أبتدئ كلامي بالاعتقاد شبه الجازم بأن علينا شكر جميع النفسانيين لمحاولاتهم الظفر بشيء ما من مخزون الأخلاق البشري المشوه، وأعتقد أن طرحهم الموضوعي لمنظومة الأخلاق هنا أشبه باللغز ليس بالصغير.

جميع الباحثين أو المهتمين بجزئية الأخلاق تجدهم دومًا سواء طوعًا أو أمرًا، معتكفين على دفع الرغبات المنافية لطبيعة الإنسان، والتي تكاد تكون مخجلة – حسب منظورهم– من عالمنا الداخلي إلى الصدارة، والبحث عما هو فاعل وموجه نسبيًّا، وما هو حاسم لتطوره، ويعتقد أنه عندها تحديدًا يصل كبرياء عملية التفكير البشري إلى نشوته، وتكون رغبته في أقصى حالات العطش إلى الغفلة/ النسيان، عبر اختلاط الأفكار بشكل أعمى، بمحض صدفة، وأيضًا بشيء انفعالي بحت.

وفعليًا ما يدفع أيًّا من الباحثين عن منظومة الأخلاق هو غريزة – مطلقة- صفراء سرية لئيمة، لا يعترف بها أحد أمام نفسه، لا أعرف هل يمكن وصفها بأنها غريزة تصغير الإنسان؟ أو شيء كخيبة المثاليين، أو المتجهمين بعد أن امتلأت قلوبهم بالحسد الحقيقي؟ من يدري، حسب منظوري الشخصي، حتى أفلاطون – أبو الأخلاق – لم يستطع الوصول إلى حافة الوعي بعد أن أجهض كل أيام حياته سعيًّا إلى الاتجاه الخاطئ، أو حتى لم يصل إلى ذوق يستلذ بالغرائب والمفارقات الأليمة لما في الكيان من أمراض وعبث.

أو ربما شيء من كل ذلك، قليل من الخبث، قليل من التجهم، قليل من معاداة غريزة اللجوء للقوة القصوى، والحاجة لما له القدرة على إضرام الحريق بكل ما سبق.

حسب رأيي كل من ذكرتهم ليسوا سوى ضفادع هرمة مثيرة للاشمئزاز، تزحف وتقفز حول الإنسان وداخله، كما لو أنه مجالها الخاص، وأقصد المستنقع هنا، ولا أصدق كل ذلك، إذ يحق للمرء أن يتمنى حيث لا يحق لقدميه أن تطأ، ولا يمكن لعقله البلوغ.

جميع هؤلاء الباحثين الذين يهابون النظر إلى النفس بجماليتها الكاملة، هم بالحقيقة حيوانات باسلة نقية وأبية، تعلمت كيف تمسك زمام القلب تمامًا كما تمسك زمام الألم الإنساني، وتعلمت أن تلك الحقيقة المزعجة الكريهة، التي تنفر منها النفس، أقرب ما يمكن للحقيقة اللادينية.

من هذه الآراء التائهة أعتقد أني الآن لي القدرة على الدخول إلى مراجعة فيلم أماديوس موتزارت.

كتحليل مبدئي لشخصية أماديوس بحد ذاتها، يمكن ببساطة النظر إليه على أنه ضربة فاصلة لبيان عظمة القدر، جبل ثلجي وضيع يضرب التايتانك بكل عظمتها، إلا أنه يخبئ ما هو أعظم منها تحت ستار الماء، انهيار الإمبراطورية بليلة وضحاها، بعثرة أوراق لم يستطع أحد النظر إليها حتى من قبل، تدنيس ما كان دائمًا طاهرًا لدى الجميع بما هو أطهر منه، إهانة كيان بأكمله، سيف يغرز في قلب تكسرت على أبوابه كل السيوف، سحابة نسجت فوق أرض لطالما اعتقد أنها صحراء قاحلة، نهاية لقصة لم يظن أحد أنها ستنتهي يومًا، ببساطة أماديوس كان مبعوثًا ليبرهن أنه، ومهما بلغت من العظمة عبثية الواقع، لها القدرة على أن تجعل منك نكتة سخيفة – ليس أمام من آمنوا بك كلا فالسخرية أن كل من آمن بك سينساك أمام عظمته- بل أمام نفسك تحديدًا.

طرحت قصة أماديوس فكرة فلسفية أزلية، اختبارًا وجوديًّا لبيان قوة إيمانك، هل سترضى بما وضعك فيه القدر؟ هل يسجد إبليس لآدم على الرغم من عدم اقتناعه نهائيًّا؟ هل يرضى الأخ بأن يقبل الرب قربان أخيه ويرفض قربانه؟ هل يرضى الأخ بحكم الأب بتسليم السلطة لأخيه الأصغر؟ هل يرضى سالياري بأن يأتي من اعتقد دائمًا أنه أقل منه شأنًا – جميع الناس أقل منه شأنًا حسب منظوره- ليمثل صوت الرب بعد أن أفنى حياته في خدمته؟

لكن للأسف إبليس لم يسجد، والأخ قتل أخاه، وبالتأكيد سالياري تجبر وعصى ولم يرض بحكم الرب؛ فالطرح الطبيعي هنا إذن أن أماديوس وسالياري امتداد لحال البشرية منذ أن انقدحت شرارة الوعي الأولى.

قدمت هذه الملحمة الموسيقية طرحًا مهمًّا جدًّا، والمتمثل في أن السعادة الحقيقية تتجسد في منح السكينة لمن حولك والحسد للكارهين، وقد كان أماديوس دائمًا مخلوقًا مستهجنًا للمشاهد، وهو يزرع وسائل السعادة في قلوب عشاق موسيقاه، مع إيمانه بأن الموسيقى لكل من فيه قلب ينبض، إذ إننا لا نشاهد من هم مثله في الطرقات.

أما سالياري ففي كل مرة أنظر إلى ملامحه أرى دانييل بلانفيو الشخصية التي جسدها السير دي لويس، والاثنان ينطبق عليهما مقولة ميلوس فورمان «ليس من الكافي أن أنجح… على الباقين أن يفشلوا»، جمال هذه الملحمة لم تكن في عظمة أماديوس، بل في حسد سالياري له، وكان ذلك جليًّا للجميع؛ فسالياري أقر من اللحظة الأولى برداءة موسيقاه التي أفنى عمره فيها أمام موسيقى أماديوس النابعة عن موهبة ربانية بحتة.

ومن المشاهد التي استوقفتني إلى أقصى حد، وجعلتني أتأكد أن أماديوس من الأفلام الاستثنائية جدًّا في السينما، كان مشهد الختام، أعتقد أنه أعظم مشهد ديناميكي فني شاهدته في حياتي، فبينما كان أماديوس على فراش الموت، وهو يرسل آخر همساته الفنية، وينسج للعالم عمله الختامي، «سيمفونية القداس»، وسالياري جالس على سريره يجتث آخر همساته كمحاولة أخيرة ليتمرد على القدر، شعرت كما لو أن كل المشاعر تتفجر في هذه اللحظة، أو كما لو أن الشيطان كان يرقص بينهما، أو كما لو أن كل المبادئ تتناثر، بينما كان سالياري بجبروته الزائف يزاحم ملك الموت على أنفاس أماديوس، كان موقفًا لا يصدق بمعنى الكلمة، على أنغام موسيقى القداس نفسها، جعلني أقف لأصفق لجماله؛ فلم تكمن حركيته في احتضار أماديوس، بل في سالياري وهو يسحب الألحان الأخيرة منه.

سالياري كره أماديوس من كل قلبه، ولعل آخر ما فكر فيه كان الاقتراب من أمثاله، لكن حبه للموسيقى كان يفوق أي كره وأي شهوة وأي غريزة، حتى إن سالياري للأسف بحث عن الكمال حيث لا يوجد كمال، وظن أنه موجود في موسيقى أماديوس.

ولكن مرة أخرى برهن القدر على أن سالياري وكل محاولاته مهما كبرت سيكون الرد عليها بمنتهى البساطة، وبمنتهى الفعالية، إذ لم تسمن ولم تغن من جوع.

كان سالياري قلب الفيلم النابض، والذي منحه بعده الملحمي الشكسبيري نوعًا ما، بعد أن استهلكه الحسد والغضب تحول من التلميذ المخلص دائمًا للموسيقى، إلى المقدر الوحيد لموسيقى أماديوس، ومن يستطيع أن يرى من خلالها أكثر من أي أحد آخر، والمعترف الأكبر بحقيقتها، ما كون عنده صراعًا داميًا لمدونته الوضعية، قاده إلى الخرف الأخلاقي

ولكن انتهى به الحال لأسوأ ما يمكن بين كبار السن الخرفين

ملكوتي… وأي ملكوت أعلى منه شموخًا؟

شهدي… من له أن يذوقه؟

ها أنتم يا أصدقاء! لكني أنا لست من إليه تأتون

لم الدهشة والتردد؟ يا ليتكم تغضبون!

وأنا ألم أعد أنا؟ هل تغيرت اليد والخطوة والوجه؟

وما أنا عليه، ألست عليه عندكم، يا أصدقاء؟

– فريدريك نيتشه

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد