من أعالي جبال القبائل وفي عِز وأعتى سنوات الإستعمار الفرنسي، شاءت الأقدار أن يلد حامل رسالة السلام والحب، حميد شريط، أو كما هو معروف باسم إدير سنة 1949؛ ليتشبع ويترعرع بين جبال جرجرة التاريخية، والتي تفوح منها رائحة الأجداد وتنعش الذهون بالذكريات الجميلة.

إدير اسم أمازيغي (بالأمازيغية: ئدیر) مشتق من الفعل الأمازيغي أَدر الذي يعني عِشْ. اختار إدير هذا الاسم قُبَيْل ظهوره الأول بالإذاعة الجزائرية، وذلك حتى لا يكتشف والديه حقيقة كونه يمارس الغناء.

من الجيولوجيا إلى منصة الأولمبيا بباريس، ومن أعالي جباب جرجرة إلى العالمية، أسمع العالم برمته رائعته أڤاڤا ينوڤا، وكان سفيرا للغة والثقافة الأمازيغية وللسلام بدون منازع.

نشأ في كنف أسرة مشبعةٍ بالثقافة الأمازيغية، والدته وجدته تؤلّفان الأشعار الشعبية، ويحج الناس من القرى المجاورة للاستماع إليهما، وهذا ما ساهم في رسم الشخصية الفنية لإدير وحبه وتعلقه بهويته التي لم ينفك عن الدفاع عنها.

وكان لا يفارق أمه وجدته وعجائز دشرته اللائي لا ينفكن عن قص القصص له وضخهِ وتزويده بالحكايات وتعليمه مفردات اللغة الأمازيغية/القبائلية الثرية جدًا التي ينسجها ويكتب بها أغانيه فيما بعد.

يذكر أن أستاذ العلوم الطبيعية هو من دفعه للفن والعزف على الجيتار وعمره لم يتجاوز بعد التاسعة، لكن في طفولته وحتى بداية شبابه لم يكن في نيته التفرغ للفن، حيث كرس جل أوقاته لدراسة الجيولوجيا وتنقل في السبعينات إلى الصحراء الجزائرية للعمل في مجال البترول والغاز، وهناك اكتشف موهبته الفنية بعد أن أدى قصيدة أفافاي نوفا التي أصبحت بعد ذلك من أشهر الأغاني التي ألفها حيث ترجمت إلى 15 لغة.

كان أقصى طموحه هو الإقتراب من الناس من خلال أشعاره وأغانيه، وتعريف العالم على ثقافته ونشر الحب والإنسانية في قلوب الناس وتأكيد تواجد ثقافته وانتمائه، وبالفعل سعى لذلك في كل دقيقة من حياته والتي كانت كافية لتحقيق مبتغاه. كل أغانيه تشعر المستمعين إليها بالحنين وتجعله يتذكر ذكريات ماضيه ويبحر في بحرٍ من الخيال.

في يناير (كانون الثاني) 2018، عاد المغني الذي ناضل من أجل الاعتراف بالهوبة الأمازيغية، إلى العاصمة الجزائرية بمناسبة رأس السنة الأمازيغية بعد غياب دام 38 عامًا.

يعرف عن إدير أنه من دعاة السلام، حيث يعد من بين الفنانين المتحمسين للتظاهرات الفنية المساندة للقضايا الإنسانية والقومية، حيث نشط عدة حفلات وهذا لدعم الشعوب وحتى الدول وترسيخ فكرة الأمن والسلام والحرية في العالم في إطار النشاط السنوي لجمعية الجزائر الحياة، كما شارك أيضًا إدير في حفل تكريمي لمعطوب الوناس الذي اغتيل سنة 1998.

كما أنه عضو في جمعية إيكول أكسون التي تنشط في مجال الطبيعة والغابات.

«أفافا ينوفا»:

قصة تراثية متداولة في المنطقة عن فتاة تعمل لإعالة والدها الكبير في السن وأبناء صغار في زمن انتشرت فيه وحوش كثيرة في الجوار حيث أن والدها لا يفتح الباب حتى يتأكد منها. خشية أن يفقد أبناءه. حوار تراجيدي تخاطب فيه «غريبًا» / والدها قائلة: «أخشى وحش الغابة»، فيجيبها بشكل محزن في لحظة شاهقة من الحقيقة: «أنا أيضًا أخاف يا ابنتي غريبة». وهي واحدة من أشهر الأغاني الجزائرية المكتوبة باللّغة الأمازيغية، عمرها أكثر من 30 سنة، تحكي يوميات الشتاء الجزائري في منطقة القبائل الكبرى، تختلط في الأغنية أجواء الأسطورة بالحكاية بالإيقاع الهادئ العذب الممتزج بصوت الأسطورة إدير.

إدير أسمع جميع الناس في كلّ بقعة من العالم بينما انقطع عن الغناء في الجزائر لمدة أربعين سنة. وعندما سأل في لقاء صحافي عن سبب هذا الغياب وعدم قبول الدعوات التي كانت توجهها له الجزائر خلال العقود الأربعة الماضية وعن سبب قبوله، في 2018 أجاب: «الآن اعترفوا بلغتي. باللغة التي أغني بها. وأصبحت رسمية. في السابق لم تكن كذلك». وهذه دلالة قوية أنه أعرض عن الغناء وإحياء حفلات في الجزائر إلى أن تحقق مطلبه أن تصبح اللغة التي يغني بها رسمية ومحمية بالدستور.

غنى في آخر عقد من عمره مع فنانين عالميين من طينته مثل شارل آزنافور حيث أدى معه الأغنية العالمية La bohème،  وغنى كذلك مع إنريكو ماسياس وجاك ڤولدمان وفرانسيس كابريل، حيث أدي معه La corrida،  وانطفأت شمعته في الثاني من مايو (أيار) من سنة 2020 بعد معاناته مع المرض، لكنه سيبقى حيًا في قلوب الكثيرين، الكثيرين ممن أحبوه واستمعوا إلى أغانيه ورافق طفولتهم وعلمهم حب ثقافتهم وانتمائهم الذي يفخر به، رحل في صمت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأمازيغ, سفير

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد