يعد كتاب «التنمية حرية» للمؤلف إمارتيا صن الصادر عن (عالم المعرفة) ـ مايو 2004، العدد (303)، الكويت، ترجمة: شوقي جلال؛ من أهم الكتب التي صاغت رؤية وإطارًا مفاهيميًا إرشاديًا يؤكدان أن التنمية – التطوير حرية، وهوعبارة عن خمس محاضرات ألقاها إمارتيا صن باعتباره زميلًا رئاسيًا للبنك الدولي في خريف 1996، لتعبر عن آرائه الخاصة عن «التنمية وعن صوغ السياسات العامة».

ويحدد هذا الكتاب معالم دراسة تحليلية متكاملة عن الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشمل ضروبًا مختلفة من المؤسسات، والكثير من القوى المتفاعلة. ويركز بخاصة على الأدوار والترابطات بين عدد معين من «الحريات الأداتية الحاسمة» بما في ذلك الفرص الاقتصادية والحريات السياسية والتسهيلات الاجتماعية وضمانات الشفافية والأمن الوقائي، وهو يؤكد في ذلك بوجود ثمة علاقة تكامل بين «الفعالية الفردية» و«التنظيمات الاجتماعية»، من خلال محورية الحرية الفردية وقوة المؤثرات الاجتماعية على نطاق ومدى الحرية الفردية.

ويأتي ذلك التأكيد على أهمية دور المناقشات العامة باعتبارها أداة التغيير الاجتماعي والتقدم الاقتصادي، ويسوغ في ذلك بعض الأمثلة التوضيحية: الحرية السياسية ونوعية الحياة، ومنها تساؤلات حول النظرة إلى التنمية من خلال زيادة إجمالي الناتج القومي أو التصنيع أو حالة التنافر بين نصيب الفرد من الدخل، وكذلك المعاملات والأسواق وافتقاد الحرية الاقتصادية، وهل لهذه التساؤلات من علاقة مع ما يُسميه «الحريات الموضوعية» التي يعني بها «المشاركة السياسية، أو فرص الحصول على التعليم الأساسي أو على الرعاية الصحية».

وهكذا نجد وجود علاقة مع تلك الحريات بأنها ليست تمثل فقط الغايات الأولية والأساسية للتنمية والتطوير، بل إنها أيضًا وسائلها الرئيسية، حيث تُسهم الحريات السياسية (في صورة حريتي التعبير والانتخاب) في دعم الأمن الاقتصادي، كذلك الفرص الاجتماعية (في صورة مرافق للتعليم والصحة) من شأنها أن تُيسر المشاركة الاقتصادية. وأيضًا التسهيلات الاقتصادية (في صورة فرص للمشاركة في التجارة والإنتاج) يمكنها أن تساعد على توليد وفرة شخصية، كذلك توليد موارد عامة للمرافق الاجتماعية، معنى هذا أن الحريات على اختلاف أنواعها يمكنها أن تعزز بعضها بعضًا، حيث إن هذه الروابط التجريبية تعزز الأولويات القيمية، ولكن إلى أي مدى يمكن أن توجد تلك الأفكار مساحة للنقاش حول البرامج التي يمكن أن تساهم في صياغة السياسات الملائمة لتلك العملية الإجرائية، بعيدًا عن حالة التنظير التي قد يُساء فهم مقاصدها إذا لم تكن هنالك مساحة أخرى لاستيعابها ضمن أطرها المجتمعية، وسياقاتها التجريبية التي قد تعمل على إيجاد المزيد من النقاش العام بشان هذه المسائل الحيوية، خاصة إذا ما تم التعامل مع ما يطرحه إمارتيا صن من أسباب حول الأهمية الحاسمة للحرية الفردية في مفهوم التنمية وكلاهما مرتبط بـ«التقييم والفعالية»، إذا ما كان التقييم منفتحًا ويسمح بفحصه وتدقيقه ونقده من قبل الرأي العام، وبذلك يقدم إمارتيا صن واحدة من أقوى الحجج الداعمة للحرية السياسية التي تكمن بالتحديد في الفرصة التي تهيئها للمواطنين للمناقشة والحوار، وللمشاركة في انتخاب القيم عند اختيار الأولويات – خاصة عند التعامل مع مفهوم «المشاركة» وعلاقته بقضايا تقييمية ذات صلة بالتراث والثقافة والديمقراطية.

في ظل التغيرات الاقتصادية أو الاجتماعية التي تؤثر في فرصة اتخاذ القرار وحسم الخيارات في ثنائية تتأرجح بين القيمة الأساسية التي يتعين السماح للناس بأن يحسموها وبين الإصرار على الالتزام بالتقاليد الراسخة (أيًّا كانت هي).

وهنا تكمن قوة القاعدة الأخلاقية في مجال الحرية الإنسانية، والتي قد تؤكد نهج «التنمية حرية» إذا ما تم التعامل مع الناس أصحاب المصلحة في المشاركة من أجل اتخاذ قرار بماذا يريدون وماذا يقبلون مدعومًا بالأسباب العقلانية حتى لا تكون حججًا مبنية على اتجاهات متناقضة، إذا ما تم إغفال اهتمامات محورية وثيقة الصلة بسبب قصور الاهتمام بحريات الناس المعنيين. والحقيقة أن الحوارات الدائرة بشأن هذه الأمور والتي يمكن أن تفضي إلى دراسات سياسية مهمة يمكن أن تكون جزءًا من عملية المشاركة الديمقراطية المميزة للتنمية.

ومن هنا نجد أن المؤلف يوضح «الأهمية والتقييم والاختيار الاجتماعي» باستعراض مدارس فكرية اقتصادية واجتماعية متعددة منها «منهجية آدم سميث» حول «الدخول والموارد والحريات», وعلى الرغم من تلك الدراسات التوضيحية غير أن مجمل الأفكار التي سعى الكتاب إلى تناولها بمزيد من التعمق تتمثل بالهدف والمعيار من التنمية – التطوير هما توسيع فرص ونطاق الاختبار تأسيسًا على حق المعرفة، وحق التعليم… إلخ، أي الزيادة في نطاق البدائل الفعالة المطروحة للنقاش أو الحوار بشأنها مما يؤدي إلى زيادة «نطاق الخيار الإنساني» في إطار دينامي متطور نابع من تفاعل الفكر والعمل الاجتماعيين، مما يعزز لدى المجتمعات المستهدفة الشعور بالمسئوولية الاجتماعية؛ مسئوولية الانتماء الاجتماعي، كي يغدو المجتمع على طريق ممتد يفضي إلى اطراد المزيد من الحريات والقدرة على المنافسة في عالم يحكمه منطق الصراع.

وبذلك تكون الحرية – كما يقول إمارتيا صن- عاملًا فعالًا وسببيًا لتوليد تغيير سريع في بناء إنسان جديد يتمتع بالرفاه والحرية معًا. وتتنوع وتتنافس ابتكارات المجتمعات على طريق الوصول إلى هدف واحد على الصعيد الحضاري، متنوع على صعيد آليات وأساليب التنفيذ والإنجاز ومحتواهما.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات