنوعًا في المؤسسات الحكومية، مما يجعلها أبعد دول العالم عن الإسلام»!

«صحيح أن للرئيس أخطاء سببت كوارث، وبعض المظالم والاعتقالات العشوائية، إلا أننا لا ننكر إنجازاته الاقتصادية، في النهاية هو زعيم ناجح»!

تم منع حمار من الأكل والشرب لمدة طويلة، ثم وُضع على يمينه طعام، وعلى يساره شراب، على مسافة متساوية .. هل تتوقع أن يشرب أولًا أم يأكل أولًا؟

تقول الأسطورة «إنه ظل حيران حتى مات»!

إذا بُرمج جهاز على اتباع كل الأوامر الصادرة إليه، فماذا يفعل حين يصدر له أكثر من أمر في نفس الوقت؟

هذا السؤال جعل لكل جهاز أو لغة برمجة ترتيب أولويات.

كذلك العقل البشري، فهو يعامل الأم بالبر، والزوجة بالحسنى، لكن ماذا يفعل عند التعارض؟ يقدِّر الخروج على الحاكم الظالم، ويقدِّر استقرار المجتمع، لكن ماذا يفعل، إذا كان الخروج على الظالم، سيفقد المجتمع استقراره؟ المبادئ يجب أن تُتبع، والمصالح العامة يجب أن تُراعى، لكن ماذا نرجح عند التعارض؟

المعرفة وحدها ليس لها أية قيمة عند تعارضها، والأولويات هي ما تميز العقل الواعي عن غيره، لذلك قالوا: ليس العاقل الذي يعلم الخير والشر، ولكن العاقل من يعلم خير الخيرين، وشر الشرين. وبمزيد من التدقيق في حواراتنا، تجد أن كل طرف أصاب جزءًا من الحق، لكن العقل الواعي وحده يعرف أيهما أولى.

تجاهل المطلوب:

«حين اصطدم قطار في عهد مرسي، لم تصمتوا، أما حين وقوعه في عهد السيسي لم نسمع لكم صوتاً».

«تقول الزوجة بصوت هائج: أنت أخطأت حين عاملتني بطريقة غير لائقة أمام الناس. فقال الزوج: كيف ترفعي صوتك عليّ بهذه الطريقة؟»

ليس هذا جدالاً حول قضية محددة بهدف الوصول إلى حقيقة محددة، وإنما هو اتهام يُرد عليه باتهام آخر في موضوع آخر، اتهامات في خطوط متوازية، لن تنتهي لنتيجة، ولن تصل لنقطة.

ويفيد هنا الاستعانة بقاعدة: «الخطأ لا يُلغى بالخطأ»؛ فلا نتعامل مع الموضوعات حسابيًا، بحيث خطأ يلغي خطأ، أو صواب رجل يلغي خطأه، وإنما مدار الحكم والبحث هو الفعل المجرد المحدد.

تتداخل مع «مغالطة تجاهل المطلوب» «مغالطة أكثر ذكاءً»: مغالطة «الرنجة الحمراء»؛ سُميت بذلك لأنه كانت تُستخدم الكلاب لتتبع الجنود، مما جعلهم يستخدمون رنجة، ويرموها في مسارات غير مسارهم؛ ليتتبعها الكلاب ويتركوهم. وهو ما يفعله البعض في النقاش، فهو يثبت بالحجة الصحيحة شيئًا، لكنه غير المطلوب! فيظهر للجميع بحجة سليمة توحي أنه على صواب، مثلًا: ما فعله جندي الجيش الأمريكي حين فضح جرائم أصدقائه في سجن «أبو غريب»؛ يسهل التشكيك في ولائه تجاه زملائه وجيشه لأنه فضحهم عالميًا، لكن القضية ليست اختبارًا للولاء؛ وإنما: هل نشر الجريمة لمحاسبة فاعلها «صواب/حق/عدل» أم لا؟

ويكفي لوقف هذه المتاهة تحديد مواضع النزاع؛ فيتم طرح قضية/سؤال مجرد ليُناقش وحده للوصول إلى نتيجة، ثم نسقطه على الواقع، مثلًا: هل يتحمل رئيس الدولة خطأ إداريًا أو تقنيًا مثل حادث قطار؟ ثم نسقط هذا السؤال على أي رئيس؟ هل معاملة الزوج كانت لائقة؟ ثم نطرح قضية منفصلة تمامًا: هل أسلوب الزوجة في انتقاد زوجها لائق؟ وبذلك نخرج من مغالطة تجاهل المطلوب، وتداخل الموضوعات، وخلط الأوراق.

المصادرة على المطلوب:

«القتل الرحيم مقبول أخلاقيًا»؛ لأن من حسن الخلق أن تعين إنسانًا أن ينجو من الألم».

لاحظ أن القتل الرحيم = تعين إنسانًا أن ينجو من الألم.

مقبول أخلاقيًا = من حسن الخلق.

هنا لاحظنا أن الجملتين لهما نفس المعنى لكن بألفاظ مختلفة، وبالتالي فالدليل والنتيجة شيء واحد، أي أن المجادِل وضع النتيجة في الدليل، فقط تلاعب بالألفاظ! أما الطبيعي أن تسبق العلة المعلول، يتقدم المسبِب على المسبَب، إذن يجب أن تنتظر النتيجة، ولا تظهر إطلاقًا، إلا بعد إثباتها بدليل منفصل عنها قائم بذاته، أما دمج النتيجة في الدليل، فهو مصادرة على المطلوب.

الوسطية والوسطنة:

س: «ميزة الليبراليين أنهم وسط بين الإخوان السذج والعلمانيين المعادين للدين».

ص: «ميزة الإخوان أنهم وسط بين السلفيين المفرطين والليبراليين المفرِّطين».

ج: «نشكر السلفيين أنهم لم يحملوا سلاحًا مثل السلفية الجهادية».

ع: «السلفية الجهادية لم ترتكب جرائم تنظيم القاعدة».

كون الحل وسطًا، فهو ضمانة بأنه ليس متطرفًا يمينًا أو يسارًا، وبذلك تميل النفوس للحلول الوسط، إلا أن كل فكرة يمكن وضعها بين فكرتين متطرفتين! وبذلك نخضع لمغالطة الوسطنة، وهي مجرد وضع فكرة بين فكرتين سيئتين! كأن الشيء يُعرف بالنفي، فهو ليس كذا وكذا، إذن فهو ليس سيئًا مثل هذا وذاك، وبالتالي فهو حتمًا صحيح!

والاستخدام الأمثل للوسطنة هو الإيضاح والتمييز؛ فمجرد عرض اللون الرمادي وسط الأبيض والأسود يتضح ويظهر، مجرد وصف قطعة أرض بأنها وسط مبنيين يحدد موضعها.

أما الوسطية فلا تعني الوقوف بين طرفين، وإنما الأخذ بأفضلهما؛ لأن لكل فكرة مميزاتها وعيوبها، والتسرع هو وحده الذي يرفض فكرة تمامًا، أما أن تهذبها وتأخذ خيرها دون عيوبها، هو التعمق الذي يخرج حلًا ثالثًا يجمع المميزات فقط، عندئذ ـ وعندئذ فقط ـ تصبح الوسطية ـ حقًا ـ وسط بين نقيصتين، مثلًا الشخصية التي تقف بين المتسامح الساذج، وذي الهيبة المتسلط، حيث تأخذ الهيبة دون التسلط، وتأخذ التسامح دون السذاجة هي شخصية حقًا وسطية صائبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مغالطات
عرض التعليقات
تحميل المزيد