بعدما اختتمنا الجزء الأول من المقالة باستعراض موجز للمتنافسين على الزعامة الدولية وتحدثنا عن نظرية ضعف أميركا وحقيقتها، نكمل هذا الجزء؛ للوصول إلى حقيقة وتفاصيل الهولوكوست الأمريكية المرتقب حدوثها وفق المعطيات، مع أملي الشديد بعدم حدوثها.

على العموم جميعنا اليوم يعلم جيدًا بأن «إسرائيل» تلعب دورًا كبيرًا في منع الولايات المتحدة الأمريكية من أي تحرك قد يسقط نظام الأسد، وقد يتساءل أحدهم كيف لدولة صغيرة بمقاييس الدول المتعارف عليها أن تفرض قرارها على الولايات المتحدة الأمريكية أكبر قوى في العالم، وهذا ما نقصده بالتحديد عندما نتحدث عن دوائر صنع القرار الحقيقي، إنها المنظمات العالمية، وبكل ما تملكه  من أذرع سرية وعلنيه، حيث نجحت في تنصيب مسئولين ووزراء وحتى رؤساء، إذ إنها اليوم تملك مفاتيح خزائن المال العالمي، وغرف نوم قادته على حد سواء.

 

في الحقيقة إن الحكام الفعليين وصناع القرار الحقيقي هم «اليهود»، فقد أدركوا ذلك منذ عقود طويلة، بأن السيطرة على القرارات العالمية تحتاج إلى ركزتين، هما: المال، فملكوا الصناعة والتجارة والذهب والماس والنفط والبنوك … إلخ. والإعلام، فملكوا صناعة السينما ووسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة في أكثر دول العالم تأثيرًا.

الكثير من المجتمعات قد تمتلك أكثر مما يمتلكه اليهود، لكنهم لا يمتلكون الهدف، ولا إرادة العمل والتنظيم، من الأهداف التي تعمل بعض المنظمات اليهودية المتنفذة من أجلها، من توطين يهود العالم في فلسطين وصولًا إلى تحقيق السيادة اليهودية على البشرية، والجدير بالذكر أن مصالحهم التقت بهذا مع اليمين المسيحي المتطرف، الذي بدوره يرى أن حدثًا كهذا يعجل بظهور «المسيح» وحكمه العالم، وقتله لجميع الأعداء، إذ لا توبة ولا استتابة، لتحكم بعدها الديانة المسيحية العالم لألف عام، توصف في كتبهم بالرخاء والوسعة حسب معتقداتهم، والمفارقة بأن أصحاب هذه «النظرية» قد التقوا في هدفهم هذا مع الشيعة الاثني عشرية، الذين يرون في نهاية العالم تعجيلًا بظهور «المهدي المنتظر» ويجهدون بالدعاء له بالفرج، حتى إن بعضهم، كالرئيس الإيراني الأسبق «أحمدي نجاد» يصرح بأن «المهدي هو من يسير الحكومات الإيرانية، وأنه بالفعل على تواصل معه».

بعيدًا عن الموضوع الديني، وبالعودة إلى الشأن الجيوستراتيجي، فإن تثبيت الولايات المتحدة الأمريكية كقطب عالمي أوحد يقتضي التخلص من كافة المنافسين بما فيهم المنافسين الصغار الذين يريدون أخذ ما يستطيعون من مكاسب في المرحلة القادمة، وهنا أقصد تركيا.

إذ إنها، وبعد سيطرة «مصطفى أتاتورك» على مقاليد الحكم في أنقرة شعر الحلفاء بأهمية فصل الدولة التركية الفتية عن عمقها الإسلامي لمنع إية محاولات تعاون مستقبلية بينها وبين عمقها الإسلامي، فتم ذلك عن طريق وضع حكم شيعي علوي في سوريا، وقومي مناهض للأتراك في العراق؛ لفصلها عن عمقها الشرق أوسطي في الجزيرة ومصر، ودولة إيرانية كانت، وما زالت، الغريم التقليدي لتركيا، ففصلتها عن عمقها في أسيا الوسطى، متمثلةً في أفغانستان وباكستان وكل من جورجيا وأرمينيا المسيحيتين اللتين فصلاها عن البلقان وأوروبا الشرقية، وبهذا تم عزلها بالكامل؛ فأصبح إمكانية تكامل اسلامي غير ممكنة.

لا أدعي أن تركيا هي حامي حمى المسلمين، والمدافع عنهم، والساعي إلى لملمة شتاتهم، وإعادة القوة لهم؛ فهي الأخرى أيضًا تسير وفقًا لأطماعها وأحلامها بإمبراطورية عثمانية بنكهة عصرية، خاصة أن تركيا في السنين السابقة مثلت دور المارد الذي خرج من قمقمه، حيث إن تركيا، ومنذ استلام حزب «العدالة والتنمية» مقاليد الحكم في «أنقرة» وهي تشهد نهضة اقتصادية صناعية، وفي شتى المجالات، وهذا لا يمكن إنكاره، إذ في سنين قليلة أصبحت تركيا الاقتصاد رقم 17 عالميًا، بعد أن كانت قبل 15 سنة تحتل المركز 111، واستطاعت تسديد ديون بلغت حوالي 40 مليار دولار، وحققت نسبة عجز 0% في موازناتها مع نسبة نمو بلغت في بعض المراحل 9%،  ومضاعفة دخل الفرد إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه، وأصبحت تصدر منتجاتها إلى 190 دولة حول العالم من أصل 192 دولة بحجم تجارة بلغ 400 مليار دولار، وبناتج قومي بلغ 800 مليار دولار، إضافةً إلى الخطة الطموحة لرجب طيب أردوغان ورؤيته لدفع تركيا إلى مصاف أكبر 10 اقتصادات عالمية بحلول عام 2023 التي يُنظر لها كمشروع عملاق للحكومة التركية؛ لإيصال الناتج القومي التركي إلى 2 ترليون دولار وحجم تجارة خارجية 1 ترليون، ومتوسط دخل 25000 دولار للفرد، أما عن المجال العسكري، فنكتفي بذكر أن تركيا اليوم تمتلك ثاني أكبر قوة بحرية في المتوسط، كما أنها قوة كبرى في حلف شمال الأطلسي «الناتو».

تحدثت كثيرًا عن الدولة التركية وحجم قوتها! أعتقد أن الموضوع قد توسع كثيرًا فلنعد إلى لملمة أوراقه لنبين سياسة الجميع.

أولًا: لدينا الاتحاد الأوروبي الذي جهدت أمريكا لتبقيه تابعًا لا ندًا، وأعتقد أنها نجحت نجاحًا باهرًا في ذلك، وها هي اليوم تسير إلى تفكيكه، وسنتطرق إلى ذلك لاحقًا.

ثانيًا: الصين، وأظن أن الملف الصيني لم يحن أوانه بعد، ويبدو أنه منافس له حظوظه في هذا الصراع.

ثالثًا: روسيا بدأت بتأديبها من خلال انهيار سوق النفط، بعد أن زجت بها في خضمّ الملف السوري.

رابعًا: تركيا و تحالفها الإسلامي الطامحة إلى إعادة الدولة العثمانية.

سينتظر الجميع أن أضيف خامسًا إيران، لكنني لن أفعل! لأن المتابع للشأن الدولي عامة، والإيراني خاصة؛ يعلم أن إيران ليست قوة اقتصادية أو عسكرية يمكن أن توضع في ميزان القوى العظمى؛ إذ هي من وجهة نظري استغلت تأثيرها المذهبي فقط، لتجد نفسها في غفلة من الزمن قطبًا مؤثرًا في المنطقة، خاصة بعد إزاحة نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الذي كان يمثل قوةً موازيةً لإيران.

ما نشاهده اليوم في الحقيقة يشير إلى أن إيران أضعف من ذي قبل، بلد أنهكته العقوبات الاقتصادية، تخلت عن برنامجها النووي بالكامل باتفاقية، أقل ما يمكن أن نقول عنها: إنها «مجحفة» بحق الحكومة الإيرانية؛ فتخلت عن مخزونها من اليورانيوم بالكامل، وسلمت أغلب أجهزة الطرد المركزي خاصتها، وغمرت معظم مفاعلاتها العملاقة وأتلفتها، فضلًاً عن خسارتها الكثير من لا عيبها الإقليمين المعول عليهم، مع اقتصاد متهالك وترسانة عسكرية قد عفا عليها الزمن.

ومن يراهن على الفدائية والخبرة القتالية للجيش والحرس الثوري الإيراني أود تذكيره بالحرب الإيرانية –العراقية؛ إذ العراق ذلك البلد الصغير الذي تفوقه إيران اقتصاديًا وعسكريًا وبشريًا، والجميع يعلم حجم الخسائر التي تكبدتها إيران في سنين الحرب؛ اذ بلغ حجم  الخسائر الإيرانية  730 ألف قتيل و 1.2 مليون جريح و2 مليون لاجئ و 45 ألف أسير مقابل 340 ألف قتيل من الجانب العراقي و700 ألف جريح و70 ألف أسير، حسب الإحصاءات الدولية.

هذا من دولة تفوقها إيران في كل الميادين! كيف إذن بخصم يفوقها قوة، كعمالقة العالم؟ ومن يدعي أن إيران أقوى من ذي قبل، فعليه مراجعة سجلات التسليح الإيراني، وسيجد أنهم ما زلوا يتبجحون بترسانة الحرب العراقية الإيرانية المتهالكة أصلًا؛ بسبب الحصار المفروض عليها، وما نجاحات إطلاق الصواريخ، إلا نجاحات ورقية لا جدوى منها؛ إذ صدام حسين أيضا كان يخرج في شاشات التلفاز ويتبجح بإنجازات جيشه قبل عشرين عام من الإنجازات التي يتحدث عنها الإيرانيون اليوم، والأغرب أن العراق أطلق صاروخًا إلى الفضاء «صاروخ العابد» قبل إيران بـ 20 سنة. الخلاصة أن كل الدعاية والتصريحات حول قوة إيران وتأثيرها ما هي إلا تضخيم إعلامي فقط؛ تمهيدًا لخطة أعظم إن سألتم ما هي؟ الإجابة:

الشرق الأوسط الجديد :

 

عبارة ترددت أصداؤها كثيرًا في العقد المنصرم نستنتج أن هدفها الأساسي هو إعادة تقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات أصغر حجمًا لإزالة خطرها الوجودي على إسرائيل كدولة، وعلى اليهود كشعب، بالإضافة إلى استنزافها بشريًا واقتصاديًا وعسكريًا؛ لكي يسهل إخضاع هذه الشعوب، كما أنه سيوفر أرضًا خصبة؛ لإنعاش الاقتصاد الأمريكي. و لهذا التقسيم أغراض أخرى هي:

أولًا: إغراق أوروبا باللاجئين في خضم أزمة اقتصادية خانقة يعيشها العالم إلى الحد الذي وصلت به، ولأول مرة، إلى احتمالية تفكك الاتحاد الأوروبي، وبذلك تتخلص أمريكا من تابعٍ أقلقها حجمه المتزايد بشكل غير مريح، وهذا ما يتطابق مع تصريح الجنرال «فيليب بريدلوف» الثلاثاء1/3 في اجتماع مع لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي قائلًا: «إن التدفق الهائل للمهاجرين من سوريا يؤدي إلى زعزعة استقرار الدول الأوروبية التي يفرون إليها، وهذا يخدم مصالح موسكو».

ثانيًا: توريط الدب الروسي في وحل الأزمة السورية، الساعي للعودة كقطب عالمي من بوابة الأسد السورية. الأمر الذي لم يعجب الأتراك، وحكام الخليج الساعين بقوة إلى إسقاط نظام الأسد الموالي لطهران.

والسؤال المهم الآن: ماذا ستفعل «أمريكا»؟ وكيف سترمي بالجميع إلى محرقة الشرق الأوسط، وتتخلص من جميع منافسيها في هولوكوست جديدة؟

الإجابة: كل ما سوف تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية هو الاستمرار في سياسة غض البصر عن الملف السوري، ودعم ما تسميه «قوات سوريا الديمقراطية»، المتمثلة أصلا في «حدات حماية الشعب الكردية» و «حزب العمال الكردستاني pkk» الأمر الذي تعلم أمريكا جيدًا أنه لن يلاقي استحسانًا تركيًا، والتي ترى في الانفصالين الأكراد منظمات إرهابية تهدد الوحدة والأمن القومي التركي، كما أنها دفعت عرب الخليج إلى دعم الحركات الإسلامية في سوريا؛ لإسقاط بشار الذي بقى لحد الآن صامدًا بفضل دعم إيران وحلفائها.

بالتالي ستجد تركيا نفسها مضطرة للتدخل بريا في سوريا؛ لمحاربة الانفصالين الأكراد؛ لوأد أية محاولة انفصالية كردية في الشمال السوري، بالإضافة إلى إسقاط نظام الأسد. كما ستنخرط السعودية في هذا الصراع، خصوصًا وأنها تريد دورًا إقليميا أكبر بقيادة ملكها الجديد، كما أنها فهمت أن الصراع في سوريا لن ينتهي بدعم الجماعات المسلحة هناك، فوجب التدخل بريًا لكسر الهلال الشيعي، وإزالة نظام الأسد؛ للحد من الهيمنة الإيرانية كما أن مصر تمر بأزمة اقتصادية خانقة ستجد نفسها مضطرة لبيع جيشها، وإرسال ترسانتها العسكرية إلى سوريا؛ للخروج من هذه الأزمة بتبرعات خليجية. وباكستان التي تربطها بالسعودية اتفاقية دفاع مشترك ستشارك في هذه الحرب لا محالة. هذا كله سيجعل تركيا وحلفاءها في مواجهة مع الأسد وحلفائه الإيرانيين من جهة، وروسيا المتواجدة بقوة على الأراضي السورية، والتي لن تسمح لها كرامتها، ولا حلمها بالعودة للساحة الدولية من الانسحاب من العمق السوري من جهة أخرى.

وعندئذ تحترق المنطقة في حرب ضروس تلتهم نيرانها الجميع، وتكون محصلتها انهيار القوى المتحاربة في الوقت الذي ستتربح الولايات المتحدة الأمريكية كعادتها من هذه الحرب، فينتعش اقتصادها؛ من بيع السلاح، والعتاد، والدعم اللوجستي، للمتحاربين، إلى أن تنهك هذه القوى فتأتي بعد ذلك واشنطن كالفارس النبيل الذي امتطى حصانه وحمل سيفه؛ ليدافع عن العالم، وينهي الصراع العالمي الدائر، فيكون لها إعادة تقسيم هذه المنطقة، وبهذا يتحقق مشروع القرن الأمريكي بالتخلص من منافسيها المحتملين، وإنعاش الاقتصاد الأمريكي المنتعش أصلًا، وتضمن تنفيذ «سايكس- بيكو» جديدة بصورة تخدم مصالحها بصورة عامة، والمصالح اليهودية بصورة خاصة.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد