أقوى عملاقين اقتصاديين في العالم

مر العالم بالحرب العالمية الأولى والثانية، والتي خلفت أكثر من 100 مليون من البشر تقريبًا حسب الإحصاءات المذكورة، وها نحن بصدد حرب عالمية اقتصادية ثالثة لا يُحمد عُقباها، ولن يأمن شرها القوي أو الضعيف، حيث إنها صراعات وأطماع اقتصادية بحتة، تتخللها حرب اقتصادية مرتقبة بين – التنين الصيني والقارة العجوز – أقوى عملاقين اقتصاديين في العالم، بيد أنه كان هناك اتفاق تجاري جزئي حتى الآن، إلا أن المراقبين الاقتصاديين في هذا الشأن يتوقعون استمرار سياسة الخطوات الصغيرة، مع إشارات انفراجة مفاجئة، وهذا لا ينفي أن تكون هناك نزاعات جديدة قادمة حد قولهم.

ومما يعقد سبل الوصول إلى حل أمثل للطرفين أنه لا يوجد إطار مشترك لإبرام هذا النوع من الاتفاق، حيث إن الثاني يكيل التهم على الأول بانتهاك الحقوق الفكرية سعيًا وراء التقدم لقيادة العالم، واكتساح السوق العالمية وإدارة التجارة العالمية، بيد أن المتتبع للتقارير الاقتصادية يمكنه القول: إن التنبؤات تشير بأن مصنع العالم – الصين – ستقود العالم باقتصادها وتكنولوجيتها الحديثة ولو بعد حين، وأن المؤشرات ترجح ذلك، وها نحن اليوم نشهد عالمًا مليئًا بالمنتجات الصينية، ولا تخلو دولة في العالم حسب تقديري، إلا وفيها من المنتجات الصينية أشكال وأطوار مختلفة حيث طغت على الأسواق العالمية بمنتجاتها وتقنياتها الحديثة.

وأمام هذا التطور والإبداع ثمة خلاف أهم وأكبر تبرره الولايات المتحدة بحق الصين بادعاءات تتناول التعدي على الحقوق الفكرية، وأنها قد حققت أرباح مئات التريليونات من هذا الانتهاك، ولم يقتصر الأمر إلى هنا فحسب، بل ازدادت وتيرة الخلاف بين الطرفين؛ مما جعل ترامب يقرر بإغلاق القنصلية الصينية في أمريكا، وإيقاف شركة «هواوي» الصينية للهواتف، ولم يكتف باتخاذ إجراءات ضدها فقط، بل أوعز بريطانيا بفعل ذلك – مقاطعة هوواي – بحجة أنها تستعمل في التجسس والقرب من كبار مسؤولي الدولة، وأنها غير آمنة وتشكل خطرًا على أمن أمريكا، وسعى في التحريض ضدها حتى استجابت بعض الدول المتقدمة لهذا التحريض؛ مما تزايدات وتيرة الخلاف بين الطرفين، وفرض رسوم تعريفية جمركية باهظة الثمن، وبالمقابل سعت الصين بفرض رسوم جمركية معاملة بالمثل، وسرعان ما أتى فيروس كورونا آواخر 2019 فبادر ترامب باتهام الصين بأنها من صنعت الفيروس في إحدى معامل وهان الصينية، وكانت النتيجة أن منظمة الصحة العالمية نفت ذلك؛ مما أثار غضب ترامب، واتهمها بمحاباة الصين، كل هذا يأتي وراء محاولة إيقاف الصين من التقدم في الذكاء الصناعي بالتحديد، وحتى لا تغير مسار أحلام ترامب التي يخشى أن تتبخر بسبب الصين، ولا يكون السبب في تراجع أمريكا اقتصاديًا، فليس هناك باب غير اللجوء إلى الحقوق الفكرية لينتهز الفرصة ويبتز الصين.

فيما قد يتساءل البعض منا، ما هي الملكية الفكرية، وما الغرض منها طالما والعالم مندهش بما يدار للعملاقين في هذه الآونة العصيبة، ومن هنا يمكننا القول: إن الملكية الفكرية هي تلك الإبداعات التي ينتجها العقل من اختراعات، ومصنفات أدبية وفنية ومن رموز وأسماء وصور وتصاميم مستخدمة في التجارة، وبالتالي فإنها تنقسم إلى قسمين: الملكية الفكرية الصناعية حيث تضم: براءات الاختراع والعلامات التجارية والرسوم والنماذج الصناعية، والبيانات الجغرافية.

والنوع الثاني: حق المؤلف حيث تشمل: الروايات والقصائد الشعرية، والمسرحيات، والأفلام، والموسيقى… وغيرها.
إذًا فالملكية الفكرية غير ملموسة مقارنة بالملكية التقليدية، كملكية الأرض والبضائع كما كان في الزمن السابق، لذا فهي ليست إلا مجرد رموز وصور وأسماء ومعلومات، حيث يمكن الاستيلاء عليها دون عناء.

والغرض من سن هذه القوانين: هو حماية الإبداع والابتكارات من انتهاكها وبيعها باسم طرف آخر، وتشجيع إنفاق موارد إضافية من أجل إنجاز المزيد من الابتكارات، ولكن لماذا لا تمتثل دول العالم لهذه القوانين، وبالتحديد الدول القابلة للنمو والتقدم؟

نجد الإجابة المنطقية لدى الاقتصاديين بقولهم إن عدم الامتثال للحقوق الفكرية في مثل هذه المرحلة ضرورة طبيعية، حيث إن المتأمل تأريخيًا يجد أنه من الصعب أن تمتثل الدول القابلة للنمو لمثل هذه القوانين الصارمة؛ لأنها في مرحلة أولية؛ لامتلاكها المعرفة فتضطر في القيام بالنسخ والتقليد والاقتباس والنقل؛ كي تتمكن من الإبداع والابتكار المحلي، ومن حينها تستطيع أن تلتزم بالقوانين المقررة فيما بعد، كما فعلت اليابان، وتايوان، وكوريا الجنوبية، والصين وغيرها من الدول.

فأمريكا في مرحلة قوية من الابتكار لذلك تحاول أن تلزم الصين باتفاقيات الحقوق الفكرية، خصوصًا وأن الصين كانت سابقًا لا تبالي بما يسمى حقوق فكرية؛ كونها ليست عضوًا في منظمة التجارة العالمية، لكنها رأت مصلحتها في الانضمام، فسارعت وأصبحت عضوًا فعَّالا في عام 2001، ومن حينها لاقت قيودًا لم تعهدها من قبل حيث كانت في التسعينات سرقة الملكية الفكرية متفشية فيها، وبما أن التركيز الأساسي لقانون الملكية الفكرية الحديث في ضوء التقدم التكنولوجي والتقني صار أحد أكبر الإشكالات في الصراع الجاري بين أمريكا والصين، ولن يهدأ هذا الصراع حتى تُحل هذه المعضلة مع أنه من المتوقع حسب ما قاله الخبراء الاقتصاديون منهم تشي لو «ستنتهي الحرب التجارية عاجلًا أم أجلًا، ولكن الحرب التكنولوجية الباردة ستستمر».

وهذا ما يعتقد الكثير من المراقبين حيال هذا الأمر أن ترامب لن يعمل على تصعيد النزاع في هذه الآونة؛ لأن ذلك سينعكس عليه سلبًا من قبل المستهلك الأمريكي حيث سيكون مجبرًا على دفع أسعار أعلى للمنتجات الصينية إذا فُرضت رسوم جمركية مرتفعة على الصين – لا سيما – والانتخابات ستجرى في ديسمبر (كانون الأول) القادم، فسيتحتم عليه الأمر بتهدئة تصعيد النزاع إلى أجل آخر.

وفي الختام يمكننا القول إن الحقوق الفكرية هي مربط الفرس الوحيد للصين من قبل أمريكا في حال تم تفعيل صلاحية القوانين، وإلزام الصين بالامتثال لها بحجة أنها عضو في منظمة التجارة العالمية، وعلى افتراض انسحابها؛ فإنها ستلاقي صعوبة وتحدياث كبيرة في الاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا، وغيرها من المميزات التي نالتها خلال العقدين الماضيين، وأن لا مناص من المفاوضات على طاولة التصالح بدفع ضريبة التقدم والخضوع لأمريكا ولو بأقل الإمكانات؛ كي يستمر بقاؤها ولا تمحى من قاموس الذكاء الاصطناعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد