هو محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل، ولد في 24 يونيو 1940 بقرية القلعة، مركز قفط في محافظة قنا.

يظن الكثيرون ممن لا يعرفون أمل دنقل أنه امرأة لشيوع الاسم في أوساط النساء في مصر. والسبب في التسمية أنه ولد في نفس السنة التي حصل فيها والده على الدكتوراه الأستاذية من جامعة الأزهر، فسماه أمل تيمنًا بالنجاح الذي حققه.

ظل أمل دنقل راهبًا في محراب الشعر ولم يحاول كتابة المقال أو القصة، وصدرت له ست مجموعات شعرية:
البكاء بين يدي زرقاء اليمامة (1969)، تعليق على ما حدث (1971)، مقتل القمر (1974)، العهد الآتي (1975)، أقوال جديدة عن حرب البسوس (1983)، أوراق الغرفة 8 (1983).

التمرد في حياته وشعره

كان والد أمل عالمًا من علماء الأزهر الشريف، وكان يكتب الشعر العامودي، ومن العوامل التي أثرت في أمل امتلاك أبيه مكتبة ضخمة تضم كتب الفقه والشريعة والتفسير وذخائر التراث العربي، وظهرت أول بوادر التمرد عند أمل دنقل حينما تمرد على النظم العامودي وكتب الشعر الحر، مخالفًا بهذا والده، والحركة الشعرية السائدة في هذا الوقت.

في صباه الباكر كان شديد التدين، ثم ترك النشاط الديني في شبابه معجبًا بالماركسية والوجودية، لكنه ظل في حيرة دائمًا محاولًا الوصول للحقيقة. لم يقتنع بيقينية الشرائع والأفكار، وكما قالت زوجته عبلة الرويني هو لا ينكر وجود الله لكنه يناقش الله ويخاطبه في كثير من التحدي والعصيان، يبحث عن سؤال صعب لم يجد له حلًّا أبدًا.
وكان آخر ما كتب في ديوانه الأخير «أوراق الغرفة 8» قصيدة «الجنوبي»، التي تنتهي بقوله:

فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنتين:
الحقيقة والأوجه الغائبة.

اتسمت حياة أمل بالبؤس، فقد ترك عمله وانغمس في الشعر فلم يعد يجد ما يكفي معيشة يومه، لم يكن له محل إقامة ثابت فكان دائم التنقل بين الفنادق، وبعد أن تزوج عبلة الرويني ظلّا على هذه الحال حتى موته.

تميز شعر أمل دنقل بنبرته الرافضة والحادة، وهذه النبرة الصاخبة تقع على الأذن خفيفة وهادئة بسخريتها ومفرداتها البسيطة وصورها المستمدة من الحياة اليومية، فلم تحاط كلماته بالافتعال البلاغي والتعقيد في الصور، ومع هذا حملت معاني واسعة.

وبالرغم من عدم اعتناء أمل بالوزن كثيرًا إلا أنه يحتال على الأذن بإيقاعه الفريد، يمحو الفروق بين النثر والشعر، فإن لم تستطع تفهم هذه الحيلة فكأنك لم تقرأ لأمل.

في الوقت الذي بدأ فيه أمل كان هناك العديد من الشعراء المجددين كصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، لكنه كان مختلفًا ومتفردًا بشعره عنهم. كان بائسًا بصدق ولم يفتعل اليأس فكانت أشعاره صادقة.

أعرف أن العالم في قلبي.. مات!

وكانت بدايته مع النشر بعد النكسة، فعبّر بانكسارٍ عما حدث في ديوانيه الرائعين «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» و«تعليق على ما حدث».
وعندما كان الرئيس أنور السادات يسعى إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد قال هو بصوتٍ عالٍ: لا تصالح.

كان أمل كارهًا للمناطق الرمادية، عهدته دائمًا في شعره – وهكذا حياته- ثائرًا عنيدًا لا ترضيه الحلول الوسط، فهو من قال:

الدم.. أو يعود كليب حيًّا.

كان الصراع بداخله محسومًا للمستحيل (أن يعود كليب حيًّا)، ظل يسعى ويطلب الحرية دائمًا، قضيته التي تعلقت بمصيره، فرأى في الحرية الغاية والمنتهى.

إن الحرية هي المستقبل.

التراث العربي في شعره

في الوقت الذي ساد فيه تأثر الشعراء بالميثولوجيا اليونانية، استوحى أمل قصائده من التراث العربي القديم ما عدا قصيدة «كلمات سبارتاكوس الأخيرة» الذي استوحاها أمل من العبد والمصارع اليوناني سبارتاكوس، الذي نظم ثورة للعبيد.

ومن الرموز الذي استقاها أمل من التراث هي زرقاء اليمامة التي سمَّى الديوان الأول باسمها، ويُروى في الأغاني للأصفهاني:
إنّ قومًا من العرب غزوا اليمامة، فلما اقتربوا من مسافة نظرها خشـوا أن تكتشف الزرقاء أمرهم، فأجمع رأيهم على أن يقتلعوا شجرات تستر كل شجرة منها الفارس إذا حملها. فأشرفت الزرقاء كما كانت تفعل. فقال قومها : ما ترين يا زرقاء؟ فقالت : أرى شجرًا يسير! فقالوا: كذبت أو كذبتك عينك، واستهانوا بقولها. فلما أصبحوا صبحهم القوم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأخذوا الزرقاء فقلعوا عينيها فماتت بعد أيام. وعندما ماتت اقتلعوا عينها فوجدوا أن عينها كانت مليئة بالأثمد.

كانت الزرقاء ترى من على بُعد، فكان أهل القرية يضعونها لتكتشف لهم الغزوات التي تأتي على اليمامة. ويضرب بها المثل في بُعد البصيرة ويقال: «أبصر من الزرقاء». وقصد أمل هنا بالبكاء بين يدي زرقاء اليمامة ببكائنا على الهزيمة في 67.

وكان ديوانه «أقوال جديدة عن حرب البسوس» مستوحى من حرب البسوس، وهي الحرب التي قامت بين بكر وتغلب على إثر الجساس بن مرة البكري لكليب بن ربيعة التغلبي ثأرًا لخالته البسوس، وقد استمرت هذه الحرب أربعين عامًا إلى أن أنهاها المهلهل بن ربيعة التغلبي، وكان وقتها سيد تغلب. والحرب من أشهر الحروب في الجاهلية وورد ذكرها في الكثير من الكتب ومنهم الأغاني للأصفهاني.
فقام هنا دنقل بجعل كليب يكتب بدمه الوصايا العشر الذي تتمثل في قصيدة لا تصالح –قبل موته.

وفي ديوانه «أوراق الغرفة 8» نجده يستوحي قصيدة «مقابلة خاصة مع ابن نوح» من طوفان نوح، وهو الطوفان الذي ذُكر بروايات مختلفة بعض الشيء في التوراة والإنجيل والقرآن.

وفعل هذا في قصائد أخرى متفرقة استوحى رمزها من التراث العربي، كما فعل في قصائد: حديث خاص مع أبي موسى الأشعري، من مذكرات المتنبي، من أوراق أبو نواس،خطاب غير تاريخي على قبر صلاح الدين.

مبارزات الديكة

كان هذا هو العنوان الأنسب الذي أطلقته عبلة الرويني على صداقات أمل دنقل، فالمعروف عن أمل أنه كان سليط اللسان وحاد الطبع، كان أغلب الشعراء والكتاب يتحاشون الحوار معه، بل يتحاشون المرور أمام مجلسه في مقهى ريش، وذلك لأنهم رأوا أنه لا يبحث إلا عن مناطق ضعفهم.

ولم تسلم علاقات صداقته من هذه الحدة، فعلاقته بنجيب سرور كانت صداقة مدمرة في شكلها الخارجي، مليئة بالشجار والمشاحنات الدائمة، ذلك لأن نجيب كان يرى أن أمل يغير منه. وفي أميات نجيب سرور كان هناك جزءًا يسخر فيه من قصيدة أمل «سفر الخروج» من ديوان العهد الآتي. وكان أمل يرى أن ميلودرامات نجيب سرور فاشلة، وكلما رآه قال له: «أزيك يا نوجة» فيغضب نجيب سرور ويظل يتحين فرصة لإهانة أمل، وكان يمتد شجارهم للأيادي. وفي المساء يشربان معًا في البار..

وهكذا كانت علاقته بالكاتبة صافيناز كاظم، كان يستفزها دائمًا بكلامه فيمتد الخصام بينهم لسنوات.

وكانت هناك بعض الصداقات الهادئة التي لم تحفل بالمشاجرات، مثل علاقته بيوسف إدريس الذي كانت تجمع بينهم الصعلكة والخروج على الشرعية.

وصداقته بعبد الرحمن الأبنودي التي كان منبعها النشأة، فوالديّ أمل والأبنودي كانا أصدقاء، وظهر الاثنان معًا كل منهما يجمل لواء مختلف من التغيير الشعري، وظلت صداقته بالأبنودي قريبة إلى موته.

وهكذا كانت هناك العديد من العلاقات الأخرى كعلاقته بفاروق شوشة، وجابر عصفور، ويوسف السباعي.

صداقة من نوع خاص

تعد أبرز العلاقات وأغربها وأعمقها صلة هي صداقته بالقاص يحيى الطاهر عبد الله، وهي من العلاقات غير الهادئة فقد كانت عبارة عن اشتباك متواصل يتخلله فترات هدنة قصيرة.

ورغم هذا الاشتباك المستمر، فلم يكن أحد يجرؤ على الخوض في سيرة يحيى أمام أمل، وإلا انفجر غاضبًا وعنيفًا. كما كان يحيى في ثوراته الشديدة يلعن أمل، لكن إذا لعنه الآخرون وهم معه يغضب منهم معلنًا أنه الوحيد في هذه الأرض صاحب الحق في سب أمل دنقل.

عندما مرض أمل بالسرطان زاره يحيى بأن أن أجرى العملية الأولى في مستشفى العجوزة عام (1979)، وسأل زوجته بعصبية: لماذا ينبغي أن يموت أمل، بينما يظل (أولاد الكلب) أحياء؟ وبكى ولم يزره مرة ثانية.

مات يحيى بعدها بسنة واحدة في حادث سيارة، ورفض أمل الاشتراك في كل مراسم غيابه، ولم يرثيه بقصيدة واحدة، لم يتحدث عنه مع أي أحد ولم يعلق سوى بقوله: «إن يحيى خاص بي وحدي».

وشهده قصيدته الأخيرة «الجنوبي» للمرة الأولى يحيى الطاهر عبد الله في شعره، كأنه علِم بأن أجله اقترب فلم يرِد ألّا يخلد صديقه في شعره:

ليت أسماء تعرف أن أباها صعد
لم يمت
هل يموت الذي يحيا
كأن الحياة أبد
وكأن الشراب نفد
وكأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد
عاش منتصبًا، بينما
ينحني القلب يبحث عما فقد.

وفاته

وُلد أمل بعيب في إحدى خصيتيه، وفي سن التاسعة أجريت له عملية جراحية لكنها كانت فاشلة، وفي هذه الحالة إن لم تنشط خصية المريض فإنه معرض للإصابة بالسرطان في سن الأربعين، وهذا ما حدث.

كانت نهايته لا تقل عن حياته وشعره تمردًا ورفضًا، ظل يعاند السرطان ما يقارب الثلاث سنوات، لم يستسلم بسهولة للموت، بل كتب الشعر وهو على فراش المرض ونشر ديوانه الأخير «أوراق الغرفة 8».

كان يقول: أنا لا أخاف الموت لكن أخاف العجز. وقد مات معنويًّا قبل موته بثلاثة أيام حين أُصيب بشلل في كل جسمه.

وفي 21 مايو عام 1983، رحل أمل دنقل عن دنيانا لتنتهي معاناته مع والألم والبشر.  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, أمل دنقل, شعر
عرض التعليقات
تحميل المزيد