هل كان اتّهام وزير العمل والأمن الاجتماعي التركي «سليمان سويلو» في تصريحاته لقناة «هابرتورك» التركية، أمريكا بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة بتركيا من فراغ؟ أم من واقع تقارير وأدلة حصلت عليها الحكومة التركية؟ فقد قال سليمان إن «طموحات أمريكا وخططها كانت وراء محاولة الانقلاب العسكري الأخير في البلاد». وهل كان اتهام الرئيس أردوغان لفتح الله كولن -رجل الأعمال والدين المقيم في بنسلفانيا- بالتخطيط للانقلاب العسكري الفاشل، اتهامًا ضمنيًّا للولايات المتحدة الأمريكية بالتخطيط، أو دعم ومساندة الانقلاب العسكري من أجل القضاء على خصم عنيد، وشوكة في حُلوقهم؟!

تصريح الساعات الأولى

أول تصريح للولايات المتحدة الأمريكية كان خلال الساعات الأولى لوقوع الانقلاب العسكري. أدلى به وزير الخارجية الأمريكي جون كيري: «آمل في حل الأزمة والحفاظ على السلام واحترام استمرارية السلطة». وواضح من التصريح المقتضب أنه اعتبر الانقلاب أزمة، ودعا لاحترام استمرارية السلطة، والذي لم ينعتها بالمنتخبة ديمقراطيًّا.

تصريح اليوم الثاني

في اليوم الثاني للانقلاب العسكري الفاشل، غرد الرئيس باراك أوباما عبر تويتر «داعيًا كل الأطراف في تركيا إلى دعم الحكومة المنتخبة ديمقراطيًّا».  وفي اتصال هاتفي مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو أكد وزير الخارجية الأمريكية جون كيري أن بلاده تدعم بشكل مطلق المؤسسات المنتخبة ديمقراطيًّا في تركيا.

وردًّا على اتهام وزير العمل التركي الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل، أبلغ جون كيري نظيره التركي مولود جاويش أوغلو: أن الادعاءات بتورط واشنطن في الانقلاب الذي وقع في تركيا «كاذبة»، وتضر بعلاقات البلدين.

وقال جون كيربي المتحدث باسم الخارجية الأمريكية في بيان: إن كيري حث تركيا على ضبط النفس واحترام سيادة القانون أثناء تحقيقاتها في هذه المؤامرة. وأضاف: «أن الولايات المتحدة ستكون مستعدة لتقديم المساعدة للسلطات التركية التي تباشر هذا التحقيق، ولكن التلميحات أو الادعاءات العلنية عن أي دور للولايات المتحدة في محاولة الانقلاب الفاشلة كاذبة تمامًا، وتضر بالعلاقات الثنائية بيننا».

رسائل السفارة الأمريكية بأنقرة

أصدرت السفارة الأمريكية في أنقرة بيانًا اعتبر ما يجري في تركيا انتفاضة أو ثورة، دون أن يشير إلى وجود انقلاب عسكري على الحكومة المنتخبة، وحثت السفارة المواطنين الأمريكيين في تركيا على توخي الحذر، وعدم الاقتراب من مناطق الصراع إذا كانوا قرب تواجد لقوى الأمن أو الجيش.

وفي تحليل لها بصحيفة واشنطن بوست، نسبت الكاتبة «كارين دي يونغ» إلى مسئولين في وزارة الدفاع الأمريكية قولهم يوم الجمعة، إنهم كانوا: «على علم بما يحدث في تركيا، لكنهم ما يزالون يحاولون تحديد آثار ذلك على عمليات الولايات المتحدة». وقالت: إن «استعادة حكومة أردوغان للسلطة ربما تكون شائكة ومخيفة أكثر من أي وقت مضى».

الاهتمام الأمريكي بتركيا

«عندما ننظر إلى محيط تركيا المباشر نرى القوقاز والبلقان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى وجزءًا من جنوب آسيا، وباختصار نرى جوار تركيا التاريخي. وجميع هذه المناطق مراكز مهمة يُتوقع أن تشهد مفاجآت وتغييرات، وهي المسرح الأساس للمنافسة بين القوى الجديدة، لذلك، فإن تركيا شريك أساس مهم من الناحية الإستراتيجية لأي قوة -وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية- تريد أن يكون لها تأثير في هذه المناطق، وأن تستفيد من التحولات من دون أن تؤدي إلى الفوضى، وبطريقة تساهم في تحقيق الرفاة الاقتصادي». انظر التداعيات الجيوستراتيجية للثورات العربية.

انطلاقًا من هذه الرؤية، فإن الولايات المتحدة يهمها في الأساس أن يكون  النظام الحاكم في تركيا متوافقًا مع سياستها في المنطقة، ومنسجمًا مع خططها في هذا المحيط، ومتعاونًا معها طواعية دون ندية. وأعتقد أن حكومة العدالة والتنمية، والرئيس أردوغان لا يروقان للولايات المتحدة، ولا للاتحاد الأوروبي، ولا لغيره.

«وكلا الجانبين يتسم بخصائص متكاملة جدًّا، إلا أن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة تمر بمرحلة صعبة، في زمن بات التعاون أمرًا ضروريًّا».

قصة التدخلات الأمريكية في المنطقة والعالم

والقصة قديمة من يوم قررت الولايات المتحدة إنهاء عزلتها الدولية في بداية القرن العشرين، وبدء التدخل في الشؤون العالمية باحتلال الفلبين سنة 1901، وجعلها منطلقًا لتدخلاتها في اليابان والصين وكوريا، ثم اشتراكها عسكريًّا في الحرب العالمية الأولى في الجبهة الفرنسية؛ مما أتاح للرئيس الأمريكي ويلسون أن يكون رئيسًا لمؤتمر الصلح في فرساي سنة 1919، والذي أعلن التزامه بحق اليهود في إقامة دولة إسرائيل في فلسطين. ثم بدأ التدخل في العالم الإسلامي سياسيًّا واجتماعيًّا، فقد كشف السفير الأمريكي ببغداد سنة 1928 عن تقرير: فيه تفصيل أخبار العوائل العراقية المتعاونة مع السفارة في خطة إسفار نساء العراق وترك الحجاب. ثم شواهد وقوفها خلف انقلاب 2013 في مصر كبيرة.

تقارير مؤسسات الأبحاث الأمريكية للقادة

في تقرير عن مؤسسة (راند) للأبحاث: «أن على أمريكا أن تغير تصنيفها لأعدائها، فبعد سنوات من اعتبار (القاعدة) هي العدو الأول: يجب أن يكون (الإخوان المسلمون) الآن هم العدو، لأنهم حازوا مراكز قوة بعد الربيع العربي، وهم جماعة تتميز بالصلابة في المواقف، وفشلت محاولات تسييرهم بموازاة السياسة الأمريكية، ولذلك ضربهم وإنهاء حكمهم، ولأن أكثر التيار السلفي يحالف الإخوان اليوم: فإن على أمريكا أن تتوجه نحو الجماعات الصوفية وتساعدها وتعمل على تمكينها، والنموذج الصوفي التركي أفضل من غيره». الردة عن الحرية.

وفي تقرير مؤسسة (راند) عام 2003، يتبين منه التوجه الأمريكي لبناء مشروع الشرق الأوسط الجديد، والعمل على تطوير نظم ديمقراطية تتناسب مع توجهاتها، مع إيلاء أولوية للقوى الإسلامية المعتدلة، يقول التقرير: «إضعاف الإسلاميين المعادين للولايات المتحدة، وتشجيع الليبراليين والحداثيين (أظهر استطلاع في تركيا بشأن التعاطف مع الولايات المتحدة، نتائج سلبية جدًّا) والعمل نشرًا وتوزيعًا على الإنتاج الفكري للمؤيدين للولايات المتحدة في المنطقة (أمريكا تحتضن فتح الله كولن، وأنقرة تطالب بتسليمه، وتتهمه بالوقوف وراء الانقلاب، كما تتهم تنظيمه المتغلغل في مفاصل الدولة والجيش بالإرهابي، وتسميه التنظيم الموازي)، وتشجيع الشباب الليبراليين على الكتابة لوسائل الإعلام، وإدخال الفكر الليبرالي في مناهج التعليم الديني، وإيجاد منابر (كالفضائيات) ليعرض الليبراليون أفكارهم من خلالها، وتشجيع منظمات المجتمع المدني، وتعزيز التباينات بين الإسلاميين، والقوى التقليدية (كالأقليات والقبائل وزعماء الريف)، وتشجيع المبادئ الفقهية التي تساند السلام مع إسرائيل، وتشجيع الطرائق الصوفية (التي ينتمي إليه فتح الله كولن)، وربط «المتطرفين» بحركات غير شرعية، وتأكيد عجز القوى المتطرفة عن إدارة الدول، وتعزيز مشاعر الدونية لدى المنتمين إلى الحركات المعادية للولايات المتحدة، وتعزيز الانشقاقات في صفوف الإسلاميين، وتأكيد فكرة أن فصل الدين عن الدولة يؤدي إلى تعزيز الدين». التداعيات الجيوستراتيجية للثورات العربية.

علاقة أمريكا بالانقلابات السابقة في تركيا

كشفت التقارير فيما بعد تأييد الولايات المتحدة للانقلابات التركية، بداية من إطاحة عدنان مندريس رئيس الوزراء التركي في انقلاب 1960، بسبب تقاربه مع الاتحاد السوفيتي.

ثم دعم ممدوح تاجماك في انقلاب المذكرة بتشكيل وزارة علمانية سنة1971، واستخدمت الاستخبارات التركية مدربين من المخابرات الأمريكية في استجواب المعارضين.

ثم دعمت حليفها كنعان إيفرين، في انقلاب سنة 1980، ونقل الخبر رئيس الاستخبارات الأمريكية إلى الرئيس كارتر قائلًا له: «لقد فعلها أصدقاؤنا».

وفي انقلاب 1997 ذكرت صحيفة «ذا نيويوركر» الأمريكية، أن المخابرات الأمريكية كانت مسؤولة عن تدريب جنود ومدنيين أتراك كتنظيم…» وأجبروا أربكان على التنحي.

والسؤال الآن هل بعد هذا السرد التاريخي والمعلوماتي، تقف الولايات المتحدة فعلًا خلف الانقلاب الفاشل على الرئيس أردوغان في 2016؟! وهل ستكون هذه هي المحاولة الأخيرة أم ستتبعها محاولات أخرى؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد