«ربما ننفق كل العمر كي نثقب ثغرة، ليمر النور للأجيال مرة»

إنه الأمل الذي ما عرفه يومًا، وما راوده ساعة واحدة، لكنه في بعض المرات القليلة كان يمرره لنا عبر قصائده، فقد عاش معذبًا تعتصره الآلام، والفقر يأكل من جسده، والظلم يقتات على روحه، والحزن ينبش في نفسه، والمرض ينهش في أحشائه.

وُلِد أمل صعيديًّا بقرية القلعة وهي إحدى القري القريبة من محافظة قنا، أكمل تعليمه حتى الثانوية بصعيد مصر، سافر إلى القاهرة حيث التحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية، ثم سرعان ما تركها عقب رسوبه في السنة الدراسية الأولى، وراح يتنقل بين الوظائف الحكومية حتى يعيل نفسه فتارة موظفًا حكوميًّا بإحدى محاكم قنا، وتارة بجمارك السويس والإسكندرية، إلى أن ترك العمل وعاد إلى القاهرة مرة أخرى متفرغًا لإبداعه الفكري والحسي، ليعلن عن نفسه في أواخر حياته أنه لا يصلح لأي عمل سوى الشعر.

توفي والده وهو طفل في العاشرة من عمره، فاكتسب الحزن صغيرًا ولازمه طوال حياته وهو ما تجده واضحًا في قصائده النثرية والشعرية، وكان والده أحد علماء الأزهر، إضافة إلى أنه كان كاتبًا أيضًا وشاعرًا جيدًا، يتأمله أمل وهو ينظم ويقرأ الشعر، تأثر أمل به كثيرًا وقرأ العديد من مكتبة والده المكتظة بكتب الفقه والتفسير والشريعة والشعر وغيرها.

كتب أمل بعض القصائد وهو في مرحلة الثانوية، وكانت كتاباته فريدة وقتها، حتى اتهمه زملاؤه ومعلموه بسرقة هذه الأشعار ونسبتها لنفسه فزاد عنف أمل تجاههم وراح يكتب هجاء مدافعًا عن نفسه، رادًّا اعتباره، وكان معروفًا عنه اعتزازه وفخره بلغته ونفسه وأهله وقريته، لكنه سرعان ما عدل عن أسلوبه هذا، وتفجرت أكثر المواهب عبقرية، وتفتحت آفاقه كثيرًا، إلى أن أصبح أحد أهم شعراء الوطن العربي.

تجربة أمل الشعرية، تجربة دسمة ومليئة بالمشاعر، والأفكار، والتنبؤات، مُحملة بالتمرد، والثورة، والحزن، والموت، والعدم، ولعل أشهر قصائده التي ثُبِتت في الأذهان والعقول، هي قصيدته الشهيرة «لا تصالح» فهي ممكن أن تقرأها في كل حدث، وكل ساعة، وأي وقت، تقرؤها في كل مرة فتشعر وكأنها وليدة اللحظة، تلك القصيدة التي كُتِبت عند عقد معاهدة السلام، فراح يقول: «كيف تنظر في يد من صافحوك، فلا تبصر الدم في كل كف؟ إن سهمًا أتاني من الخلف سوف يجيئك من ألف خلف» وها نحن منذ أسابيع قليلة نجد التطبيع العربي الصريح مع الاحتلال الصهيوني من دول الإمارات والبحرين وفتح الممرات المطارية من قبل السعودية للطائرات الإسرائيلية، وتجد أمل كاتبًا «إنها الحرب! قد تثقل القلب، لكن خلفك عار العرب لا تصالح ولا تتوخَّ الهرب».

إنه شاعر الرفض، الذي ظل دائمًا على يسار السلطة، لم يذكر أنه صفق لحاكم، أو تملق سلطانًا، أو سعى لجلب الأموال، أو تسلق على أكتاف الآخرين، يكتب لأن ليس لديه ما يملكه سوى كتاباته الموهوبة، ومواقفه الواضحة المعلنة، يكتب هذا لأنه ينغمس في قلب الأحداث، ويتأثر بها تأثيرًا واضحًا، فهو ليس شاعرًا كي يقول الناس إنه شاعر موهوب، غير باحث عن الشهرة، فيقول«هاجرتُ إلى المدينة لأنني لم أترك قريتي للعاصمة بحثًا عن الشهرة أو المجد، وإنما هاجرت بحثًا عن المعرفة في عالم أكثر تعقيدًا»

إنه لا يخشى في الحق لومة لائم، ويكتب عن قمع السلطات الناصرية «أبانا الذي في المباحث، نحن رعاياك، باق لك الجبروت وباق لنا الملكوت، وباق لمن تحرس الرهبوت تفردت وحدك باليسر، إن اليمين لفي الخسر، أما اليسار ففي العسر، إلا الذين يماشون، إلا الذين يعيشون يحشون بالصحف المشتراة العيون» فيصف المشهد السياسي المصري في تلك اللحظة، إنه يغوص داخل المجتمع ويعيش عذاباته كاملة، وتذوب همومه مع هموم الجماهير، فهو ليس بمنفصل عنها؛ إذ إنه يعاني المعاناة نفسها بل أصعب وأشد، فيخاطب رجال المباحث في تمرد وسخرية، واصفًا التيارات اليمينية وقتها بما كانت تقاسيه من سجن وتعذيب والتفنن من رجال الدولة في التنكيل بهم، ويصف موقف اليسار ومعاناته في تغيير مجرى الأحداث، أو الوقوف ضد السلطة دون التعرض لهم.

شديد التأثر بالمسيحية وبالقرآن بل بالعهد القديم أيضًا، وبارعًا في الجمع بينهم في آن واحد، فقلما تجد شاعرًا يمزج بين توظيف رموز ومعانٍ من ديانة ما مع رموز ومعاني من ديانة أخرى، ويمزجهم بهذه السلاسة والبراعة، وكتابات أمل تكاد لا تخلو من هذه التأثرات الدينية الواضحة، ولعل هذا السبب يرجع إلي نشأته الدينية عن طريق أبيه كما ذُكِر سابقًا.

تمرد أمل كان ممتدًا حتى في أسلوبه الشعري، ثائرًا على النظم الشعرية الكلاسيكية وقتها وله منهج خاص في الكتابة، وابتدع ألفاظًا مدهشة ورائعة، لذلك كان شعره مختلفًا عن كل أبناء جيله، فيستخدم الرموز التراثية والعربية في شعره، ويستطيع أن يكثف الكثير من المعاني والأحاسيس في جملة لغوية واحدة بعبقرية فذة لا مثيل لها، وقصائده مليئة بالإسقاطات السياسية والاجتماعية، فيتمكن من أن ينسج خيوطًا كاملة ومتشابكة من الكلمات ببلاغة منقطعة النظير، فعندما تقرأ له أي قصيدة أو جملة واحدة حتى لا تسطيع أن تمنع نفسك من ربطها بواقعك المعاصر.

فتراه مثلا يتخذ «سبارتكوس» الذي ثار في وجه روما وقاد ثورة العبيد ضد الرومان وقرر الوقوف ضد الاستبداد والطغيان والتحكم والعبودية، فيكتب دنقل قصيدته الرائعة كلمات سبارتكوس الأخيرة، وسبارتكوس هو قائد ثورة العبيد الثالثة ضد الرومان، فقد بدأ ثورته بسبعين رجلًا من العبيد المتوقين للتحرر، وخاض معارك كثيرة ضد الجيش الروماني حتى انضم له سبعون ألف رجلًا، ولكن تمت محاصرته في النهاية وهُزم في معركتة الأخيرة.

يفتتح أمل قصيدته

«المجد للشيطان معبود الرياح، من قال لا في وجه من قالوا نعم، من علم الإنسان تمزيق العدم، من قال لا فلم يمت، وظل روحًا أبدية الألم»

يجعل دنقل الشيطان رمزًا للرفض والثورة ونتيجة لتمرده سيظل معذبًا، تطارده الآلام إلى الأبد، ثم يتدرج فيقول على لسان بطل قصيدته- أعني سبارتكوس-

«معلق أنا على مشانق الصباح و جبهتي – بالموت – محنيّة

لأنني لم أحنها حية»

ثم يخاطب سبارتكوس الأناس العابرين بالطرق، الذين يرتضون دومًا بالخنوع والذل ويحنون رؤوسهم دومًا:

«يا إخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين، منحدرين في نهاية المساء في شارع الإسكندر الأكبر : لا تخجلوا، ولترفعوا عيونكم إلي لأنكم معلقون جانبي على مشانق القيصر، فلترفعوا عيونكم إليّ لربما إذا التقت عيونكم بالموت في عيني، يبتسم الفناء داخلي، لأنكم رفعتم رأسكم مرة».

وهنا يُحدث أمل كل الذين لم ينحازوا ويقفوا بجانب الثائرين الحالمين بمسقبل أفضل، وحياة عادلة، يتحقق فيها الحد الأدنى من الحرية والكرامة، أولئك الذين يترحمون فقط على من ماتوا مدافعين عن قضية ما مثلًا، من ماتوا لأجل الجبناء الذين لا يستطيعون إلا أن يحنوا جبينهم ورقابهم للسلطة، وربما تجدهم ينظرون بخجل بالفعل لكل الثائرين، لأنهم لم يستطعوا أن يكونوا شجعان بالقدر الكاف ويتفوهون بكلمة لا ولو لمرة واحدةثم يكمل أمل:

«فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق، فسوف تنتهون مثله غدًا»

تنتهون موتى مشنوقين إثر تلفيق تهمة، موتي أذلاء من الجوع الذي يقبع في بطونكم، موتى في حادث طريق، أو موتى عن طريق قتل بالخطأ، موتى إثر عقار يسقط فوق أدمغتكم، موتى لا مفر.

«لا تحلموا بعالم سعيد، فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد، وخلف كل ثائر يموت، أحزان بلا جدوى، ودمعة سدى»

تغلب على أمل نبرة التشاؤم والحزن والعدم معًا، فلن تنالوا السعادة يومًا، لأنكم مطأطئين الرأس، لن تحصلوا على أي شيء، ولن تحققوا أيًّا ما كان، ولن ينفعكم حيادكم أو انحيازكم للحكام.

ينهي قصيدته متألمًا

«إني تركت زوجتي بلا وداع

وإن رأيتم طفلى الذي تركته على ذراعها، بلا ذراع فعلموه الانحناء، علموه الانحناء، علموه الانحناء».

كأنه يحدث نفسه قائلًا لا جدوى من الثورة والثائرين، ولا منفعة سوف تُجنى سوى الأحزان، فالانحناء أفضل، لكن الانحناء مُر، كأنه تارك وصيته للذين سيربون ولده، لا تجعلوه مثلي، فلا شيء سوف يتغير، ولا تعلموه التمرد أو الشجاعة، فقط علموه الخنوع والاستماتة.

هذا جزء بسيط جدًّا من الناحية الشعرية لأمل، لكن ماذا عن تجربته مع الحب، وصراعاته النفسية، وقلقه الدائم؟!

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد