إسبانيا تحول الصحراء إلى واحة خضراء بقيمة 2.5 مليار دولار

الزراعة دعامة أساسية لاقتصاديات الدول، ومكون رئيسي لناتجها القومي، لكن مع وجود مشكلات عالمية مثل ندرة المياه والتصحر والجفاف وتآكل المسطحات الزراعية، تلجأ الدول إلى أساليب بديلة للتغلب على ما تواجهه. قدمت إسبانيا على مدار ستين عامًا تجربة فريدة للزراعة في الصوبات الحرارية تغلبت بها على معظم المشكلات التي تواجهها حاليًا مصر وبعض الدول العربية.

يقع إقليم ألميريا (العامرية) جنوب شرقي إسبانيا، ويطل على ساحل البحر المتوسط، ومناخه صحراوي حار أغلب العام وتندر فيه المياه والأمطار، وتنعدم فيه التربة الصالحة للزراعة.

ويعود جذور الإقليم إلى الدولة العامرية التي أسسها المسلمون أثناء حكمهم للأندلس. وتمتد حقول العامرية للصوبات الزراعية على مساحة تتجاوز 80 ألف فدان، ويسميها الإسبان بحر البلاستيك نظرًا لأنها تبدو كبحر من الخيام بيضاء اللون من الأعلى! ويساهم هذا المسطح الأبيض الشاسع في انعكاس أشعة الشمس فيؤدي إلى خفض درجات الحرارة.

تستحق حقول العامرية لقب سلة الغذاء في أوروبا بعدما وصل محصولها إلى أغلب موائد طعام الأوروبيين، بل إن منتجاتها عبرت المحيط الأطلنطي إلى أمريكا وكندا.

وتتراوح الأرباح من هذه المحاصيل من 1.65 إلى أكثر من 2.57 مليار دولار أمريكي بمتوسط 60 ألف دولار سنويًا لكل صوبة زراعية، وفقًا لأستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة العامرية “خوسيه أثنار”. وتصدر إسبانيا 60% من محصولها إلى ألمانيا وفرنسا وهولندا والمملكة المتحدة وإيطاليا. وتأتي كندا بعد أوروبا كثاني أكبر مستورد من حقول العامرية بنسبة 3%، كما بدأت إسبانيا تصدير الطماطم إلى الولايات المتحدة في عام 1994 بموجب اتفاقية تجارية كان من أهم بنودها أن تكون الطماطم مزروعة في الصوبات الزراعية لحقول العامرية تحديدًا.

بدأت إسبانيا زراعة إقليم العامرية في الستينات من القرن الماضي حتى أصبحت اليوم أكبر دولة بها صوبات زراعية بعد الصين وفقًا لدراسة أجرتها جامعة “مونتانا” عام 2008.

وهذه الحقول هي ثمرة جهود استمرت 60 عامًا من الأبحاث العلمية والتقنية المضنية المتعلقة باستخدام المياه وإدارة الري لمحاصيل الخضروات في الصوبات الزراعية. عمدت الحكومة إلى استغلال المناطق الشاسعة المهملة في إقليم العامرية بعدما أجرت دراسات أثبتت إمكانية تحويل هذه الصحراء الجرداء إلى واحة خضراء.

وبدأت الحكومة الإسبانية المشروع بتقسيم أراضي العامرية إلى قطع تصل مساحة الواحدة منها عادة 8 أمتار مربعة وبيعها للمزارعين. إلى جانب ذلك أنشأت الحكومة عدة خطوط إنتاج مجاورة لتصنيع عبوات الخضروات والفاكهة ومعلبات التوابل وكذلك مصانع لإعادة تدوير البلاستيك. وتحاول الحكومة الإسبانية حل المشكلات التي يواجهها المشروع بمجرد ظهورها، ما يشير إلى أهمية هذه الحقول وقطاع الزراعة عمومًا للاقتصاد الإسباني.

وجعلنا من الماء كل شيء حي

وعلى مدار سنوات المشروع كانت مشكلة تناقص المياه هي أكبر عائق أمام تقدمه. وكان مزارعو العامرية يحفرون آبارًا بعمق 30 مترًا بمساعدة الحكومة للحصول على المياه الجوفية. لكن في عام 1984 أثبتت دراسات أجراها “معهد الجيولوجيا والتعدين” الإسباني استمرت أربعة أعوام وجود دلائل تشير إلى تسرب مياه البحر القريب (التملح) إلى هذه الآبار واستنزاف مياهها بشدة، ما دفع حكومة منطقة الأندلس إلى إيقاف التوسع في المشروع مؤقتًا. وفي عام 1985، موَّلت حكومة “الأندلس” مشروع إنشاء آبار أكثر عمقًا لمسافة تصل إلى 700 مترًا في الجبال الواقعة شمال منطقة “كامبو دي دالياس” لتلبية احتياجات المزارعين والسكان القريبين على حد سواء.

وتُضخ المياه عبر أنابيب من تلك الجبال وتوصلها إلى مستودعات صناعية، حيث تُضخ عبر مجموعة أخرى من المضخات والأنابيب إلى الصوبات والسكان المحليين.

وتنظم الحكومة مقدار المياه المسموح باستخدامه يوميًا كما أن الري بالتنقيط ضرورة قانونية للمزارعين من أجل الموافقة على قروض لإقامة صوبات جديدة؛ حيث يقلل الري بالتنقيط المياه المستهلكة والمتبخرة ويحافظ على مستويات الملوحة بالتربة ويمنع نمو الأعشاب الضارة، وهذا ما أثنى عليه تقرير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) الصادر عام 2013. وكان الري يتم بحفر القنوات ثم استبدل عام 1971 بالرش ثم استقدمت إسبانيا الري بالتنقيط من إسرائيل.

وفي عام 1998، مررت الحكومة الإسبانية “الخطة الوطنية الهيدرولوجية” بعد موافقة البرلمان عليها. وتتمثل الخطة المقترحة في بناء سلسلة سدود على نهر “إيبرو” شمال شرقي إسبانيا ونهر “رون” في برشلونة وتحويل المياه الفائضة منهما عبر خطوط أنابيب إلى حقول العامرية على مسافة تتجاوز 700 كيلومترٍ، لكن سرعان ما اعترض المعنيون بالبيئة على المشروع لأنه سيحدث ضررًا بهذين النهرين ومتعللين بأن الخطة غير متوافقة مع توجيهات الاتحاد الأوروبي الخاصة بأطر عمل مواطن المعيشة والمياه حتى ألغاها الرئيس الإسباني “خوسيه ثاباتيرو” عام 2004.

وأطلقت الحكومة بعدها مشروع “أجوا” لإدارة واستخدام المياه. ويتركز المشروع على تحلية مياه البحر عبر إنشاء 21 محطة بتكلفة 6 مليارات دولار، ستعوضها الحكومة من عائد الزراعة وكذلك السياحة. كما موّل الاتحاد الأوروبي إنشاء محطة “كاربونيراس” لتحلية مياه البحر، وهي الأكبر في أوروبا كلها، اُفتتحت عام 2002. والمحطة وحدها قادرة على توفير 120 ألف متر مكعب من مياه البحر المحلاة يوميًا، وهي كمية كافية لزراعة 70 كيلومترًا مربعًا.

زراعة الرمال

ترتكز الزراعة في حقول العامرية على عدة تطبيقات تكنولوجية من أهمها الزراعة في الرمال. في البداية تسوى الأرض بماكينات وتغطى بطبقات من الطين الطفلي المضغوط بسماكة 20 سنتيمترًا، ثم السماد الطبيعي عالي التخصيب بسمك 3 سنتيمترات، تليه 10 سنتيمترات من الرمال أو الحصى الخشن الذي يُجلب من شواطئ البحر المتوسط القريبة بعد غسلها جيدًا.

وتُضاف أي خضروات لم تبع أو فسدت إلى طبقة السماد الطبيعي. والهدف من الطين الطفلي هو منع تسلل مياه البحر المالحة إلى السطح، بينما تحتفظ طبقة السماد بالماء وتمنع تسربه عبر الرمال، وترفع الرمال درجة حرارة التربة وتقلل التبخر وتوفر رطوبة دائمة وتقلل الملوحة.

ولتوفير الحماية للرمال من الرياح، صممت كاسرات تحجز عنها الرياح العاتية. وبعد تجهيز الأرض، تبنى فوقها صوبات من النوع المتوازي مسطح السقف ومرتكزة على هياكل خشبية وسلكية تستخدم محليًا في تكوين تعريشات العنب، ثم عُدل التصميم بحيث يطرد مياه الأمطار ويحسن وصول ضوء الشمس إلى المزروعات مع منع الأشعة فوق البنفسجية المحفزة لنمو الجراثيم من الوصول إلى المحصول.

وفي عام 2000 بلغت النسبة المزروعة بتقنية الزراعة في الرمال 75%، بينما استخدمت مع نسبة 20% من المساحة المتبقية أنظمة للتربة التحتية مكونة من ألياف نباتية وصوف صخري وصخور البرليت المسامية والرمال وألياف جوز الهند والفيبر والفوم مع نظام ري تزرع فيه البذور داخل المياه.

وبالرغم من تفوق الزراعة في الرمال على التربة التحتية بشكل عام إلا أن المزارعين أحيانًا يفضلونها لما تتميز به من توفير المياه وخصوصًا عندما تكون فواتير المياه باهظة. وتتعدد أشكال هذا النوع ما بين الصناديق أو الأكياس أو القدور أو القنوات أو الألواح وفقًا لاختيار المزارع، كما يقول بعض المزارعين إن استخدام ألياف جوز الهند والفيبر يحقق محاصيل أكبر من استخدام المواد الأخرى وخصوصًا البرليت.

وتعتمد الزراعة على نسبة الـ 5% الأخيرة على أنظمة مكلفة تعتمد على إعادة تدوير المياه والمحاليل السمادية والتحكم في الحرارة.

مقال1

مقال2
مقال3

 

مقال4

 

مقال5

مقال6

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد