كما يعلم الجميع أن الحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى اقتسموا أراضي الدولة العثمانية المنهزمة فيما بينهم، فوضعت بذلك دول المشرق العربي تحت الانتدابين البريطاني والفرنسي، حيث نظمت تفاصيل هذا الانتداب بواسطة اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 التي بموجبها قسمت الأراضي ورسمت حدود البلدان العربية بما يخدم مصالح الحلفاء وأطماعهم الاستعمارية، بعيدًا عن مصالح تلك الشعوب وتكويناتها الديموغرافية والقومية وحتى المذهبية، لكن في الحقيقة هذا الاتفاق لم يكن أبديًّا إذ هناك بند فيه ينص على أن هذا الاتفاق تنتهي صلاحيته بعد مائة عام من تاريخ توقيعه ويصادف الانتهاء عامنا الحالي 2016، وبموجب هذا البند يجب على القوى أن تطلق اتفاقًا جديدًا يحل محل القديم سايكس-بيكو بما يواكب التغيرات الجيوستراتيجية والاقتصادية في العالم وبما يخدم مصالح تلك البلدان خاصة.

يحلو لي أن أسمي هذا الاتفاق الجديد باتفاقية سايكس-بايدن نسبة إلى السيناتور الأمريكي «جو بايدن» وزير الخارجية الأسبق ونائب الرئيس الحالي، حيث يتذكر الجميع تصريحاته عام 2006 حول تقسيم العراق إلى ثلاث أقاليم والتي لاقت استهجانًا واسعًا في الأوساط العراقية، إذ هذه التصريحات ما هي إلا مقدمات لفكرة التقسيم في مخيلة الشارع العراقي؛ لاستخدامها عند تعقد مشاكل البلاد وطرحها كحل نهائي، وها نحن اليوم نراه مرة أخرى يتباحث مع الجانب الروسي حول إمكانية إنشاء جمهورية فيدرالية في سوريا.

لكن سن اتفاق جديد يحل محل سايكس-بيكو ويرضي جميع القوى العالمية وتطلعاتها الجيوستراتيجية والاقتصادية يعد ضربًا من الخيال، فالجميع يبتغي مكاسب أكبر وهذا سيوصل العالم إلى الانفجار فتتصارع القوى العظمى فتحرق بنيرانها منطقة الشرق الأوسط بأكملها ليضع المنتصرون بعدها نظامًا عالميًّا جديدًا يتماشى مع مصالحهم، لكن من هو المنتصر؟ ومن سيحترق بمحرقة الشرق الأوسط؟

كلها أسئلة سنجيب عنها لاحقًا، لكن في البداية نبدأ بشرارة الأحداث، فثورات الخريف العربي كما أسميها ما هي إلا مقدمة لهذا المشروع الكبير الذي يسمى بالشرق الأوسط الجديد، إذ قبل اندلاع ثورات الخريف العربي وما عقبها من مجريات وأحداث دامية تسببت بها الثورات المضادة في المنطقة العربية، لم يكن هناك ما يدعو للتفاؤل، فالسائد هو الفرقة والتشرذم، وكَبتُ الحريات، أما لقمة عيش المواطن العربي فهي مغمسة بالذل، في حين أن أنظمة الاستبداد تزداد تجبرًا وغطرسة، ربما وحدها دول الخليج العربي كانت تبدو في سعة من أمرها، ولعل السبب في ذلك يعود لأسعار النفط التي تخطت حاجز المائة دولار للبرميل، وهو ما أتاح لبعضها تخصيص بضع عشرات من المليارات دعمًا للثورات المضادة في دول الخريف العربي التي غرقت في مستنقع من الدماء، وحالة من الفوضى أجهضت حلم هذه الشعوب في تغيير سلمي لأنظمة عسكرية شمولية لم تقدم لشعوبها وأوطانها سوى التخلف والبطالة.

حيث أن الظروف والأحداث أعلاه ساهمت بجعل المنطقة مؤهلة لأي عملية تقسيم جديد أكثر من ذي قبل، لكن الذي ينقص فقط هو اتفاق كبرى دول العام وعندما اقول كبرى أعني بأن أمريكا في المقدمة.

حيث أن الولايات المتحدة الأمريكية ومنذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي مطلع تسعينيات القرن المنصرم، بدأت فصلًا جديدًا في إدارة السياسة العالمية بأسلوب القطب الواحد، فباتت «واشنطن» مركز صنع القرار العالمي والبيئة المثالية المغلقة التي تتولى صياغة وتجنيد صناع القرار المحلي والدولي على حد سواء، وبالتالي فمن غير المسموح لأي أمة كانت أو دولة أن تنازع الولايات المتحدة على هذه القيادة بل وحتى من غير المسموح انهيار الاقتصاد الأمريكي الذي لا يضمن عملته الورقية سوى كلمة من البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، لكن مع بداية الألفية الجديدة بدأت هناك محاولات للخروج من خيمة هذه السيادة والسير باتجاه مزاحمة «السيد» على أملاكه الشرعية وتحريك قطع الشطرنج العالمي، باتجاه معاكس للإرادة الأمريكية التي تعودت لعب الشطرنج مع نفسها فقط وكانت تخرج رابحة دائمًا.

لعل هذا التحرك جاء بعد الشعور الذي بدأ يتولد لدى الدول الكبرى عن حقيقة ضعف الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد خوضها عدة حروب تعتبر خاسرة نوعًا ما في العراق وأفغانستان التي كلفت الميزانية الأمريكية الكثير من الخسائر البالغة وإضاعة الجهود والوقت، في حين كانت الدول المنافسة الكبرى تستمر بالتقدم الاقتصادي والبشري لتواكب القوة الأمريكية بعيدًا عن ضجيج الحرب ورغبة العم سام بالقتال.

لكن مهلًا هل هذا التحرك حقيقي؟ هل ضعفت أمريكا فعلًا ولم تعد قادرة على سيادة العالم؟ فهل سيستمر العالم أحادي القطب أم يصبح متعدد الأقطاب مرة أخرى؟ … إلى آخره من الأسئلة التي تخطر على الأذهان.

أولًا: إن كان هناك من سينافس الزعيم على الزعامة أو يقاسمه إياها فيجب أن نذكر المرشحين لذلك ونلخص ميزاتهم لمثل هكذا نزال مصيري مستعرضين بالأدلة والشواهد.

يعتبر الاتحاد الأوروبي من أكبر القوى العالمية الذي كان سيشكل منافسًا محتملًا للولايات المتحدة لما تملكه دول القارة العجوز من مقومات، فعلى الرغم من كل التناقضات العرقية واللغوية والتباينات الاقتصادية استطاعت هذه الدول أن تنصهر في اتحاد لم يكن يملك أي مقوم من مقومات الحياة لولا إرادة قادة وشعوب تلك البلدان ليحتضن فيما بعد المواليد الجدد لدول القارة الشرقية بعد مخاض عسير، حيث خرجت هذه الدول شبه مشوهة من رحم الشيوعية.

حيث كان من الممكن أن يصبح هذا الاتحاد قوة تنافس الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تريده تابعًا لها على الدوام لا ندًّا يزحمها ونجحت في تحييده من خلال سرطانها الذي زرعته في جسد هذا الاتحاد، إنه سرطان بأعراض «إنجليزية» مزمنة بات واضحًا، والفضل في ذلك يعود إلى حصان طروادة المتمثل في بريطانيا، حليف أمريكا وتابعها المخلص الذي جعل من الاتحاد فرسًا أعرج ولم تكتمل الوحدة.

بعيدًا في الشرق هناك »الصين« التي كانت منشغلة بنموها الاقتصادي ومنعزلة عن دائرة الصراع العالمي، هذا ما جعلها ثاني أكبر الاقتصادات العالمية وأسرعها نموًّا حيث وبحسب ترتيب الاقتصادات العالمية لعام 2015 بلغ الناتج القومي للصين 11.385 ترليون دولار بنسبة نمو قدرها 6.8 % مقابل 17.968 ترليون دولار لنظيرتها الأمريكية وبنسبة نمو قدرها 2.6 % وإن عدنا لإحصائيات 2003 لوجدنا الصين ثالثة بناتج قومي بلغ 4.98 ترليون دولار مقابل 12.3 ترليون للولايات المتحدة الأمريكية، هنا يتضح لنا العمل الجبار الذي قامت ولا تزال تقوم به بكين لسد الهوة الاقتصادية بينها وبين واشنطن بل والسعي إلى التفوق عليها لم لا، هذا كله جعل الصين قوة لا يستهان بها عالميًا، إذ بعد نجاحها في المجالين الصناعي والتجاري، ها هي تبدأ سباق تسلح للحاق بواشنطن وسد الفجوة التقنية والعسكرية بينهما إلى الحد الذي ينذر بخطر وشيك يهدد عرش العم سام، وفي الوقت الراهن بالتحديد لا يبدو في الأفق هناك صدام وشيك بين القوتين مع الإشارة إلى أن أمريكا باتت تعي جيدًا أنها لا تستطيع كبح جماح التنين الصيني الذي أفاق من سباته .

عمومًا نحرك بوصلتنا إلى الشمال فنحط الرحال عند بوابة »الكرملين« في العاصمة الروسية/موسكو، حيث بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبحت روسيا هي الوريث الشرعي لتركته العسكرية بترسانتها النووية العملاقة وتكنولوجياتها العسكرية المتطورة، بالإضافة إلى الثروات النفطية والمعدنية.

روسيا التي استمرت لعقدين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بعيدةً عن مشهد صنع القرار العالمي، إذ اليوم تعود من بوابة قيصرها الجديد «فلاديمير بوتين» التي استطاعت في السنين الماضية البروز على الساحة الدولية كقوة مؤثرة أوروبيًا وعالميًا وما احتلالها لشبه جزيرة القرم في ظرف يوم واحد واستسلام 20 ألف مقاتل أوكراني بعدتهم وعتادهم ودورها في دعم الانفصاليين شرق أوكرانيا مع عدم قدرة الدول الغربية على ردعها إلا دليلًا على ذلك، لكن من وجهة نظري المتواضعة، فإن أمريكا تعاملت مع هذا الأمر بتوريطها في الملف السوري بشكل خاص والشرق أوسطي بشكل عام في الوقت الذي تشهد أسواق النفط انهيارًا متسارعًا، خصوصًا والكل يعلم أن روسيا تعتمد على النفط بـ 40% من ناتجها القومي فهي أكبر مصدر للنفط في العالم بطاقة تصديرية وصلت إلى 12 مليون برميل يوميًا في السنوات الماضية.

بعد الاستعراض البسيط للمتنافسين »للزعامة» أود الإشارة إلى نظرية أصبحت سائدة وهي وصف أمريكا بالضعف في الحقيقة هذا يناقض ولا يتطابق مع دولة تدير شؤون العالم بشتى الطرق والوسائل المباشرة وغير المباشرة وإن مارست ذلك بشيء من التغابي والتناقض، الذي يخيل «للمتابع» بأن هناك تناقض وعدم اتفاق بين أعضاء الإدارة الأمريكية؛ مستندًا على تناقض التصريحات واختلافاتها من قبل الساسة الأمريكان، في حين أن الوصول إلى هدف معين أو تمرير خطة ما يقتضي هذا النوع من سياسة تضارب التصريحات.

قبل ختام الجزء الأول من المقال أود الإشارة إلى مقولة منسوبة إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ذي الأصول اليهودية الألمانية «هنري كيسنجر» قائلًا:«على الولايات المتحدة ألا تقوم بحل أي من المشكلات العالمية بل عليها أن تمسك بخيوطها وأن توجهها بما يخدم الأمن القومي الأمريكي».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمريكا
عرض التعليقات
تحميل المزيد