إن التفكير في عمق «الذكاء الاصطناعي» وتأثيره على اقتصادات وأمن الدول ورفاهيتها، قد يشكل للبعض فنًا من «شطحات» الخيال و«الهلوسة» العلمية غير القابلة للتحقق على أرض الواقع. لكن باقتفاء أثر الأبحاث العالمية ذات الصلة بهذا – الذكاء الاصطناعي – وتنافس الدول المتقدمة للدخول إلى «نادي الريادة» وقيادة العالم عبر البحث والتطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتكثيف المنافسة التقنية التي تدعّم وتحفز المنافسة الإستراتيجية؛ مقابل «سبات» الدول ومراكز فكرها «الثالثية»، كلها اختلاجات فكرية تستفز – بالمعنى الإيجابي – فضول الباحث وتدفعه لركوب صهوة «القلق المعرفي» حول الموضوع.

يواجه قادة الدول المارقة في عالم الـ«ما بعديات» (ما بعد الحداثة، ما بعد العولمة، ما بعد التكنولوجيا) إشكالات أصبحت تتهيب لحجز مقعد لها في المسرح الدولي تختلف عن نظيراتها «التقليدية» (بناء الدولة)، ويعد الذكاء الاصطناعي سيد هذه الإشكالات، وما ينجر عنه من تهديدات لكيانات هذه الدول وقلب منطق هيمنتها، وهو ما يحتم على هذه الأخيرة الفوز بالمنافسة التقنية من أجل ضمان ازدهارها، وأمنها، ورفاهيتها. وفي ذات السياق افتتحت الولايات المتحدة الأمريكية فصول روايتها الجديدة مع الذكاء الاصطناعي، والبدء في أخذه على محمل الجد على المستوى الوطني خشية أن يلتهمها التنين الأصفر (الصين).

ففي تقرير نهائي صدر في 2 مارس (أذار) عن «لجنة الأمن القومي للذكاء الاصطناعي (the National Security Commission on ArtificialIntelligence)»، استهل الخبراء بالإقرار بأن «أمريكا ليست مستعدة للدفاع أو المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي»[1]، إقرار قد يزعزع النفوس الضعيفة للدول التي تتسول طريقها للنمو وتتغيا الترسانة الديمقراطية بعلاتها.

وقد غطى التقرير مجموعة من المجالات والمواضيع ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي، لكن تركيزه انصب بشكل أساس على تداعيات الذكاء الاصطناعي على الأمن القومي، ولا استغراب في هذا المقام ما دام أن اللجنة أنشأها الكونجرس في قانون تفويض الدفاع الوطني لجون س. ماكين للسنة المالية 2019 [2]، حيث قسم التقرير إلى جزأين رئيسين:

وسم الجزء الأول بالدفاع عن أمريكا في عصر الذكاء الاصطناعي: اعتبر التقرير أن القدرات المعززة بالذكاء الاصطناعي وما يتيحه هذه الأخير من تقنيات واليات تعتبر بمثابة الملاذ الأخير في عصر جديد من الصراع، حيث تتنافس الدول (أشار لها التقرير بالمنافسين الإستراتيجيين، والمقصود في هذا الصدد روسيا والصين) على تطوير واستحداث مفاهيم وتقنيات في صلب الذكاء الاصطناعي للاستخدامات العسكرية وغيرها من الاستخدامات الخبيثة Malign، فضلًا عن التطبيقات الذكية الزهيدة الثمن والمتاحة تجاريًا، والتي تتمثل في «Deepfake التزييف العميق[3]» والطائرات بدون طيار، والهجمات السيبرانية، والمعلومات المضللة. كلها تهديدات من ضمن أخرى دعا التقرير فيها الولايات المتحدة إلى الاستعداد للدفاع ضدها والتصدي لها عبر الاعتماد السريع والمسؤول للذكاء الاصطناعي لأغراض الأمن القومي والدفاع.

أخذ الجزء الثاني من التقرير عنوان: الانتصار في «مضمار» التكنولوجيا: تعد تقنيات «الذكاء الاصطناعي (AI)» بأن الأجيال القادمة ستتوفر على الأدوات المناسبة والمتطورة لتوسيع المعرفة وزيادة الرخاء وإثراء التجربة البشرية. وستكون هذه التقنيات أساس اقتصاد الابتكار ومصدر قوة هائلة للبلدان التي تسخرها. وهو ما سيغذي المنافسة بين الحكومات والشركات التي تتسابق في مجال الذكاء الاصطناعي، كما ستستخدمه الدول القومية لتحقيق طموحاتها الإستراتيجية.

وقد أشار التقرير أن الولايات المتحدة لم تتعامل بجدية مع مدى تأثير ثورة الذكاء الاصطناعي على المجتمع والاقتصاد والأمن القومي. وعلى الرغم من ريادتها في القطاع الخاص والجامعي في مجال الذكاء الاصطناعي، تظل الولايات المتحدة غير مستعدة للعصر القادم.

ولكن وعلى قدر أهمية التقرير بجزأيه وفصوله التي احتوت العديد من المواضيع، غير أن هناك جانبًا من هذا التقرير يتطلب الفحص والتدقيق، والذي يعد غاية في الخطورة. حيث أشار الفصل الثالث الجزء الثاني من التقرير إلى أن الحرب المدعومة بالذكاء الاصطناعي لن تتوقف مستقبلًا على سلاح أو تقنية أو مفهوم جديد واحد؛ بقدر ما ستركز على تطبيق ودمج التقنيات التي تدعم الذكاء الاصطناعي في كل وجه من أوجه القتال. حيث سيغير الذكاء الاصطناعي «منطق الحرب» وإستراتيجياته وأخلاق «القتال»، كما سيجعل الذكاء الاصطناعي عملية العثور على الأهداف ذات القيمة العسكرية وضربها أمرًا سهلًا.

وقد دعا الفصل الثالث الولايات المتحدة إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني للذكاء الاصطناعي واعتماد التقنيات الناشئة الهامة بين الحلفاء والشركاء، بما في ذلك «العيون الخمس» و«منظمة حلف الشمال الأطلسي (الناتو)». وذلك عبر تعزيز جهود الدفاع والاستخبارات الحالية ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي، ودعم جهود الناتو لتسريع الاتفاقات المتعلقة بالبنيات والمعايير، وتطوير الخبرة التقنية المتحالفة، ومتابعة حالات استخدام الذكاء الاصطناعي للتحالف في التدريبات والمناورات الحربية. فضلا عن تعزيز الشراكة الدولية للذكاء الاصطناعي للدفاع التابعة لمركز «الذكاء الاصطناعي المشترك (JAIC)» كأداة مهمة لتعزيز التعاون الدفاعي والأمني ​​للذكاء الاصطناعي، علاوة على إنشاء شراكة تقنية أمنية بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ لتحسين القدرات العسكرية والاستخبارية وقابلية التشغيل البيني عبر الحلفاء والشركاء في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وإن كان من المنطقي السعي إلى توحيد المعايير بين الحلفاء العسكريين، فإن الولايات المتحدة كان لها السبق في ذلك إبان الحرب العالمية الثانية، عندما أصبحت «ترسانة الديمقراطية»[4] حسب طرح روزفلت. حيث في ديسمبر (كانون الأول) 1939، وبعد وقت قصير من تلقيه نداء الرئيس تشرشل، بدأ الرئيس روزفلت العمل لإقناع الكونجرس والجمهور بأن المزيد من المساعدة المباشرة لبريطانيا تصب في مصلحة أمريكا الحيوية. لكن إذا كان هذا الطرح على قدر أهميته لأمريكا قد ارتبط بسياق غزو ألمانيا لبولندا؛ فإنما دعا له التقرير من توحيد المعايير بين الحلفاء في مجال برمجيات الذكاء الاصطناعي يعد أمرًا بعيد المنال، أخذًا بعين الاعتبار اختلاف البنيات القانونية، والاقتصادية، والفكرية للحلفاء في الوقت الراهن، فضلًا عن اختلاف التوجهات حول فرض الرقابة والدور المشروع للتكنولوجيا في الحياة اليومية.

بل إن الاتفاق على نَزْر يسير من المعايير بين الدول ذات التوجهات المختلفة مثل ألمانيا، واليابان، والهند، وإسرائيل، وسنغافورة – على سبيل المثال لا الحصر – سيكون مسعى محفوفًا بالتعقيد تغلب عليه العديد من الاعتبارات السياسية للدول.

وقد اعتبر التقرير « الصين»، المنافس الإستراتيجي لواشنطن، وهو ما يكثف من التهديدات المتوقعة اذا ما تم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي دون ضمانات أخلاقية تسيج تطوره بما لا ينعكس على أمن وسلامة الدول والأفراد. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية حسب ذات التقرير قد رفعت يافطة العداء ضد الصين وروسيا وخندقتهما في خانة المنافسين الإستراتيجيين لها في مجال الذكاء الاصطناعي وذلك بعدم التعاون معها في هذا المجال، فإن باقي الدول التي لاقت رضا واشنطن والمدرجة كشركاء ضروريين في التطوير والتعاون المرتبط بالذكاء الاصطناعي؛ لا تتشارك «معين» التوجهات الكبرى لواشنطن، ولا تستلذ «نخب» التوقعات الجيوستراتيجية لأمريكا.

وهو ما يدفعنا إلى استحضار بعض الأسئلة الاستشرافية: هل ترضا الهند بموقعها المتقدم اليوم في مجال التكنولوجيا وبعلاقاتها السياسية والعسكرية الوثيقة إلى حد ما مع روسيا، أن تكون ورقة «جوكر» في يد أمريكا للتقزيم من النفوذ الروسي؟ ثم ماذا سيكون التوجه بالنسبة لإسرائيل التي تقدم ولاءها لأمريكا وتقيم علاقات سياسية قوية مع روسيا وتطور تبادلاتها الصناعية والتجارية مع الصين؟ ثم ماذا عن دول الاتحاد الأوروبي؟

وعلى سبيل الختم والتذكير، إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية عبر إستراتيجيتها إبان الحرب الباردة قد شيدت قاعدتها على بناء محور ونموذج للتحالفات، فإن موقف الولايات المتحدة الآن أقل هيمنة مما كان عليه في أواخر الأربعينات، عندما كانت الولايات المتحدة الداعم الوحيد الممكن للدول الأوروبية والآسيوية التي عانت الأمرين لإعادة الإعمار، وإصلاح ما دمرته الحرب العالمية الثانية. فما هو المظهر الذي سيكون عليه العالم في ظل تطور القدرات العسكرية وترسانتها؟ وظهور نقاط ضعف ناشئة ذات الصلة بمجال الذكاء الاصطناعي لدى العديد من الدول وخاصة الهشة والمتخلفة عن ركب التطور؟

إن تطوير الأنظمة والمنصات والتقنيات مثل الطاقة الموجهة، وتكنولوجيا الحرب، والذكاء الاصطناعي/التعلم الآلي، وتكنولوجيا النانو، والقدرات الإلكترونية والفضائية، والجيل القادم من الأنظمة الشبح، والروبوتات، كلها أمور من بين أخرى، ستغير المشهد العالمي وتقلب مفاهيم عرض القوة والقيادة، وتطرح معها إشكالات كبرى، فهل يمثل رهاب الصين بداية الإعلان عن هزيمة الغرب؟ وبداية مشهد جديد للجيوبوليتيكا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد