لم أحبذ يومًا التطرق لموضوع ما يسمى بالعلم الهوياتي الأمازيغي نظرًا للحساسية التي يثيرها وكأنه يراد فرض قبول وجود ذلك العلم بصفته الهوياتية وجعل النقاش الحقيقي حوله وعن أصله ومعناه «تابو»، لكن أن يخرج العلم الهوياتي في مسيرة من الآلاف (أو عشرات الآلاف) جنبًا إلى جنب، ويدًا في يد مع علم حركة الماك الانفصالية في ذكرى الربيع الأمازيغي، فذلك يجعل طرح قضية العلم ضرورة لكشف معانيه السياسية ونقاط التشابه والاختلاف بينه وبين علم الماك.

هل هناك علم هوياتي محض؟

إن أي حديث عن علم هوياتي محض في الجزائر هو من قبيل المخادعة التي يراد حمل الناس من خلالها على تقبله وأولهم سكان منطقة القبائل حتى لا يخوضوا فيما يخفي وراءه؛ إذ من المستحيل أن يكون هناك علم يعبر عن هوية دون أن يكون هادفًا لتحقيق مشروع سياسي، أو معبرًا عن مشروع سياسي قائم، حتى علم الشواذ (علم الهوية الجنسية) هو علم يعبر عن طموح سياسي لتلك الفئة. كل فئة أو مجموعة ترفع علمًا معينًا فهي تريد أن تتمايز به عن غيرها وتعبر به عن اختلافها، فرفع الأكراد أو الكتلان أو غيرهم لعلم خاص لم يكن من أجل التعبير عن لغة وأصل مختلفين عن بقية سكان الدول التي ينتمون إليها، بل للتعبير عن طموح سياسي لمجموعة ترى أنها أمة مختلفة ولها الحق في أن يكون لها كيانها السياسي المستقل الذي تجسد فيه خصوصيتها وتقدم من خلاله نفسها للعالم.

إن القول إن العلم الأمازيغي هو علم هوياتي محض يجعلنا نتطرق للمعاني التي يحملها وإن كانت فعلًا تعبر عن الهوية، فألوانه الثلاثة الأزرق والأخضر والأصفر ترمز للبحر والتل والصحراء، وتلك ليست هوية، بل جغرافيا فالعلم إذًا يرمز للجغرافيا والجغرافيا ليست مكونًا من مكونات الهوية. قد يقول أحدهم بأنه يعبر عن الانتماء للجغرافيا باعتبار الاعتزاز بالانتماء للأرض أحد مكونات الهوية والرد سهل على كل من يحاول المحاجّة بمثل ذلك الكلام، وهو أن العلم الجزائري يعبر عن جغرافيا دولة تمتد من البحر للصحراء مرورًا بالتل. وحتى محاولة المحاجّة بالحرف الذي يتوسط العلم بأنه يرمز للسان الأمازيغي لا يمكنها الصمود فلا الصوت الذي يعبر عنه مميز للغة الأمازيغية دون غيرها من لغات العالم، ولا رسمه شكل خاص ابتدعه الأمازيغ فذلك الشكل موجود في كتابات صخرية بالجزيرة العربية ويحمل دلالات لدى قبائل أفريقية جنوب الصحراء.

المشروع السياسي للعلم الأمازيغي

هل يستقيم منطقًا أن تمشي أيديولوجيتان متضادتان في صف واحد بكل ود؟ ما شاهدناه في مظاهرات الربيع الأمازيغي يوم 20 أبريل (نيسان) الفارط في منطقة القبائل هو نزول أنصار حركة الماك المطالبين بدولة مستقلة عن الجزائر والذين يرون في النظام الجزائري نظام احتلال حاملين لرايتهم الانفصالية وهم يمشون جنبًا إلى جنب مع آخرين يحملون العلم الهوياتي يُفترض أن ولاءهم للجزائر ولعلمها ويؤمنون بسيادتها ووحدتها الترابية. مثل هذا السلوك الشاذ لا يمكن تفسيره لو اكتفينا بالمغالطات الساذجة التي يتم بها تبرير رفع العلم الهوياتي، فلا يمكن أن يتعايش مشروعان متناقضان أحدهما يريد دولته الخاصة ويسعى إليها وقد يصل لحد رفع السلاح لترسيم حدود دولته المتخيلة، وآخر يُفترض أنه لا يعترف سوى بدولة تسمى الجزائر.

مثل هذا التسامح بين العلمين غير قابل للتفسير، إلا لو كانت هناك نقاط التقاء وتشابه بينهما، وأرى بأن العلم هو علم سياسي أُلبس رداء الهوية ويُراد به خلق تمايز داخل المجتمع الجزائري، تمايز على أساس عرقي وله مظاهر حضارية وطروحات سياسية ومجتمعية ذات طبيعة إيديولوجية لا تحظى بذات القبول في بقية جهات الجزائر، ومثل هذا التمايز تستغله النخبة السياسية المنتمية لمنطقة القبائل ممثلة في حزبي جبهة القوى الاشتراكية FFS والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية RCD لتعزيز المطالب الفيدرالية، حيث لا يخفي كثير من رموز الحزبين أن أحد المشاريع التي يجب أن يتم طرحها للنقاش سعيًا لتطبيقها هو مشروع فدرلة الجزائر، ولطالما عبروا عنها في مناسبات سياسية وإعلامية.

الخلاصة إن القول بالطبيعة الهوياتية للعلم الأمازيغي هو مغالطة يقف وراءها دعاة الفيدرالية هدفها تسويق العلم وسط الأمازيغ ليعتنقوه كرمز لهم دون هواجس أو مخاوف من المخططات السياسية التي تتخفى به ولعدم إثارة حساسية وردود أفعال الجزائريين تجاه حامليه. هو رمز لمشروع سياسي يهدف لإنشاء فيدرالية خاصة بمنطقة القبائل يمارس فيها أهلها اختلافهم بكل حرية عن بقية الجزائريين وهو مطلب يحظى بالقبول لدى غالبية سكان منطقة القبائل. إذًا فالعَلمان يلتقيان في أهم نقطة وهي نقطة الرمزية السياسية، ويتوافقان لحد بعيد في المشروع السياسي، فحتى وإن كان المعلن من قبل دعاة الفيدرالية الالتزام بوحدة الجزائر والولاء التام لها إلا أن أنصار الماك يرون في مشروع الفدرالية إن تحقق قفزة كبيرة وتسقط أمامهم حاجزا مهما نحو تحقيق مشروع الدولة القبائلية المستقلة، فإذا كان أهل منطقة القبائل لا يمانعون نشاطهم بينهم الآن، فإنهم لن يُقصوهم لو يتحقق لهم مطلب الفيدرالية، بل ستُفتح أمامهم الفضاءات العامة والإعلامية لطرح تفاصيل مشروعهم وإقناع سكان المنطقة به وطرحه للاستفتاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد