«ستنجب الأيام يومًا نقيًا، يغفل الظالم عنه ويغفو المظلوم فيه! يومًا لا يمكن أن يبخس فيه الحق أو ينتقص!» «هلوسة فقط!».

هلوسة فقط!

هكذا تختم الكاتبة السعودية «أمل سمكري» حروفها التي تعانق الخيال في غفلة من الواقع المرير تارة، وترافق الواقع في رحلة حرف، قد يبدو حاسر الرأس متبرجًا للبعض تارة أخرى. ولأن هلوساتها معلنة فلقد كشفت عنها االكاتبة في كتابها الموسوم بـ«هلوسة معلنة» ـ الصادر عن دار الطاووس ـ والذي يعد باكورة أعمالها الأدبية.

090316_1358_2.jpg وقد تم اختيار كتاب ( هلوسة معلنة) للعرض في معرض بصمات مبتعث، برعاية الملحقية الثقافية الأمريكية، أمريكا، لسنة 2016م، كما تم اختيار الكاتبة لتمثل المملكة العربية السعودية، كـأحد الكتاب المبتعثين في أمريكا وعددهم.

هلوسة معلنة جاءت كهمسة على استحياء، في زمان اضطربت فيه الموازين، وغابت فيه الحقائق، وصارت الهلاوس حقائق مسلم بها، والحقائق مجرد هلوسة!

صَدَّرت الكاتبةُ أمل سمكري كتابها بمقدمة قالت فيها «إني أكتب لأتجاوز صخب الحياة بعزلة حرف!

أكتب لأناور حزنًا شوه ملامح واقعي! أكتب لأتخلص من ماض ما زال عالقًا لي كظلي! إنني وبكل بساطة أكتب كردة فعل لفعل لا قدرة لي على اجتنابه.. وأذيلها بهلوسة فقط..!»

احتوى الكتاب علي نصوص محلاة بالوجع ومزيلة بهلوسة فقط!

من هذه النصوص :

  • تمنيت يومًا أن أفقد الذاكرة بكل ما يؤلمني!

    ولم أكن أعلم يومها أن قديمي من الألم لم يكن سوى مخدر موضعي للجديد منه!

    اللهم ارحمني! وارحم من تساوت بي ألمًا!

  • تجور علينا ذاكرتنا بلا رحمة!

    فهي لا تنشط إلا لتعرنا ببرودة ذكرياتنا المؤلمة!

    خاصة تلك التي نصلي طلبًا للقدرة على نسيانها ستزج بنا في أضيقها!

  • أريد أن أغرق في محبرة!

    ثم أنتشل نفسي منها على بقعة بيضاء تجففني!

    وأدع الحبر يتسرب من مساماتي بسموم أفكاري ومشاعري!

    ثم أتوجه لحضور عزاء مقام لروح لم تمت بعد!

الهلوسة رد فعل لواقع يرفض الحقيقة!

تؤكد الكاتبة أمل سمكري أن مجتمعاتنا العربية تعيش ككائن آلف الظلام وأعتاده، فإذا ما عرضناه للنور هاجمك، وتفلت منك حتى يعود لظلامه، وهكذا يفعل البعض عندما تواجهه بحقيقة ما يمر به المجتمع من فساد وأخطاء ينبغي علينا طرحها على طاولة الفكر ، التي يركلها بقسوة معلنًا أن في الظلام تتساوي الحقائق، ويتلاشى الاختلاف، وأنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مهتدون، وكرد فعل لهذا الرفض العنيف للحقيقة يلجأ الكتاب وأصحاب الفكر ، إلى صبغ حقائقهم بصبغة الهلوسة، فخير دفع لاتهام ما هو السخرية من الاتهام ذاته، فهم يتهمون كل من يدافع عن قضية معينة، وينشر الحقائق بـ«المهلوس» فكانت الهلوسة هي السبيل للسخرية من هذه التهم والقوالب الجاهزة.

إذا لم ينفعك البازي فانتف ريشه! نبرة حادة تهتك ستار الهلوسة

في هذا المقال تتبدل نبرة الكاتبة الهادئة التي قد اتخذت لها من الهلوسة ملاذً ومهربًا من قسوة الحقيقة التي لم يعتدها البعض، إلى نبرة شديدة الصرامة تنبه المجتمع العربي إلى الحضور القوي والمخيف لـ«بروكرست» في الشارع العربي. وأن تلك الشخصية الإسطورية لم تمت إلا جسدًا، أما روحها فهي حاضرة في جسد واقعنا الذي يتشكل في أسماء وألقاب بارزة لها صوت مسموع مهيمن على الواقع، ولشهرتها مدافع!

وهذه الشخصية البروكرستية تتجلي ظاهرة واضحة فكريًا وثقافيًا ومجتمعيًا، تراها حاضرة في إعلامنا صاحب الصوت الواحد، وفي مدارسنا وحتى في بيوتنا، وللأسف سرير هؤلاء أضيق بكثير من سرير بروكرست!

ويأخذ هذا المقال بعدًا فلسفيًا لأسطورة قاطع الطريق اليوناني «بروكرست» يتمحور حول خطر الاستبداد بالرأي عمومًا وخطورة كل أيديولوجيا تدعي امتلاكها للحقيقة وحدها، وتسفه كل ما عداها ممن يحملون قلمًا أبيض يهدف إلى الإصلاح ، وتشير الكاتبة إلى أن بروكرست مازالت روحه سارية في أجساد عربية أبت إلا حنق محاولات الإصلاح والنقد البناء، بل الإطاحة بها من المشهد تمامًا، فتقول «وكيف يمكن أن يتم الخلط بين التكليف والتشريف، واستعمال السلطة لخدمة المصالح الشخصية؟ أم أن النقد بمفهومه الثقافي السليم، أصبح محصورًا على طبقة معينة من الناس، أو يجب ألا ينال إلا العامة منهم! المضحك هو التزييف اللاحق بعد المنع والإيقاف؛ وكأننا دمى تعتلي مسرح العرائس المتحركة وننتظر من يحرك خيوط عقولنا لا أكثر!»

وتشير الكاتبة أمل سمكري في نهاية مقالها إلى أن تكميم الأفواه، وحبس العقول ورجم الأفكار دأبهم عندما تسقط أوراق التوت عن سوآتهم. «والشواهد لا تحتاج إلى (مكّبر)!»

تساؤل

السؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى سيظل كتَّابنا في زواية الهلوسة عاكفين، أما آن للمجتمع أن يكف عن ممارسة البروكرستيه مع المخالف لمجرد أنه ليس من الصفوة المختارين؟ إلى متى سنظل دمى معلقة في سقفهم المظلم، وفي واقعنا مجرد هلوسة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمل سمكري
عرض التعليقات
تحميل المزيد