ومن الفتنة ما قتل!

ما حدث في بلاد القبائل هذه الأيام من فوضى عارمة، واحتجاجات، وغلق للجامعات، على خلفية ما أثير من لغط بسبب قرار مزعوم اتخذته الدولة، يقضي بالتراجع عن ترسيم اللغة الأمازيغية، وكاد يحدث كارثة، لولا تفطن أبناؤها لما يحاك لهم، وللشعب الجزائري عامة، من محاولات بائسة لإشعال نار الفتنة، كان لزاما على الجميع – سلطة ومعارضة وأكاديميين – أن يلتفوا حول هذه القضية لإعادة الأمور إلى نصابها.

ماذا حدث بالضبط؟

أولا وقبل كل شيء، يجب أن نوضح للرأي العام ما حدث في هذه القضية، حتى يتمكن المواطن الجزائري من معرفة ما تخططه بعض الأطراف المغرضة، والتي تريد الاصطياد في الماء العكر، بافتعالها لأزمات ومشاكل واهية بسبب معلومات مغلوطة.

كل ما في الأمر أن نائبة في البرلمان، نادية شويتم، عن حزب العمال، سربت خبر إسقاط مادة اقترحت إدخالها على قانون المالية، مادة تنص على اقتطاع جزء من موازنة التربية؛ تخصص لدعم تدريس اللغة الأمازيغية، وهو ما أثار حفيظة بعض الطلبة والشباب؛ ليقرروا بعدها شن إضراب، وحدث الذي حدث.

ما هي خلفيات هذا الخبر المزعوم؟

عندما ندرس بتمعن اقتراح البرلمانية لهذه المادة في هذا الظرف بالذات، بعد تفاقم الأزمة المالية بسبب تدني أسعار البترول الذي يعتبر المصدر الوحيد للعملة الصعبة، نستنتج أمرين لا ثالث لهما:

الأمر الأول

هو أن حضرة النائبة لا تعي ما تقول، وليست لها أية ثقافة قانونية، بالرغم من أنها احترفت هذه المهنة (عضو في البرلمان للمرة الثانية أو الثالثة، لا أتذكر بالضبط!) فقانون المالية يتم وضعه كل سنة وفقا لمؤشرات اقتصادية معينة، والوضع الراهن للسنة التي تسبق قانون للسنة المالية القادمة، وبالتالي فإدخال مادة تنص على اقتطاع جزء من موازنة التربية تخصص لدعم تدريس اللغة الأمازيغية هو في حد ذاته إهانة لهاته اللغة التي أصبحت وطنية ورسمية مع أختها العربية.

إذ كيف يعقل أن نقزمها بإدخال مادة واحدة في قانون مدة صلاحيته سنة واحدة (حتى قانون المالية هذا مشكوك في أمره؛ مادام يعطي صلاحية تغيير محتواه لوزير القطاع بدون الرجوع إلى البرلمان)، فالدستور الجزائري قد فصل في قضية اللغة الأمازيغية من خلال المادة 4 التي تنص على أن: (تمازيغت هي آذلك لغة وطنيّة ورسميّة). تعمل الدّولة على ترقيّتها وتطويرها بكل تنوّعاتها اللّسانيّة المستعملة عبر التراب الوطني. يُستحدث مجمّع جزائري للّغة الأمازيغيّة، يوضع لدى رئيس الجمهورية.

يستند المجمّع إلى الخبراء، ويكلّف بتوفير الشروط اللاّزمة لترقية (تمازيغت) بقصد تجسيد وضعها لغة رسميّة فيما بعد. تحدّد كيفيّات تطبيق هذه المادّة بموجب قانون عضوي.

فالدستور إذن، أكد على إحداث قانون عضوي بأكمله لتحديد آليات تعميم الأمازيغية في كل المجالات، وليس في قطاع التربية فقط يا سيدتي المحترمة.

وفي هذه النقطة بالذات، أقولها بدون خجل ولا وجل، فـ90% من أعضاء البرلمان لا يفقهون في هاته الأمور، ولا يعرفون حتى معنى كلمة قانون، بالرغم من أن مهمتهم الأساسية تتلخص في التشريع والرقابة (لكنهم في الحقيقة لا يجيدون إلا فن رفع الأيادي فقط).

الأمر الثاني

الذي لا نتمناه أن يصدر حقيقة من السيدة نادية شويتم بصفتها مناضلة وصاحبة قضية كما نسمعها ترافع في كل المناسبات، هو أنها تعمدت إثارة الفتنة وزعزعة استقرار البلاد واستغلال منبر البرلمان لمثل هكذا تصرفات رعناء، لكسب ثقة المواطن بطريقة أقل ما يقال عنها إنها دنيئة، وتحط من قيمة شخصية وطنية بارزة كحضرة النائبة الموقرة.

كيف تعاملت السلطة لهذه الحادثة؟

طبعا، ما دام فاقد الشيء لا يعطيه، فالسلطة صمت آذانها، وعندما تأزمت الأوضاع حاولت أن تلعب دور رجل الإطفاء بعدما كادت تفقد سيطرتها وتنحرف الأمور، ليأتي بعدها رئيس الجنة البرلمانية ويحاول على مضض تطويق المشكل وتوضيح ما جرى حول هذا الموضوع، وعوضا عن أن يقنع النائبة بالعدول عن تقديم اقتراحها، ويشرح لها الموقف وتجلياته على الساحة السياسية، تم إسقاط هذه المادة، وحدث ما لم يكن تتوقعه السلطة نفسها.

والحل إذن؟

طبعا، الحل سهل وواضح وتعرفه السلطة والمعارضة ويعرفه الجميع.. إنه الحوار يا سادة!

لابد للسلطة أن تنتشر ثقافة الحوار الجاد مع جميع شرائح ومكونات المجتمع، من أحزاب وشخصيات وطنية وجمعيات ومجتمع مدني حقيقي ونخب، كل ذلك من دون إقصاء لطرف دون آخر.

يجب إشراك الجميع لوضع اليد على الجروح، وإيجاد حلول جذرية (وآه كم هي كثيرة وغائرة).

نعم يجب إشراك الجميع حتى أولئك الذين كانوا سببا مباشرا أو غير مباشر في الحقبة السوداء التي مرت بها البلاد ومازالت تداعياتها تلوح في أفق مظلم، ولن يتأتى ذلك إلا بتوافر الإرادة السياسية لسلطة الأمر الواقع وتضافر جهود الجميع.

ومن غير ذلك سنبقى نراود مكاننا، وسنقبع في رداءتنا، وسنغرق في وحل الخطأ والخطيئة ما دامت السموات والأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد