يسعى البعضُ إلى اجتذاب أمريكا باعتبارها أم “الحريّات” لكنها لا تتعدى كونها أم “أربعة وأربعين”، فلا هي تُساندُ الضعفاء ولا هي تُناصر المظلومين، بل ترتدي قناعًا يواري نيَاتها الخبيثة، وغاياتها المُجرمة، ورغباتها التي لا تخفى على أحد، فأمريكا تأتي مع الديكتاتور على حساب الشعب، وتقف بجانب القوي على حساب الضعيف، وتدعم الباطل على حساب الحق، فشعارها الأول والأخير هو “المصلحة”، ولا صوت يعلو فوق صوت “السيطرة”، أو بمعنى أدق، الرغبة في السيطرة.

 

ولِكُل من ظنّ –سهوًا- مُساندة أمريكا لأي من الثورات العربية التي اشتعلت في الآونة الأخيرة والتي نُطلق عليها –إعلاميًّا- ثورات الربيع العربي، أحيلهم إلى بعض مقتطفات من كتاب ”الثورة العربية والثورة المضادة أمريكية الصنع” لجيمس بتراس وترجمة د.فاطمة نصر، والذي يؤكد فيه أنه للسياسات الخارجية الأمريكية تاريخ طويل من تنصيب الأنظمة الاستبدادية التي تساندُ سياستها ومصالحها الإمبريالية طالما أبقت على التحكم في شعوبها، وتمويل تلك الأنظمة وتسليحها ودعمها.

 

فيقول: ”في الماضي عمل الرؤساء الجمهوريون والديموقراطيون عن كثب ولمدة تربو على الثلاثين عامًا مع ديكتاتورية (تروجيلو) بجمهورية الدومينيكان، قاموا بفرض نظام (دييم) الاستبدادي في فيتنام ما قبل الثورة في خمسينيات القرن الماضي، وتواطؤوا مع جيلين من أنظمة (عائلة سوموزا) الإرهابية في نيكاراجو، قاموا بتمويل ودعم الانقلاب العسكري في (كوبا) عام 1952م، وفي (البرازيل) عام 1964م، و(تشيلي) عام 1973م، و(الأرجنتين) عام 1976م، وما تلى ذلك من أنظمة قمعية.

 

وحينما تحدت الانتفاضات الشعبية تلك الديكتاتوريات المدعومة أمريكيًّا، وبدا أنه من المحتمل نجاح الثورات الاجتماعية والسياسية كان رد فعل واشنطن هو اتباع سياسة ذات مسارات ثلاثة: النقد العلني لانتهاكات حقوق الإنسان، والمطالبة بإصلاحات ديموقراطية، والعمل سرًّا على إرسال إشارات دعم للحكام، وثالثًا: البحث عن نخبة بديلة يمكن أن تحل محل الأنظمة القائمة، وتحافظ على أجهزة الدولة وأنظمتها الاقتصادية، وتدعم مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية الإمبريالية.

 

لا تُبقي الولايات المتحدة على علاقات إستراتيجية دائمة، بل فقط على مصالح إمبريالية أي الحفاظ على أجهزة الدولة العميقة، وبما أن الديكتاتوريات تفترض أن علاقتها بواشنطن إستراتيجية فإن قادتها يصابون بالصدمة حينما تتم التضحية بهم كأشخاص من أجل إنقاذ جهاز الدولة.

 

حينما تخشى واشنطن اندلاع الثورات تقوم بتدبير اغتيال الحكام المستبدين غير الراغبين في الإصلاح أو التنحي (تروجيلو وديييم)، فيما توفر لبعضهم ملاذات آمنة بالخارج (سوموزا وباتيستا)، أو تمارس ضغوطًا على البعض الآخر من أجل تقاسم السلطة (بينوشية)، أو تُعيّن عددًا منهم أساتذة زائرين بجامعات نخبوية مثل هارفارد وجورج تاون.

 

تقوم حسابات واشنطن حول موعد إجراء التعديلات على النظام على أساس تقديرات قدرة الحاكم المستبد على الصمود في وجه الانتفاضات السياسية، وقدرة القوات المسلحة وقوتها وولائها ووجود بديل مرن مطواع.

 

تتمثل مخاطر الانتظار أطول مما يجب والتمسك بالديكتاتور الحاكم في احتمال تطرف الانتفاضة بحيث يكتسح التغيير الناجم النظام وجهاز الدولة، وتتحول الانتفاضة السياسية إلى ثورة اجتماعية، حدث مثل هذا (الخطأ في الحسابات) تحديدا عام 1959م أثناء مسيرة الثورة الكوبية، حينما ساندت واشنطن باتيستا وعجزت عن طرح تحالف بديل قابل للحياة وموال للولايات المتحدة ومرتبط أيضا بجهاز الدولة القديم.

 

حدث خطأ آخر في الحسابات في (نيكاراجو) حينما اتخذ الرئيس كلينتون موقفا سلبيّا فيما وجه النقد العلني لسوموزا، وظل على موقفه فيما أطاحت القوات الثورية بالنظام وقضت على قوات الجيش والشرطة السرية وجهاز الاستخبارات المدربين أمريكيّا وإسرائيليّا، ثم مضت تؤمم أملاك الولايات المتحدة وتطور سياسة خارجية مستقلة.

 

ومن ثم تحركت واشنطن بسرعة وزخم أكبر في أمريكا اللاتينية في ثمانينات القرن الماضي، حيث قامت بمساندة حكومات منتخبة تم التوافق عليها بحيث حلت محل الحكام المستبدين، سياسيون نيوليبراليون منتخبون تعهدوا بالحفاظ على جهاز الدولة القائم، والدفاع عن النخب الأجنبية والمحلية من الأثرياء وأصحاب الامتيازات، ودعم سياسات الولايات المتحدة الإقليمية والدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمريكا
عرض التعليقات
تحميل المزيد