الحق أحق أن يُتَّبع، مع بداهة هذا المبدأ، إلا أننا عند التطبيق نجد أنفسنا مضطرين للبعد عن الصواب؛ لأننا محاطون بركام من الأدلة الكاذبة التي تزاحم العقل، مثل كلام الناس، ورأي الحزب، وقول شيخ، وعواطف مؤثرة … إلخ. كما نجد حوارات لا تجد أرضًا خصبة يقف عليها المتحاوران معًا، وذلك لأن أحد الطرفين يعتمد على أدلة ـ بالنسبة للآخر ـ كاذبة، لا تحمل فكرًا، ولا تقيم رأيًا.

اتباع السائد

«بعد أن استولت الجماهير على سجن (الباستيل دولوني)، قبضوا على مديره، واختلفوا كيف يقتلونه، وأثناء إمساكهم به وضربه أصاب أحد الحاضرين، عندئذ اقترحوا أن يقطع رقبته هذا الرجل الذي أُصيب، وتحت ضغط الجماهير حمل الرجل سيفًا، وقطع رأس مدير السجن. هذا الرجل كان طباخًا، جاء هذا المكان ليرى ما سيحدث، وليس له ـ بالقضية ـ أية علاقة، وإنما أصبح قاتلًا لمجرد ضغط الجمهور!»([1])

كلنا يفقد ثقته في رأيه حين يخالفه كل من حوله، ينتابه إحساس بصعوبة أن يكون كل هؤلاء خطأ، وأنا فقط على صواب، ويستغل خبراء التسويق ذلك؛ إذ يحاولون إقناعك أن المنتج يستخدمه أغلب الناس، إذن فهو بالضرورة جيد! كذلك المرشح الذي يسير وسط مؤيديه، يستمد قوته من كثرتهم!

أجرى «غوستاف لوبون» دراسة حول سمات هذه الجماهير:

– للجمهور خصائص جديدة، تختلف عن خصائص كل فرد يشكله، فعندئذ تنطمس الشخصية الواعية للفرد.

-ذكاء الجمهور لا يساوي مجموع ذكاء كل عضو منه، وإنما يساوي أقل ذكاءً في الجمهور، لأنه هو المستوى المشترك الذي يفهمه، ويقتنع به الجميع.

-يشعر الجمهور بالقوة؛ للقدرة التي يملكونها ولا يملكها الفرد وحده، فهم يستطيعون فعل أي شيء حقًا.

-كل فرد خلال جمهور من الناس لا يشعر بالمسئولية حيال أية جريمة تحدث، باعتباره ليس مسئولًا وحده.

وآخر صفتين هما أخطر صفات الجماهير؛ فأنت كفرد لا تستطيع حرق بيت، وبالتالي فمجرد الفكرة لا تخطر ببالك أصلًا، وإن استطعت فأنت مسئول عن فعلك، ولن تقدم عليه إلا بدراسة نتائجه. أما الجماهير فتقدر على كل شيء، وغير مسئولة عن أي شيء، فهي تنطلق كالحيوان المسعور.

– تغليب العاطفة: يسهل إثارة الجمهور لأتفه الأسباب، وتتسم بتطرف حاد، فالجمهور لا يعرف الحياد والموضوعية والفحص والتحليل، وإنما يحب بشدة، ويكره بشدة، ولا يعظِّم إلا الزعيم الحاد الطباع؛ المتطرف الرأي، ولا يحترم زعيمًا هادئًا، مترددًا، متشككًا.

-سرعة التصديق: بحيث يصعب انتقاد وتحليل ودراسة كل رأي، فالجماهير تحتاج أفكارًا جاهزة.([2])

في ظل الجماعية التي تجر الإنسان جرًا نحو أعراف وتقاليد لأناس عاديين لمجرد أنهم سبقونا في الزمن! إن شخصياتنا ما هي إلا خليط من المؤثرات حولنا، فتراكم عادات العائلة والأصحاب والإعلام هو ما أنتج شخصيتك. حتى الفلاسفة لم ينجوا من التأثر بمجتمعاتهم، فيقول برتراند رسل «الفلاسفة نتائج وأسباب معًا، هم نتائج للظروف الاجتماعية، ولما يسود عصورهم من سياسة ونظم اجتماعية، وهم كذلك أسباب – إن أسعفهم الحظ – لما يسود العصور التالية». ولا نجاة سوى بتمسك المرأ بفرديته واستقلاله، فلا يصبح قطعة إسفنجية تمتص ما حوله، ولكن يستشير ويتحرى ويسأل، ثم يمرر كل ذلك على فلترة الخاص، فيقبل أو يرفض، وهنا يتجلى قوله تعالى: «وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى» معلنًا فردية الإنسان، واستقلاله، ومسئوليته، وتحمله وحده كافة النتائج على أفعاله واختياراته.

الشخصنة:

يوجد فرق جوهري بين الشهادة والرأي؛ فالشهادة قائمة على الثقة في الراوي، أما «الرأي/الفكرة» فهي تُولد، تنهض على أرجلها الخاصة، تتوكأ على ذاتها، وتغادر بيت أبيها، فلا تسقط بسقوطه، أو تنجرح بجرحه. قوة الفكرة لا تكمن فى الأصل الذى ينميها، بل فى المنطق الذى يزكيها، وصواب الفكرة لا يحدده مصدرها الذى منه أتت، بل الذى إليه تستند، لذا قالوا «خذ فتواه ولا تنظر إلى تقواه».

للشخصنة وجهان:

  • سؤال العالِم في غير تخصصه:

من الملاحظ على البرامج الدينية أن أسئلة المتصلين ابتعدت كثيرًا عن الفقه، وأصبحت استشارات اجتماعية، وذلك ثقةً بأن عالم الدين غالبًا سيتبني آراء اجتماعية صحيحة!

كما أن الممثلين والمغنيين والرياضيين أصبحوا يبدون آراءهم في أي شيء، ومعجبوهم يتلقون هذه الآراء بمزيد من الاهتمام!

لذا فالحملات الإعلامية (للمنتجات أو الانتخابات) تعتمد على مشاهير، كأن أساس الإعلان: طالما هذا الشخص الثقة يستخدم هذا الشامبو أو ينتخب هذا المرشح، إذا فهو «شامبو/مرشح» جيد!

لا شك أن الوقت لا يتسع للجميع للتفتيش حول كل قضية، وتتبع كل الأدلة المثبتة والشبهات الرافضة، لذا نلجأ مضطرين إلى المتخصصين، باعتبارهم كرَّسوا حياتهم للبحث والتفتيش، لذا فالرأي النابع من متخصص يستمد قيمة وسلطة، لكن لا ننسى أن الأصل أننا نتبع الدليل، ولجوؤنا لشخص لا يعني تقليدًا لذاته، وإنما هو شارح ووسيط بيننا، وبين أمهات الكتب وتجارب المعامل. يقول عادل مصطفى «ما جعل الخبير خبيرًا، إلا ثقتنا بأن لديه الدليل والبيّنة».([3])

أما سؤال نفس العالِم في غير تخصصه، كسؤال عالم دين عن مشكلة اجتماعية، أو سؤال عالم فيزياء عن حقيقة الأديان، فلا معنى له، وإنما هو تغافل عن الدليل، وأصبح الأمر تقديسًا لأشخاص، وتقليد مذاهب، وتأجير عقولنا لغيرنا؛ ليفكروا بدلًا منا!

  • رفض الفكرة بسبب صاحبها:

«كيف أنتخب رجلًا تؤيده هذه الجماعة المتعصبة، هذا الرأي الفقهي هو رأي الشيعة، ومن ثم ليس لنا دخل به»، «كيف تأخذ فتوى من رجل مثل هذا؟»

الارتباط بين الفكرة وصاحبها يجعلنا نرفض فكرة بسبب قائلها، ثم نقبل نفس الفكرة عندما تصدر من آخر، ألا تشعر بالخزي من عقلك إن أوقعك في ذلك التناقض المحرج؟

وجود شخص كلامه حسن، وفعله باطل، يجعله جسرًا نعبر به إلى الحقيقة، ويسقط هو في الباطل، المهم أن نعبر إلى الحقيقة، ولا يعنينا مصيره الشخصي، والعك، فالعابد الجاهل لا يمكنني الاستماع إليه، فهو أشبه ببقرة جميلة لا تدر لبنًا!

من الملاحظ أننا عند القراءة لعالِم معارضين له، نترصد كلماته بعقل الناقد؛ فلا نقبل منه فكرة، إلا بعد الشك، والتثبت من مصادره، والتفتيش على الرأي المخالف، وإن لم نجد مفرًا، عندئذ نُحمل على قبول رأيه. هذه المنهجية هي المنهجية التي يجب اتباعها مع الجميع، فالأصل في العلم أنه ادعاء ما لم يأت بدليل، لذا نجد القراءة للمختلفين معنا تدعم عين الناقد فينا، أما القراءة للمتفقين معهم تجعل منا أتباعًا، نصدق كل ما يُقال، لسان يردد أكثر من عقل يتحرى!

العاطفة:

هل تابعت لماذا يتبنى الناس أفكارًا بعينها؟ لماذا هذا الشخص دائمًا معارض لفكرة، مهما أقنعته؟ لماذا يبحث عن الأدلة المؤيدة لفكرة، ويعرض عن كل انتقاص يوجه إليه؟

لأنه يحبهــــا

يقول «ريستاك» «عقلك ليس آلة منطقية، فعندما يعمل عقلك، تحدث الانفعالات والمشاعر تجاه شيء ما، أو شخص ما، قبل أن تشرع في أية محاولة للتفكير الواعي، ولهذا التحليل أدلته من تصوير خلايا المخ أثناء التفكير».([4])

كما يقول أفلاطون «في جدال حول الغذاء أمام جمهور من الأطفال، فإن الحلواني كفيل بأن يهزم الطبيب، وفي جدال أمام جمهور من الكبار، فإن سياسيًا تسلح بالقدرة الخطابية، وحيل الإقناع، كفيل بأن يهزم أي مهندس أو عسكري، حتى لو كان موضوع الجدال من تخصص هذين الأخيرين، إن دغدغة عواطف الجمهور ورغباته، لأشد إقناعًا من أي احتكام إلى العقل!» ([5])  كما يقول برتراند رسل «إني أشك في أن كل المدارس والكنائس مجتمعة لها تأثير يعادل تأثير السينما!»([6]) ويحدد السبب قائلًا «معظم آرائنا من قبيل تحقيق الرغبة، وإن ذهن أعقلنا أشبه ببحر عاصف من المعتقدات العاطفية التي ترتكز على الرغبة، يكاد يطفو فوقها قليل من القوارب المحملة بمعتقدات ثبتت علميًا».([7])، كما يحدد الحل قائلًا «الطريقة العلمية تلقي رغباتنا جانبًا، وتحاول الوصول لآراء، ليس للرغبات فيها أثر».([8])

إذن، فإن كنت تظن أنك آراءك هي أبناء شرعيين للدليل، فللأسف أنت مخطىء، بعض أفكارنا هي رد فعل لتجاربنا وبرمجتنا، مثلًا:

– تؤمن المرأة البدوية باستحالة كشف وجهها، هنا رأيها ليس نابعًا من قناعتها بأن النقاب من الدين أو لعلاقته بالعفة، بل نابعًا من برمجتها طوال حياتها، أي ما تأثرت به من بيئتها، بصرف النظر عن كونه صحيحًا أم خاطئًا، لذلك ليس ضروريًا أن تمتلك أدلة تؤيد النقاب، ورغم ذلك يصعب عليها أن تتخلى عنه، مهما أقنعتها.

– لا يمكنك إقناع أم قُتل ابنها من المتظاهرين بأن الثورة مفيدة، وكذلك من فقد ماله بسبب الثورة، هنا المعارضة للثورة ليست نابعة من أفكار، بل هي رد فعل لتجارب شخصية.

عودة إلى «برتراند رسل» ليحدد موضع العقل والعاطفة بمثال «من يعمل في سوق الأوراق المالية، مؤكدًا أن الغاية النهائية له هي تحقيق رغبته الشخصية في الثراء، لكنه يبني آراءه على أبحاث موضوعية علمية بحتة للسوق، ولو كانت آراؤه شخصية عاطفية لخسر حتمًا».([9])

لا ينكر أحد أن عواطفه تزاحم عقله في اتخاذ آرائه، فكلنا نحب النوم والراحة والجنس والمال ومصالحنا الشخصية، هذا واقع لا ينكره عالم ولا نبي، لكن المشكلة في أيهما يقود الآخر، فالعقل العاطفي هو عقل توجهه أهواؤه ولذاته واحتياجاته، فهو هوائي، حيواني، هش بكل المقاييس، أما العاطفة العقلانية، فهي عاطفة لا تسوقنا، ولا نكبتها، نتفهمها ونضعها موضعها، خاضعة للعقل، وإن شئت الدقة فهي الوظيفة الرئيسة للعقل، أن يجمح جماح العاطفة، فلا يترك المرء لنزواته وشهواته. «العقل» في «مختار الصحاح» «الحَجر والنهي»([10])، وفي «لسان العرب» «سُمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي يحبسه».([11])

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. (سيكولوجية الجماهير) ص178
2. المصدر السابق
3. (المغالطات المنطقية) ص86
4. (المحفزات السبع للحصول على نعم) ص27
5 . (المغالطات المنطقية) ص14
6 . (النظرة العلمية) ص184
7 . المصدر السابق ص4
8 . المصدر السابق ص34
9 . المصدر السابق ص170
10 . (مختار الصحاح) ص187
11 . (لسان العرب) ج11 ص458
عرض التعليقات
تحميل المزيد