لطالما راودتني مشاعر قوية، ليت الماضي يعود يوما، ما أجمل أيامنا السابقة، إلى آخرتلك المشاعر، الحنين للماضي أو ما يسمى النوستالجيا بالمصطلح اليوناني.

لكن ما الذي يقابل النوستالجيا؟، ما الذي يضعنا فعلا في مقابلتها؟، فنحن لم نعد هذا الشباب الجياش للمشاعر والعاطفة وبتنا نقول نحن في سن شاب فينا أصغرنا.

ملحوظة صغيرة قبل بداية المقال: هذا المقال ليس ضد النوستالجيا أو الحنين إلى الماضي، فهي حالة شعورية تتناب الجميع منا، بل هو عرض لمقابل النوستالجيا، والمصدر الوحيد هو ما قمت بترجمته من ويكيبيديا أسفل المقال.

الماضى، المستقبل، الحاضر

لم أجد مرجعا يدلني على عكس (النوستالجيا)، المحتوى العربي كان فقيرا، لعلنا نعلم السبب، فنحن في حالة تستمر من مناجاة الماضي وأمجاده بدون توقف، هذة المناجاة هي ما تجعلنا نحفظ روابط لأمور تعليمية، فيديوهات، وأمور شتى كثيرة تحت بند « ليس لدي وقت».

بيد أن هناك شيء مؤكد قد مر علينا، الشعور المعاكس، أن نتمنى مرور الوقت والوصول لشيء جديد،  أو بمفهوم أدق وأوضح (الحنين إلى المستقبل)، والمستقبل هو أكثر العناصر التي نخاف منها ونهابها، فكيف نشتاق لشيء قد يكون مرا فنتوجس قدومه، أو حلوا فنستعجله لنستفيد منه، أو على الأقل ليكون بحوزتنا؟

الحاضر هنا لا قيمة له لأننا لا نملك قوة اللحظة، والماضي حائط منكسر نميل عليه فقط وقت السقوط والانهزام، والمستقبل نخاف منه.

لكن من لا يملك قوة اللحظة، ويرى الماضي في موضعه السليم، هل له أن يحب المستقبل؟ ومع أننا لا نقلل من قوة اللحظة أو الحاضر، ولكننا بكل الاحوال فإننا لا نتحدث عن الحاضر هنا.

من الأشياء التي توجهنا إلى الماضي هي خسائر الحاضر، عدم قدرتنا على مجاراة الواقع أو مجاراة قانون الغاب في العالم كله، فالحضارة الغربية لطالما تدفعنا للخروج من إنسانيتنا، فما المقابل الروحي أو النفسي لهذا الشعور الجارف من النوستالجيا؟

فلطالما وقعنا تحت تأثير أمرين، الأول حلمنا الأمريكي والحصول على كل ماديات الحياة، الأمر الآخر هو أننا مشتتون فعلا، كلما وضعنا هدفا سقط، وكلما بحثنا عن حل فشلنا، ونرى الأمر من منظور التنمية البشرية فقط أو المادية فقط.

لم نعط مساحة لأشياء أخرى، بعض المشاعر كتلك المشاعر نغفل عنها، فالبعض يرى أنه لا مستقبل بدون تخطيط، والآخرون يرون الحاضر هو ذو الأهمية القصوى.

نحن نفتقد فعلا تلك الروح التي تدفعنا للمستقبل بدون حسابات أو خطط، تدفعنا لمسارات جديدة نصنعها نحن، لا نهدف من ورائها لربح أو مادة.

  الحنين إلى الحياة

على الرغم من أنه مصطلح غربي سنتحدث عنه  إلا إنه يعطينا فكرة قوية جدا عن وجود رفض للفكر التشيؤي المادي في ضمير الإنسان المعاصر.

لطالما كنا نرى جلوسنا في محطة القطار ننتظر الرحلة والترحال أمرا يثير فينا شعورات مختلفة من الجمال والراحة وبعض الألم، وننتظر القادم هناك لنرى ونشعر بحكاياه بدون الحديث معه، ذلك الرجل العجوز في السن يدفع فيك الرغبة في الحياة، وتلك الفتاة تشبك يداها في انتظار شيء جميل وغامض في نفس اللحظة، لطالما داهمنا هذا الشعور في مغادرة زفاف لأحد الأصدقاء، أو أن الطريق الذي نسير فيه ممتد بلا نهاية.

أن تشعر بالمستقبل وتشتاق له أكثر جدية من التخطيط له، فنحن البشر لن نقدر أن نخطط لكل شيء حولنا، ولنحاول أن نتوقف عن عد خطواتنا في السير، نحن لسنا بآلات في النهاية، بل بشر.

المصطلح الأغرب

مقابل النوستالجيا مصطلح ألماني يدعى sehnsucht : سنزوخت – يوصف هذا المصطلح تبعا لمقال في ويكيبديا – وهو كل ما نملكه في عالم جوجل عن هذا المعنى بالمناسبة – أنه الشعور العميق والكامل عن كل حقائق الحياة التي لم تنته بعد، والبحث التواق للمثالية بكل شوق للحياة.

أو البحث الفردي عن السعادة في مواجهة الواقع غير المرغوب فيه.

الترجمة الحرفية للمصطلح تقع بين كلمتين Sehn وهي بالألمانية:الرؤية، أما Sucht بمعنى بحث، لكن الترجمة الحرفية لا رابط بينها وبين المصطلح أو المفهوم نفسه.

يوازي هذا المصطلح كلمة longing  الإنجليزية، مع اختلاف كبير حيث أن هذا الشعور معقد، ليس مجرد انتظار لحبيب أو تمني لشيء حدوثه يغير في مسار حياتنا، فيتعلق الأمر بالتقبل سواء كان فشلا أو نجاحا، لا شراهة للمادية، بل تقبل شديد وتوق شديد.

يقول في هذا الشاعر الأمريكي والت ويتمان:
هل هذا حلم؟
بل فقدان الحلم هو الحلم
والفشل والتقاليد هي الحلم
وكل العالم حلم

علم النفس والأدب والموسيقى.. إيضاح بسيط

تبعا لما قالته الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) فقد وصلت لحقائق حول هذا الشعور العميق وهى:

1- يمثل المفاهيم الطبيعية للمثالية.

2- شعور بعدم الاكتمال من الحياة والشعور بنقص الإنسان وقصور نفسه.

3- التركيز على الماضي والحاضر والمستقبل مرة واحدة.

4- إثارة شعور مر-حلو، أي جاذب ومنفر بنفس اللحظة.

5- الانعكاس على تطور حياة الفرد وتطورها وثرائها الرمزي.

فى حين عرضت تجربة شارك فيها أمريكيون وألمان حول تحديدهم لهذا المصطلح  sehnsucht ، لم يختلف الاثنان حول أهمية النظر للمستقبل بكل الأحوال، واختلف الأمريكان عن الألمان في أن الوصول لإستراتيجية محددة تدفعهم لتنمية حياتهم، والعكس فالألمان لم يعطوا للمصطلح هذة الأهمية على الإطلاق بل اختلف تماما.

وبقية الأبحاث كانت تدور حول المفهوم الأمريكي للمصطلح بتحويل الشوق والتطلع للحياة لأهداف وإستراتيجيات محددة.
لكن في تجربة مهمة تمت لـ168 امرأة بمنتصف العمر، حول رغبتهم في الحصول على طفل على أساس محدد: مدى رغبتهم ومدى تحقق الهدف بمخيلتهم.

كانت النتيجة أنه كلما اشتدت الرغبة مع ضعف تحقق الأمر يعطي شعورا إيجابيا لكل امرأة أفضل من منظور الهدف يسعى لتحقيقه فإنه يدفع الإنسان للسلبية.

أدبيًّا فقد حاز الأمر اهتمام الكاتب الإسكتلندى سي.أس. لويس صاحب سلسلة روايات الأطفال الشهيرة بسجلات نارنيا الذي تأثر بهذا المفهوم في كتاباته.

يقول عنه: إنه الشيء غير المسمى، يثقبنا كسيف ذو حدين برائحة النار، وصوت البط البري فوق نهاية العالم، ودخول جيوش قبلاي خان – إمبراطور صيني منغولي – أو خيوط العنكبوت في صباح يوم صيف، أو ضوضاء انهمار الموج.
في حين هناك قصيدة بنفس الاسم للشاعر الألمانى الكلاسيكي فريدريك شيلر، وهي الأكثر إيضاحا للمعنى على الإطلاق ، تأثر بها شوبارت أحد أهم الموسيقيين الألمان وقتها وحولها لسيمفونية.

وماذا بعد؟

لعل المعاني المرتبطة بـ(سنزوخت) هي معان غامضة أيضا، بل ولأن المصطلح ألمانيا فليس له ترجمة أيضا للغة أخرى، مثل النوستالجيا، هذا له مجال آخر للحديث مستقبلا وبمجال آخر.

أخيرا أرفق تلك القصيدة، فالأدب خير وسيلة لاختبار شعور الإنسان والبحث عنه.
الشوق – فريدريك شيلر

مترجمة عن الإنجليزية من هذا الموقع الذي يضم ترجمات للأعمال الألمانية الأدبية

آه من أراضي هذا الوادي

تلك الغيوم الباردة تأتي على لهفة

لو أجد طريقي لها

لأكون ذا حظ ورغبة

هناك ألمح تلالا غناء

أكثر شبابا وأكثر خضرة!

لو أنني أطير أو ذو جناحين

لطفوت فوق تلك التلال

فأسمع رنينا يتحول نغمة بعد نغمة

ألحان الجمال والسلام السماوي

والرياح الخفيفة تجلب لي شعور البلسم

*

تتوهج الفاكهة الذهبية

تشير لي من وسط الأوراق الداكنة

والزهور التي تتفتح هناك

لن تصبح فريسة الشتاء

آه، كم من مغرمين بالمسير، يهيمون على وجوههم

هناك في أشعة الشمس الأبدية

والهواء على تلك المرتفعات

يجدد فينا وينعش فينا!

*

وها أنا هنا أرتاب من النهر الجاري

النهر يرتفع بيننا في غضب

أمواجه عالية جدا

صارت روحي رعبا

وهناك أرى قاربا صغيرا يهتز

ولكن صاحبه ليس موجودا

نفسي تقول: اذهب بخفة وبدون تردد:

فالأشرعة جاهزة

يجب أن نؤمن، ولا نهاب شيئا

من أجل الآلهة التي لا تعد بشيء

معجزة فقط يمكن أن تحملك

إلى أرض العجائب

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد