لقد تردّدت على أسماع وأنغام الإعلام المرئي والمكتوب كلمة الأمازيغيّة كثيرًا، التي أتت من خلال سياق يكون مشحون عادة بالنقاشات ويوحي بوجود مشكلة تاريخية ما لم يتمّ حلّها، ما يطرح أسئلة كثيرة تبقى عالقة في ذاكرتنا. لماذا في هذا التوقيت بالذات الذي تمتلئ أرضيته ألغامًا عديدة، كلها تصبّ في إنهاك دول وتحطيم لمستقبل وآمال عريضة في الرقيّ الحضاري بعد عقود من الوجود الأجنبي والاستغلال الماحق لكلّ حياة كريمة تقوم على الاحترام المتبادل؟

فالأمازيغيّة هويّة تاريخيّة وحضاريّة ضاربة في القدم وتلتصق بالحياة المعاصرة كالتصاق البشر ببعضهم البعض وبالتأكيد فهي نابعة من مصدر واحد كإخوتها من الحضارات الشرقية أو المجاورة كما عرج في ذلك الكثير من المؤرخين والشخصيات المشهود لها بالعلم والأمانة. فهل هناك حقا مشكلة اسمها الأمازيغيّة؟ وهل هي خارطة طريق تتبع مشروع تدميري فوضوي يدخل في سياق الفوضى الخلاّقة؟

إنّ السياق التاريخي والواقعي أثبت للبشرية أنه عندما يضعف الكيان المشترك أو العامل الذي يوحّد بينهم من أجل مصلحة عليا تجعل الطرفين يشعران بالتكامل كعامل الدّين والقومية والوطنية، ينتج عن ذلك ظهور إفرازات تكون على شكل آراء سياسية أو مطالب اجتماعية واقتصادية وغيرها في بادئ الأمر ثمّ تتحوّل لمشكل يحدث بلبلة في تلك المنطقة، وحتّى الإقليم الذي تنتمي إليه. فتكون وراءها نزعات تنزع إليها النفوس التي يضعف عندها العامل الموحّد والمشترك كما شاهدناه في المشرق العربي في دول كالعراق وسوريا ودول أخرى وصولًا للمغرب العربي الذي بدأت تتولد فيه من جديد في الآونة الأخيرة. تلك النوازع تختلف نسبيًا من دولة لأخرى ومن مجتمع لمجتمع آخر، وفقًا للخصوصيّة. فتتمظهر بأشكال عديدة وألوان مزيجة كالعشائريّة، القبليّة، الدينيّة أو القوميّة.

لكنّ الداء يبقى واحدًا ونتائجه تبقى بذات الخطورة. عندئذ يصبح أمرًا مغريًا جدًا لقوى موجودة في الداخل أو الخارج للإيحاء بوجود مسألة تاريخية عالقة ومجد مدفون وجب إيقاظه، وهو ما شعرنا به كعرب، سواء من بعيد، أو من قريب نظرًا للواقع العالمي المكتظ بالأزمات الواحدة تلو الأخرى. فلا يمكن بحال من الأحوال التغافل عن ذلك وتجاهل ارتباط العالم ببعضه البعض كقرية واحدة. فالمرجعية الدينية والتاريخية أزالت الكثير من العوائق الثقافية والنزعات العشائرية والقبلية، رغم بروزها في فترات، لكن العامل الأقوى والأخطر الذي ظهر كوحش مفترس بغتة هو حقد مدفون لدى مجموعات أمازيغية تشعر بالانفراد عن الإجماع الوطني والشعور بوجود حق تاريخي يجب استعادته وفقًا لأدبيات تم زرعها لشق الصف في فترة الركود أثناء الاستعمار. ما جعل الدول تأخذها على محمل الجدّ خاصة بعد تعالي أصوات تطالب باقتطاع أجزاء من الأوطان كما حدث في الجزائر أو المطالبة باستقلال ذاتي نسبي كمرحلة أولى تشبها بحالة كردستان العراق.

فالمسألة تكاد تكون غائبة في تونس وحاضرة بقوة في ليبيا، المغرب وخاصّة في الجزائر كأكبر دولة في هذه الدول المكونة لاتحاد المغرب العربي، ما يجعل فرضية الصدفة من صنع الخيال وأنّ الأمور تحاك تدريجيًا في عالم اليوم. فمع تطوّر العقل البشري وتنقيب الأمم عن بعضها البعض، أضحى من اليسير دراسة العقل البشري في أيّ قارّة وأيّ مكوّن لتحريك ما يجول في الخواطر من تحصيلات.

لقد تمّ تغذية العقل المغاربي على أساس وجود مشكلة ما هي أصلًا ترتقي لتكون مشكلة، ولم تكن مطروحة، إلاّ بعد توافر أسباب معيّنة نطرح منها على سبيل الذكر لا الحصر الاستعمار الأجنبي، التغريب ومحاولات اجتثاث الحضارة العربية الإسلامية، وتزييف التاريخ كعنصر حاسم يساهم في بناء وعي زائف وعقل باطن مليء بالأحكام المسبقة والإحساس بالمظلومية، مثلما حاولت إسرائيل ذلك كمثال معاصر، عند حشدها للكثير من اليهود في وقت ما من أجل إضفاء مشروعية لانتهاكها الشرائع السماوية والقوانين الدولية المتفق عليها.

فالمعركة الحقيقية في عصر المعرفة والازدهار التقني والتكنولوجي هي معركة العقل والوعي والتوجيه. فالمتحكم في هذه النقاط الثلاث هو من يحسم اللعبة لصالحه. فالمشاكل الحضارية بين الأمم غابت زمنًا طويلًا حتى أيقظها صامويل هنتنجتون المعروف كمنظر لصراع الحضارات في الولايات المتحدة الأمريكية.

فترسيخ مثل هذه المفاهيم ولد الأحقاد الكثيرة التي ساهمت في إنشاء حاضنة للإرهاب الدولي الذي كان ضحيته الأبرز شباب من الوطن العربي والإسلامي مع عوامل أخرى عديدة. فبعد اضمحلال تنظيم «داعش»، أعتقد أنّ المشاكل القومية ستعود للسطح، فكما يقال التاريخ يعيد نفسه ولو بنسب مختلفة.

إنّ المسألة الأمازيغيّة كأمر يظهر كلّ حين، لم تكن مطروحة نظرًا لانسجام العنصر العربي والأمازيغي وانصهارهم في كتلة واحدة شكلت جزءًا كبيرًا من العالم العربي المعاصر. فهم قبل كلّ شيء إخوة منذ قرون من الزمن جمعت بينهم من جديد سماحة الإسلام. فهذا الاندماج حدث طبيعيّا ولم يحدث فرضًا بالقوّة بشهادة حتّى المستشرقين من الشق المعادي للحضارة العربية والإسلامية والمستعلي على المختلف عنه.

فالترويج بأنّ هذه الأخيرة جاءت بصورة متغطرسة لغاية تدميرية هي وليدة اليوم والعصر الحديث وجاءت لغايات سياسية في نفوس أًصحابها ولا أساس لها من الصحّة. فكما عرجت سابقًا، فضعف العامل الموحد يجعل تضخيم الفوارق أمرًا سهلًا وقابلًا لإحداث هزات من أجل زرع فكرة الانقسام وشق الصف الوطني في مختلف الدول المتواجدة فيها خدمة لقوى حاقدة وذات مشاريع توسعية.

فالاحتقان المتولّد ليس أمرًا مقبولًا لا نظريًا ولا واقعيًا؛ لأنّه ينذر بعواقب وخيمة على المشهد المهترئ أساسا، بعد أحداث سنة 2011. الأمر الذي ساهم في تغذيته بعض وسائل الإعلام الأجنبية تناسب عندها الظرف مع نظريتها السياسية ومصالحها الاستراتيجية كما تداخل فيها العامل الديني أيضًا كغطاء للتفكيك المرحلي للمنطقة استئناسًا بما حدث في دول عديدة مرّ فيها مثل هذا الأمر.

هناك نوعان ممن ينبشون التاريخ، الأول ينبش التاريخ من أجل الحقيقة، والثاني ينبشه من أجل اللعب على غموضه واستعماله في الواقع الحالي. فعندما نعود للتاريخ، نجد أنّ المبررات كثيرة لإحياء النزعات. فالأساليب القديمة تعيد نفسها بأنفاس جديدة، فالاستعمار الفرنسي الذي صنع من الأمازيغية لغة بأحرف لاتينية وسخر لها قسمًا كاملًا في الأكاديميات وأظهر للسطح المتعصبين منهم في وقت مضى، يوفر لهم اليوم أساليب جديدة، لا تتمحور في قمع اللغة العربية أو التقليل من شأنها، كبداية لضرب الوحدة بل في المنابر الإعلاميّة وأساليب الإيحاء بعلم الدولة الأمازيغية المفترضة الذي برز في كثير من المناسبات كالاحتجاجات وغيرها. فرغم إيماني باحترام كل الخصوصيات، إلاّ أن التعايش أمر حتمي وينعم في ظله الجميع ومصلحة الوطن يجب أن تسبق كل نزعة. فقد روج الاستعمار الكلاسيكي لنظرية الفوارق بين المشرق والمغرب لخلق رغبة في التفرد وقطع صلة الطرفين اللذين يكونان أمّة واحدة متجذرة تجذر النبات في الأرض. فالدعوات القديمة رغم ضآلة الإمكانيات والعقل العربي في تلك الحقبة تمّ إخمادها من قبل الكثير من الرموز التي غيرت مجرى التاريخ لصالح الوضع الطبيعي، نذكر على سبيل الذكر لا التفضيل العلامة عبد الحميد بن باديس. فقد سبق لي أن اطلعت على سيرته العطرة وسيرورة حياته المليئة بالكفاح ضدّ الاحتلال الفرنسي في الجزائر الشقيقة، وبلغ تأثيره سائر الأقطار، حيث ينسب له فضل إرجاع بلده لمكانتها الحضاريّة التّي تستحقها بجدارة انطلاقًا من الهويّة الجامعة العربية الإسلاميّة على مرّ الأزمان. فالتعايش راسخ في القدم في هذا الجزء من العالم كما هو راسخ في الشرق وما أدلّ على ذلك إلاّ بقاء الشواهد الأثريّة المتنوّعة التي تجذب كلّ البشر على وجه الأرض لدراسة الإنسان القديم وأسرار الحضارة البشرية.

فممّا لا شكّ فيه أنّ ضعف المرجعيّة الدينيّة في فترة الاستعمار في القرن التاسع عشر والقرن العشرين ساهم بشكل كبير في تغذية نزعات أخرى تملأ فراغ ما، فتمّ بناء نظرية فحواها أنّ الأمازيغ أو البربر كتسمية مرادفة هم أقرب لأوروبا وبيدق بيدها حتى يسهل الارتماء في أحضانها وهو ما رفضه البربر كأمر واقع وناضلوا ضدّه. لكنّ المشكل غدا مطروحًا عند حركات مشبوهة كحركة ماك الانفصالية وغيرها ممّن تمّ تزييف وعيهم استنادًا لغايات سياسية. فحساسية منطقة القبائل في جبال الجزائر جعلتها أرضًا خصبة حتى لدول بعيدة جغرافيا كإسرائيل وإيران. فلإسرائيل صولات وجولات في مناطق عربية، تحاكي بذلك مفهوم فرّق تسد كما هو الحال في فترة الثمانينات عند نشوب الحرب الدمويّة في الداخل اللبناني بين فصائل متعددة، حيث كان لإسرائيل دور في تغذية البعض منها ضدّ البعض الآخر. هذا الأسلوب في استغلال الصراع من أجل مصالح استراتيجية بعيدة المدى، سارت على منواله إيران أيضًا كمثال حيّ في الواقع الحاضر، من خلال اعتماد نفس التكتيك الذي قامت به في الماضي ألا وهو استغلال الفوارق المذهبية الطفيفة من أجل نشر التشيّع بما يخدم أهدافها التوسعية المعلنة في ما يعرف بالخطّة الخمسينيّة وفي دستورها والتطلّع لاستعادة أمجادها المنكوبة المتمثلة في الدولة الفاطميّة التي تمركزت في مصر والشمال الأفريقي تحديدًا. فتحركاتها في ليبيا في الآونة الأخيرة التي كشفت عنها مصادر ليبية رسمية وشعبية، أكّدت أنّ إيران تمدّدت وأضحت تستغل عاملين رئيسين هما الأمازيغيّة والإباضية وهو ما يمكن تفسيره على أنّ البيئة الخصبة كانت موجودة فعلًا، نظرًا لأنّ العقيد الراحل معمّر القذافي الذي تمّ الإطاحة به بعد ثورة السابع عشر من فبراير (شباط) 2011 كان على علاقة خاصة جدًا بإيران والخميني الذي دعمه في حرب الثماني سنوات ضدّ العراق العربي. فالصيحات الأخيرة تعبّر حقيقية وبصورة ملموسة على التهديد الإيراني في الشمال الأفريقي وزحفه التكتيكي الذي يبدأه في ليبيا وينتهي في المغرب. فتونس أيضًا ليست بعيدة الخطر عن ذلك فوجود مركز ثقافي في العاصمة التونسية دليل واضح على اهتمام إيران تجاه هذه المنطقة الجغرافيّة، حيث تحدّثت الكثير من المصادر وحتى البرامج التلفزيونية المحليّة عن ظهور التشيع بشكل علني ورفع أعلام منظمات تابعة لإيران كحزب الله. ما مثّل استفزاز للجمهور الذي لم يسبق له أن يحشد في مواقف طائفيّة من جهة وإحراجًا للدولة رسميا التي تعرف بوسطية دبلوماسيتها وعدم خروجها عن الإجماع العربي. كما أنّ المغرب منذ فترة غير بعيدة قامت باتخاذ إجراءات متشددة ضدّ الحكم الإيراني نظر لتورطه في دعم طرف تراه المغرب تهديد لأمنها القومي ومشكلة ما زالت مطروحة لليوم بينها وبين الجارة الجزائر.

هذه النقاط التي التنويه إليها تبيّن لنا بشدّة أنّ المنطقة العربيّة مستهدفة استهدافًا ممنهجًا لا توجد للصدفة فيه طريق.

إذا عدنا أبعد من ذلك، نجد أن النوازع تمّ تهيئة الجو لإيقاظها حتى يجدها الاستعمار يسيرة. فهي وليدة حقبة تاريخيّة يمكن أن نسميها عصر ما بعد سقوط الإمبراطوريات الممتدّة في كلّ أجزاء العالم. وبوادرها بدأت تخرج للعلن في القرن الأخير للدولة العثمانيّة، حيث أذكت التركيبة السياسية للحكم العثماني المبنية على تفضيل العنصر التركي في إدارة الدولة المترامية الأطراف بقيّة العناصر الأخرى التي كانت تجنح تحت سيطرتها أو تأثيرها السياسي، سواء كانت النوازع دينيّة، مذهبيّة أم قوميّة ووطنيّة.

وفي نهاية هذه الرحلة التي تأرجحت فيها الأمازيغية بين الماضي والحاضر، يمكن القول بأنّ الأعاصير قادمة، فالانقسام الليبي لا يبشر بمستقبل مستقر لها وللإقليم، كما أنّ تنامي الحركات الأمازيغيّة السياسيّة بشكل ملحوظ وظهورها في منظمات، جمعيّات أو تظاهرات في الدول المختلفة يزيد من تضخيمها لتصبح قضية دولية يتدخل فيها القاصي والدّاني، خاصّة مع الأجواء المغيمة حاليًا على الساحة السياسية الجزائرية بخصوص الانتخابات الرئاسية.

فهل الوعي وحده كفيل بإحداث ضربة قاصمة للمشاريع الاستعمارية بكافة أشكالها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد