د. سعد الحاج بن جخدل
د. سعد الحاج بن جخدل

كثيرة هي الأحيان التي يفرض فيها البحث العلمـي على المشتغلين به التعامل مع وقائع وظواهر حدثت في الماضي؛ وفي سبيل ذلك طَورت الجهود البحثية منهجًا استرداديًا (Retrospective) سمي في أغلب الأدبيات بالمنهج التاريخي، وذلك حتى يستخدمه أولئك الباحثون الذين يجدون حاجة لدراسة الأحداث التي وقعت في الماضي القريب أو البعيد، من خلال الرجوع إلى مصادر معينة تَشي بهذه الأحداث.

وقد توسعت الكثير من كتابات العلوم الاجتماعية في الحديث عن هذا المنهج دونما تركيز كاف على العلم الذي يشكل موضوعًا لهذا المنهج؛ وقد اعتبـر هذا الأمر بمثابة الشطط الفكري الذي لا طائل من ورائه؛ ذلك أن التطرق لمفهوم المنهج التاريخي لا يمكن أن ينفصل عن تطور مفهوم التاريخ في حد ذاته.

وفي هذا الاتجاه؛ يجب على أي تناول لمفهوم التاريخ أن يَمُرَّ بمحك الضبط اللغوي؛ حيث إن مصطلح التاريخ يتقاطع بنيويًا مع مصطلح آخر قريب منه؛ هو مصطلح (التأريخ) ونظرًا لكون العلاقة بين هذين المصطلحين كانت ولا زالت تشكل هاجسًا فنيًا حال دون ضبط مفهوم التاريخ بشكل لائق، فقد وجب اعادة النظر في هذه العلاقة بما يتلاءم والتحكم في مفهوم التاريخ.

فقد جاء في الصحاح قول الجوهري في مادة أرّخ: أن «التأريخ هو التعريف بالوقت، والتوريخ مثله، فيقال: أرّخ الكتاب ليوم كذا أي: وقّته، ويقال أيضًا: أرّخت وورخت» ويعتقد بعض الباحثين أن أصل التسمية جاء من اللغات السامية القديمة، كاللغة الأكدية واللغة البابلية؛ وفي موضع آخر دل فعل أرخ على عملية رصد الحدث من خلال ربطه بوقت حدوثه؛ وبهذا فـالتأريخ يدل على فعل التدوين وتكوين المادة التاريخية؛ ونقل الأحدث وتوثيقها سواء كان هذا الفعل منظمًا أو عفويًا.

أما التاريخ فهو يشير إلى الأحداث الماضية في حد ذاتها، كما كانت في الماضي سواء تعرفنا على هذه الأحداث أو لم نتعرف عليها.

ويمكن أن يتضح لنا الفرق بين التأريخ والتاريخ بتمثيلهما بالخارطة والموقع على الترتيب؛ حيث إنه وعلى الرغم من عدم مقدرتنا على إدراك التاريخ إلا بالاستناد للتأريخ إلا أن التاريخ يبقى أوسع من التأريخ؛ حيث إن الأحداث التاريخية التي لم تشملها عملية التأريخ أكبـر بكثيـر من تلك الأحداث التي أُرِّخت ووصلت إلينا؛ إضافة إلى كون أن الحقيقة التاريخية تتلخص في معرفة الحدث كما كان في الواقع الماضي؛ وبما أنه حدثٌ تاريخي فلا بد وأن يكون قد وقع فعلا ومن ثم لا يوجد إمكانية لإطلاق حكم على التاريخ بأنه صحيح أو خاطئ وهذا يختلف عن تقييمنا للحدث من حيث مقبوليته المنطقية والأخلاقية تبعًا للمعايير الاجتماعية أو الفنية؛ أما في التأريخ فهناك مجال واسع للقول بالصحة أو الخطأ، وذلك لإمكانية تعدد عمليات التأريخ لنفس الحدث التاريخي؛ ولارتباطها بشخص المؤرخ وظروف التأريخ.

وبهذا صارت كلمة التاريخ تدل على سلسلة الحوادث والوقائع الماضية التي قدّر أنها وقعت للإنسان ضمن حيز تقاطع فيه الزمان مع المكان.

هذا ويخطئ كثير من الباحثين والمفكرين أيضًا عندما يقعون في الاشتباه بين مفهومي (التاريخ) و(علم التاريخ) حيث نجد مثلا أن (كمال حيدر؛ 1995) في كتابة (منهج البحث الأثري والتاريخي) يُعرف التاريخ بأنه «فرع من فروع المعارف البشرية؛ قوامه التحري عن حياة المجتمعات في الماضي والتي يصل إليها الباحث التاريخي وفق منهج خاص» وكذا نجد أن (قاسم عبده؛ 2000) في كتابه (تطور منهج البحث في الدراسات التاريخية) يصف التاريخ بأنه «دراسة المسيرة الحضارية لبنى الإنسان أو الماضي الإنساني في نظام أكاديمي من أجل الكشف عن غموض هذا الماضي لتحقيق المعرفة بالذات الإنسانية».

أبيستيمولوجيًا يختلف علم التاريخ عن التاريخ في حد ذاته؛ باعتبار أن التاريخ هو الموضوع العام لعلم التاريخ؛ في حين أن هذا الأخيـر يشير إلى تلك الدراسة المنظمة للمواد التاريخية الحاملة لحيثيات الوقائع المستهدفة بالتفسير ، وذلك من أجل الوصول إلى الروابط الظاهرة والخفية التي شكلتها عبر الزمان والمكان.

وبهذا فـعلم التاريخ يتميـز باعتماده على المنهج العلمـي في التعامل مع القضايا التاريخية؛ كما أن هذا العلم قد امتد مؤخرًا ليشمل عملية التأريخ في حد ذاتها؛ والتي كانت سابقًا تمارس بشكل عفوي أو من طرف قطاعات غيـر أكاديمية؛ حيث طوّر المختصون في علم التاريخ مزيدًا من الأدوات العلمية التي يمكن أن تستخدم في عملية التأريخ فضلا عن تصدي بعض المؤرخين لعملية التأريخ بشكل مباشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك