بمجرد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرار خروجه من الاتفاق النووي مع إيران، وصاحب ذلك تصعيد عسكري إسرائيلي ضد سوريا وإيران، كان تساؤل الجميع في العالم وفي المنطقة – أهي حربٌ ضروس ستنطلق بين الجمهورية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟ أم هو سلامٌ دافئ بينهما؟

إن المشكلة اليوم أنه برغم كل التقارير الإخبارية عن الموضوع، سواء المكتوبة في الصحف أو المقروءة في الإذاعات أو المصورة على شاشات الفضائيات، وبرغم كل الصور الثابتة والمتحركة، والأخبار العابرة من هنا إلى هناك والعكس، وبرغم كل ذلك فإن صورة الواقع تبدو مبهمة، يغطيها الضباب ويلُفها الظلام. وتطرح من الأسئلة أكثر مما تُظهر من الأجوبة.

وقبل الدخول لعمق الموضع لدي ملاحظاتان

  1. إنني هنا سأقتصر على الرؤيا الأمريكية وسياستها واستراتيجيتها للموضوع الإيراني، وأتبعه بعد ذلك في مقالة أخرى برؤية إسرائيل لإيران، لأنني أرى أن هناك بعض الاختلافات الاستراتيجية في نظرة كل من أمريكا وإسرائيل لإيران.
  2. إنني قررت أن يكون عرضي لمقالي على شكل بانورامي سريع، كما أن مصادر معلوماتي سترد في صلب المقال أو سيتم ذكرها في نهايته كما أفعل دائمًا.

 إذا كان العراق كارثة كان يجب علينا أن نتخلص منها، فإن إيران كارثة أخرى يجب علينا أن نتفاداها.  خُلاصة تقرير  لترامب

إن العلاقة بين أمريكا وإيران ليست جديدة فأمريكا هي:

  • من دعمت محمد رضا بهلوي (شاه إيران) قبل الثورة عليه، وقادت انقلاب ضد حكومة محمد مصدق، بعد هروب الشاه الصغير، في عملية سُميت (أجاكس) قادها كيرمت روزفلت، ووقف الشاه العائد لوطنه بعد الانقلاب على الثورة الوطنية بقيادة أمريكية يقول في حضور كيرمت: «إنني مدين في عودتي لعرشي: لله، ثم لشعبي، ثم لك». وكان الشكر لله وللشعب صادر باللسان، ولكنه لكيرمت روزفلت كان ينطلق من أعماق القلب!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏وقوف‏‏‏

إن الولايات المتحدة كانت تعتبر الشاه في إيران شُرطي المنطقة ووكيلًا عنها في إدارتها وتأمينها ومن أجل ذلك قامت بتسليحه من رأسه إلى أخمص قدميه (من المدفع الرشاش إلى المفاعل النووي)، وخصوصًا أن الشاه كان لديه المال اللازم لتسديد الفواتير من بتروله، لدرجة أن الاتحاد السوفيتي الشيوعي دخل هو الآخر على الخط في ذلك وقام بعروض لتسليح الشاه الأمريكي!، مما ضايق وقتها الزعيم المصري القومي «جمال عبد الناصر» وفاتح في ذلك جروميكو (وزير خارجية الاتحاد السوفيتي) قائلًا له:

ما دمنا نتكلم بصراحة فهناك موضوع آخر أثار استغرابنا وهو أنكم أعلنتم صفقة بيع سلاح لإيران. لقد أعلنها رئيس وزراء إيران في البرلمان الإيراني وقال في إعلانه ولا بد أنكم سمعتم: «إن تحسن العلاقات مع الاتحاد السوفيتي سوف يمكننا من نقل الجيش الإيراني إلى الجنوب حتى نستطيع الوقوف ضد أطماع الجمهورية العربية المتحدة (مصر).

وأضاف عبد الناصر:

إن هذا في رأينا يعني أن إيران مقبلة على استفزاز عسكري موجه إلى العراق. وأنا مقدمًا أستطيع أن أتوقع أنك سوف تقول لي أن سياسة الاتحاد السوفيتي من وراء إعطاء أسلحة لشاه إيران هي حصر النفوذ الأمريكي وعدم ترك أمريكا تنفرد بإيران، لكن هذا الكلام لا يدخل عقلي بسهولة، فارتباط شاه إيران بأمريكا ارتباط عضوي، وأنتم أكثر مني تعرفون ذلك».

وأكمل عبد الناصر: وأنا لستُ ضد أن تبيعوا سلاحًا لمن تُريدون، ولكن بيع السلاح لا بد وأن تصاحبه تقديرات سياسية لا تأخذ في اعتبارها مصالحكم فقط، وإنما تأخذ في اعتبارها مصالح أصدقائكم كذلك».

  • وعندما قامت الثورة الإسلامية في إيران، ولم تستطع أمريكا أن تمنعها، كانت السياسة الأمريكية في صدمة حقيقية، ضاعفها استيلاء طُلاب الثورة على السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز بعثتها الدبلوماسية في مشهد فاق الخيال وقتها.

زاد على الصدمة الإهانة حينما حاول الرئيس الأمريكي وقتها «جيمي كارتر» تنفيذ عملية عسكرية لتحرير الرهائن، وبالفعل وفى سنة 1980 وضعت قيادة القوات الخاصة الأمريكية خطة لإنقاذ الرهائن من قلب طهران، وكان المطار العسكري في المنيا (صعيد مصر) إلى جانب القاعدة الأمريكية في «مصيرة» (بسلطنة عمان) قيادة تنفيذ تلك الخطة التي عُرفت باسم (الصحراء رقم واحد). وكان الرئيس المصري «أنور السادات» قد صرح لصديقه الرئيس كارتر باستعمال الأراضي المصرية وتسهيلاتها العسكرية في تنفيذ هذه الخطة، وبالفعل كان المكلف بالتنفيذ وقتها هو الجنرال «بكويث» قائد القوات الخاصة، وقد تولى من مطار المنيا توجيه العملية.

ومن نفس القاعدة بعث الجنرال «بكويث» إلى الرئيس كارتر يُخطره بأن العملية فشلت، بسبب تعطُل وتصادُم اثنتين من طائرات الهليوكوبتر، ورد عليه الرئيس كارتر بأن «يُجهض» الخطة ويعود بقواته، وكذلك فعل الجنرال، مع علمه بأن قواته على الموقع قرب مدينة «يزد» الإيرانية (على طريق طهران) تركت وراءها جُثث ثمانية جنود قتلوا عندما اصطدمت طائرات الهليوكوبتر ببعضها.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏يبتسم‏، و‏‏بدلة‏‏‏‏

ملحوظة:

طلب السيد ياسر عرفات في ذلك الوقت من قائد الثورة الاسلامية «الخمينى» أن يأمُر بتسليم الرهائن المحتجزين في السفارة الأمريكية إلى منظمة التحرير. وكان عرفات يعرض خطة مؤداها «أن يقوم هو أو ممثل شخصي له باصطحاب هؤلاء الرهائن جميعًا في طائرة إلى واشنطن ثم يجري تسليمهم هناك للحكومة الأمريكية في مقابل أن تُعلن الولايات المتحدة الاعتراف به وبمنظمة التحرير الفلسطينية».

ورفض الخميني وقال لعرفات:

 أنكم تريدون عقد صفقة مع الشيطان
الأكبر (الولايات المتحدة) على حساب الثورة الإيرانية!

وعندما جاء الرئيس الأمريكي «رونالد ريجان» استطاع دفع قوة قومية كبيرة هي (العراق) للاصطدام بقوة دينية شيعية ثورية هي (إيران) ساعده في ذلك المخطط المملكة السعودية. ووقف الأمريكان والخليجيون يشاهدون فرحين دماء الطرفين وهى تنسكب على رمال الصحراء، وقواهم وهي تُستنفد في ميادين القتال. وكان هناك أسباب أخرى للفرح منها:

  1. إن انشغال الدولتين الكبيرتين (العراق وإيران) في حربهما سوف تشغلهما معًا عن مناكفة السعودية وبقية دول الخليج.
  2. إن أمريكا تركت في إيران قبل الثورة مخزونات هائلة من السلاح قدمتها للشاه عندما عهدت إليه بدور رجل البوليس في المنطقة وبقيام الثورة في إيران أصبح هذا السلاح عنصر قلق وتهديد لدول الخليج والسعودية في المقدمة، وبقيام الحرب بين العراق وإيران فإن هذا المخزون من السلاح سوف يُستنزف وتلك مصلحة خليجية إقليمية ودولية.
  3. إن تقدير السعودية وحلفاءها أن دخول إيران في حرب على نطاق واسع سوف يجعل الثورة الإسلامية مضطرة للاعتماد على الجيش الإيراني النظامي، مما يؤدي إلى أن الجيش حينما يكون له دور رئيسي في الحرب تدعو ضرورتها للاعتماد عليه سوف يجعله أقوى من الثورة، وبالتالي فإنه قد يصبح في يوم من الأيام قادرًا على الاستيلاء على سلطة الدولة نفسها.

ويلفت النظر أن الرئيس الأمريكي الأسبق (ريجان) قال عندما انفجرت فضيحة (إيران كونترا) وظهر أن أمريكا كانت تشحن أسلحة إلى إيران في الوقت الذي كانت تحذر فيه على غيرها من شحن السلاح إليها: «إن أسبابنا لتزويد إيران بالأسلحة لم تكن نتيجة صفقة انتخابية، وإنما كانت لأسباب متعلقة بالسياسة العليا للدولة»، ولم يزد حرفًا.

وكان ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر هو أوضح من عبر عن هدف أمريكا من تلك الحرب الطاحنة بقوله:

هذه أول حرب في التاريخ نتمنى الا يخرج فيها منتصر، وإنما يخرج الطرفان كلاهما مهزوم.

وكان الملك خالد عاهل السعودية في ذلك الوقت هو الذي علق على قيام الحرب بين إيران والعراق أمام عدد من الأمراء والمسئولين السعوديين بنصف بيت من شعر عربي قديم يقول: «وربما تموت الأفاعي من سموم العقارب» لمزيد من التفاصيل مراجعة الرابط.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏لحية‏‏‏‏

وبعد أن انتهت الحرب العراقية الإيرانية كانت الاستراتيجية الأمريكية التي رسمها خُبراء الأمن القومي الأمريكي، وعلى رأسهم «ريتشارد هاس» للتعامل مع طهران كما يلي:

«محظور على الولايات المتحدة مواجهة الإيرانيين في معارك تتسبب في إراقة دماء الشعب الإيراني، وسقوط قتلى، مثل ذلك لن ينساه الشعب الإيراني، وسيظل باقيًا في وعيه ومحفورًا في فكره إلى الأبد، مما يُعقد أي تعامل مستقبلي بين أمريكا وسياستها مع الشعب الإيراني، بعد أن يسقط نظام الملالى في طهران.

يجب الضغط على نظام الثورة الإسلامية بكافة الأشكال وبكل السبل من أجل أن يثور الشعب ضدهم ويسقطهم ومعهم عمائمهم».

ملحوظة:

نفس تلك الاستراتيجية تستخدمها إسرائيل مع سوريا وذلك سيتم إيضاحه في مقال قادم.

وهكذا اتجهت أمريكا وحلفاؤها إلى الضغط على النظام الإيراني بسياسة الاحتواء المزدوج، والحصار الخانق (سياسيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا، ومخابرتيًا، وعسكريًا)، حتى يمل الشعب الإيراني من أوضاعه الصعبة ويثور على قيادته ويسقطهم ومعهم عمائمهم السوداء من فوق رؤوسهم! (كما طلب هاس).

  • ينسى البعض أن تسليح (أمريكا والسعودية) لطالبان (المُلا عمر) والقاعدة (بن لادن) في أفغانستان لم يكن فقط من أجل محاربة الجيش الأحمر السوفيتي، بل هو كذلك دعم لقوة سنية متطرفة ومسلحة للضغط على إيران الشيعية وهي على حدود تماس مع أفغانستان.
  • وينسى البعض كذلك أن جُزءًا من أهداف غزو العراق في عهد بوش الابن هو للضغط على نظام الملالي في طهران وكذلك حليفه النظام العلوى البعثي في دمشق، ففي فترة الرئيس «دبليو بوش» وفي مرحلة التجهيز للحرب ضد العراق، والإعداد لغزو عاصمة الرشيد (بغداد)، وفي محاولة إقناع عدد من القادة العسكريين الأمريكيين الذين أبدوا اعتراضاتهم في ذلك الوقت لعدم وجود مبرر (حقيقي للحرب) وغزو العراق وإسقاط الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.

وفي تلك اللحظة قرر وزير الدفاع الأمريكي وقتها «دونالد رامسفيلد» أن يصارح القادة العسكريين بجوهر المشروع الإمبراطوري الأمريكي التي جاءت إدارة الرئيس «بوش الابن» لتحقيقه، ويوضح الأهداف الحقيقية من عملية الغزو التي يعترض عليها بعض الجنرالات الأمريكيين.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏بدلة‏‏‏

وطبقًا لمذكرات الجنرال «ديفيد ماكيرنان» (قائد القوات البرية فيما بعد في العراق).أنه قد حدث اجتماع بين «رامسفيلد» وبين هيئة أركان الحرب المشتركة الأمريكية، وبحضور قائد المنطقة المركزية الجنرال «تومي فرانكس»: أن وزير الدفاع أشار إلى خريطة تملأ جدارًا كاملًا لقاعة الاجتماعات السرية عارضًا ما مؤداه:

«إن نظرة على الخريطة تؤكد أن الولايات المتحدة محيطة بكل ناحية بالعراق، فهي تملك قواعد على تواصل دائرة كاملة تبدأ من الخليج إلى باكستان إلى أفغانستان إلى أوزبكستان إلى قرجستان إلى تركيا إلى إسرائيل إلى الأردن إلى مصر إلى السعودية ودول الخليج.

وبجانب ذلك فإنها تملك محطات وتسهيلات مفتوحة لها دون قيود في مياه الخليج والبحر الأبيض والبحر الأحمر، ومعنى ذلك أن العراق بالضبط نقطة في مركز دائرة واسعة، وهذه فرصة تاريخية:

أولًا– للسيطرة على مركز الدائرة في بغداد ليكون النقطة الثابتة في الدائرة الأوسع المحيطة به.                       ثانيًا– لتصفية ما تبقى من مواقع مشاغبة ومعاندة للمشروع الأمريكي في المنطقة (إيران وسوريا) وذلك دون حاجة للاستعمال السلاح.

لأن وجود قوات أمريكية في العراق يعني

حصار (إيران) من ناحيتين:

  • ناحية: «أفغانستان» التي تحتلها بالفعل قوات أمريكية (بعد هجوم 11 سبتمبر على برجي التجارة، وإعلان الحرب على طالبان والقاعدة).
  • وناحية «العراق» إذا وقع احتلاله بقوات أمريكية.

كما أن (سوريا) ستكون في وضع أصعب

  • لأنها بعد احتلال العراق، مفتوحة من الشرق بوجود أمريكي في الجوار المتصل بها إلى درجة الالتحام.
  • ومحاصرة من الشمال «بتركيا» والوجود الأمريكي القائم فعلًا على أرضها، و«بمناطق الأكراد» شمال العراق والولايات المتحدة معهم هناك أيضًا.
  • إلى جانب «إسرائيل» من الجنوب.
  • إلى جانب أن النظام في «الأردن» ليس صديقًا مغرمًا بالنظام البعثي في دمشق.
  • إلى جانب وجود عناصر مؤثرة في التركيبة اللبنانية لا يرضيها تحكم سوريا في القرار اللبناني. لمزيد من التفاصيل مراجعة الرابط.

أوباما والاتفاق النووي .. ما هي الأهداف الحقيقية للاتفاق؟

  • وعندما جاء الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» خلفًا لبوش الابن سار على نفس الاستراتيجية المرسومة سلفًا (لأن الدول المحترمة تعرف أن الاستراتيجية لا تتغير، ولكن ما يتغير هو التكتيك، أي أن الهدف ثابت ولكن أساليب تحقيق الهدف هى المتغيرة)، ويطالعنا كتاب «حروب أوباما.. الصراع بين الإدارة المدنية ووزارة الدفاع الأمريكية» لكاتبه الشهير: «بوب ود وورد»، وهو الصحفي الأكثر اطلاعًا في العاصمة الأمريكية. وكان بوب وودوارد قد صعد للقمة منذ قام مع زميله «كارل برنشتين» بتفجير فضيحة «ووتر جيت» التي كسرت رئاسة «ريتشار نيكسون» عام 1974 وأدت إلى استقالته من رئاسة الولايات المتحدة. وهو اليوم أحد القلائل أصحاب مدرسة الصحافة بالعمق، وهي تلك المدرسة التي لا تُفتى إلا عن علم حقيقي ولا تكتب إلا بناء على معلومات موثقة.

ويقول بوب وود ورد في مقدمة كتابه: «أن الكتاب خُلاصة لسجلات اجتماعات مجلس الأمن القومي الأمريكي، بالإضافة إلى مقابلته للعديد من مسئولين إدارة أوباما في لقاءات امتد بعضها لأكثر من خمس ساعات، وعلى رأس هؤلاء المسئولين الرئيس أوباما نفسه الذي قابله الكاتب مدة ساعة وربع في المكتب البيضاوى». أي أن الكتاب تقرير معلوماتي موثق.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏6‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏نص‏‏‏‏

ويطالعنا الكتاب في صفحة 58 نصًا:

«أما بشأن إيران فقد أعرب أوباما عن نيته بالانفتاح على الحوار مع الإيرانيين، لكنه أوضح أنه لن يُلغى إمكانية اللجوء إلى الخيارات العسكرية المحدودة».لكن أوباما سرعان ما اكتشف وجود مشاكل في الخيارات. فخطة الطوارئ بالنسبة لإيران تعود على ما يبدو إلى أيام رئاسة جيمي كارتر. كانت الخُطة تقتضي البدء بتسعين يومًا من القصف، يعقبها اجتياح على طريقة غزو النورماندي في الحرب العالمية الثانية. مما يستلزم من القوات الأمريكية ما يفوق الأعداد المتوافرة لديها. ولم تجرِ أي محاولة جدية لتحديث خطط الطوارئ العديدة التي يحتاج إليها الرئيس.

أي أن الخيارات العسكرية الأمريكية المحدودة للتعامل مع إيران ليست جاهزة.

وفي نفس الكتاب وفي اجتماع لمجلس الأمن القومي الأمريكي بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران قال أوباما:

إن أهداف أمريكا من الاتفاق النووي مع إيران:

  1. الحركة السريعة نحو مباحثات ما بعد الاتفاق النووي، سواء حول الصواريخ الإيرانية أو القدرة العسكرية الشاملة الإيرانية.
  2. حل مشكلات أوروبا الاقتصادية بالاستفادة من السوق الإيراني.
  3. دعم التيار المعتدل داخل السياسة الإيرانية وتقويته في وجه الصقور.
  4. منع إيران من أن تُكون محور غرب آسيا مع سوريا وحلفائها.
  5. الفصل بين العراق وإيران (وذلك موضوع آخر له تفاصيله الخاصة به، منها ما يقوم به الأمير السعودي المزركش محمد بن سلمان اليوم في العراق).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏بما في ذلك ‏‎Azmi Alnabale‎‏‏‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏لحية‏‏‏‏

ويضيف أوباما أكثر في ذلك بقوله:

«إنني آمل من الاتفاق النووي مع إيران تغيير سياسات إيران، وصولًا في النهاية إلى تغيير هوية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إنني آمل إعادة إيران إلى حظيرة المجتمع الدولي، وإجبار الحكومة الإيرانية على تعديل سلوكها، والالتزام بقدر من المسئولية بحيث لا توظف قدراتها لمجابهة المصالح الأمريكية وصولًا لسياسات إقليمية ودولية تتماشى مع المصالح الأمريكية، ومن ثم يطال التغيير أعمدة النظام الإيراني»

دونالد ترامب.. رجل الأعمال الذي أصبح رئيسًا!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏بدلة‏‏‏

في تقديري إن خروج ترامب من الاتفاق النووي مع إيران يرجع إلى

  • إن موقف ترامب ليس جديدًا فقد تبنى الرئيس ترامب موقفًا مناهضًا للاتفاق، سواء خلال حملته الانتخابية، أو بعد توليه المنصب الرئاسي، معتبرًا أنه اتفاق «كارثي»، ولم يحافظ على أمن الولايات المتحدة الأمريكية، ويرى أن الاتفاق لم يمنع إيران من مواصلة أنشطتها النووية.
  • يعتبر ترامب أن الاتفاق النووي اتفاقًا معيبًا، لأنه لم يعالج قضايا أخرى ترتبط بإيران، سواء دورها وأنشطتها التخريبية في الشرق الأوسط أو في اليمن أو سوريا، ودعمها للتنظيمات الإرهابية، وبرنامجها للصواريخ الباليستيه، كما أنه لم يتضمن -من وجهة نظره- آلية واضحة لرقابة ومتابعة أنشطة إيران والتحقق منها ومعاقبتها في حال الإخلال ببنود الاتفاق، وهو بموقفه ذلك يضمن الدعم من الصقور في كل المؤسسات الأمريكية.
  • إنه بإلغائه للاتفاق يضمن الحصول على مليارات جديدة من دول الخليج وعلى رأسها السعودية والإمارات.
  • بالإضافة إلى مسايرة إسرائيل التي يحتاجها ترامب مع اللوبي اليهودي بأمريكا هذه الأيام بقوة في مواجهاته مع الجميع في أمريكا.
  • إثبات أنه ليس تابع لروسيا كما يُقال، والدليل أنه يعاقب حليف روسيا الوفى (إيران).
  • الضغط على إيران لتحسين الشروط التفاوضية في أي اتفاق جديد ينشأ بينهم،لا يكون الحديث فيه فقط عن النووي الإيراني، بل ليمتد الحديث ليشمل مشروع الصواريخ البالستية، وكل القدرة العسكرية الإيرانية، والأهم حدود التدخلات الإيرانية في المنطقة وتقليل النفوذ الإيرانى.
  • محاولة التغطية على كل مشاكله الداخلية بالجري خطوات وليس خطوة واحدة تجاه القضايا الدولية!
  • أحد الأسباب وراء قرار الرئيس ترامب، يرتبط بمحاولته التأكيد على أنه يفي بوعوده التي قطعها في الانتخابات، هذا بالإضافة إلى محاولته الانتقاص من شرعية الرئيس أوباما، فالاتفاق النووي مع إيران يُعد أحد الإنجازات التي حققها أوباما خلال ولايته الثانية.

الأهم من ذلك أن هناك صعوبة كبيرة لاتخاذ قرار الحرب داخل أمريكا اليوم لعدة أسباب

  • الرفض الشعبي الأمريكي لأي حرب جديدة، لما يمكن أن تتولد عنه من خسائر بشرية أمريكية، وخصوصًا بعد أن تكشفت حقائق غزو العراق من أن تلك الحرب قامت على كذبة، فقد اتُخذ القرار، واختلقت (الحقائق) بعد ذلك لدعمها.
  • الظروف الصعبة التي تمر بها اليوم القوات الأمريكية في أفغانستان، وإيران قد عززت تواجدها هناك وأصبحت حاضرة هناك بقوة، وكذا ما يمكن أن يحدث للقوات الأمريكية المتبقية في العراق وإيران تمسك بالرئة فيها، وكذك فالقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج تحت القبضة الإيرانية.
  • إن عددًا من مستشاري ترامب يرون خطورة كبيرة في حرب أمريكية إيرانية تنشأ في المنطقة، وذلك ما قاله «جوزيف كرينكيون» الخبير في شئون الأمن القومي بالمركز الليبرالي للنقد الأمريكي لصحيفة نيويوركر منذ عدة أشهر: أن ترامب رُفع إليه تقرير من مستشاريه خلاصته: «أنه إذا كان العراق كارثة كان علينا أن نتخلص منها، فإن إيران كارثة أكبر يجب أن نتفاداها».
  • عدم اتفاق الدول الكبرى كفرنسا وألمانيا والصين وروسيا وبريطانيا على الحرب ضد إيران كما حدث في حرب الخليج (عاصفة الصحراء).
  • صعوبة التخطيط العسكري لتلك المواجهة التي ستكون مكلفة جدًا سواء على الناحية المادية والمعنوية.
  • امتلاك إيران لأوراق ضغط تستطيع أن تُجبر أمريكا على التفكير مرتين قبل الدخول في صدام معها.
  • بالإضافة إلى مهارة الإيرانيين في التفاوض التي تُمكنهم من عدم بلوغ حافة الهاوية الأمريكية.
  • بالإضافة إلى إن ترامب ليس من الرؤساء العقائديين كريجان وبوش الأب والابن بعده، بل هو رجل أعمال، أي أن عقلية التاجر القائمة على حسابات الربح والخسارة وليس عقلية السياسي صاحب المشروع الإمبراطوري هي التي تحركه وتتحكم في تصرفاته وسياساته (وذلك ظهر جليًا في زيارة بن سلمان الأخيرة لأمريكا عندما ظهر ترامب بمظهر تاجر سلاح يعرض منتجاته أمام الصحفيين).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏أشخاص يجلسون‏‏‏‏

الخُلاصة

أنني أستبعد حربًا أمريكية شاملة ضد إيران كما جرى في غزو العراق 2011. ولكن يتبقى أن عالمنا العربي اليوم يعيش حالة استباحة كاملة لمصائره، فالأمة أصبحت فريسة مكشوفة للإهانة والعدوان من كل جانب، والأمثلة كثيرة، وإن كان عدها موجعًا ومؤلمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

حروب أوباما - بوب وود ورد
الاستراتيجية الأمريكية فى القرن الحادى والعشرين - أناتولى اتوكين
مذكرات الجنرال ديفيد ماكيرنان
عرض التعليقات
تحميل المزيد