لتحد من ظاهرة الخمر و المخمورين عليك بإباحته اولا

خلال القرن الماضي خرجت مظاهرات في كل أرجاء أمريكا تطالب بمنع الكحول، بعد ارتفاع في جرائم القتل والسرقة والعنف الممارس ضد المرأة والأطفال.

خرجت النساء في الشوارع كلهن صوتٌ واحد، ووصل شعارهن: «الشفاه التي لامست الخمر لا يحق لها لمس شفاهنا» إلى آذانِ الحكومة الأمريكية وأجبرها على النظر إلى مطالبهن.

سنة 1920 تم حظر الخمر في أمريكا، بقانون فيدرالي يحظر بيع وتصنيع ونقل المشروبات الكحولية تمامًا، وحمل اسم «قانون فولستيد» – قانون رقم 18 – نسبة لأندروا فولستيد، رئيس مجلس القضاء في مجلس النواب.

أثار القانون جدلًا واسعًا في الولايات المتحدة، فالمؤيدون وصفوا الحظر بالتجربة النبيلة وقدموه كانتصار للأخلاق الحميدة وصحة العامة. فيما اتهم المعارضون مؤيدي الحظر بفرض توجهات بروتستانتية ريفية على أبناء المدن.

ذاك اليوم تحولت الشوارع الأمريكية إلى أنهار من الخمر، الأمريكيون يرمون زجاجات الخمر في الشوارع والكازينوهات تحمل الفؤوس وتضرب البراميل وتسيلها في الأرض.

علينا كقراء ألّا نتفاعل عاطفيًا مع أي خبر نسمعه، وأن نضع مشاعرنا الشخصية جانبًا ونبحث في أصل الموضوع؛ فها هو ذا آل كابون، أعتى رجال المافيا في أمريكا، ينظر للمشهد وعلامات النصر والجشع بادية على وجهه، إنه في قمة السعادة بسبب قانون الحظر!

حال دخول قانون رقم 18 حيز التنفيذ، تسبب في نتائج كارثية على الاقتصاد الأمريكي؛ إذ أُجبرت مصانع المشروبات الكحولية على إتلاف منتجاتها وإغلاق أبوابها؛ وقد أسفر ذلك عن تسريح العديد من العمّال؛ مما تسبب في تزايد نسبة البطالة.

وبسبب غياب المشروبات الكحولية أفلست العديد من المطاعم الأمريكية وأغلقت أبوابها. طيلة فترة العمل بالقانون رقم 18 خسرت الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 11 مليار دولار على شكل ضرائب ورسوم جمركية فرضت سابقًا على المنتجات الكحولية، فضلًا عن ذلك أُجبرت الإدارة الأمريكية على إنفاق ما يقرب من 300 مليون دولار من أجل تدعيم قرار حظر المنتجات الكحولية.

في أثناء ذلك وتزامنا مع بداية العمل بقانون حظر الكحول، شهدت الأنشطة الإجرامية ارتفاعًا مذهلًا، زاد نشاط العصابات الإجرامية بكثير وتضاعف دخلها مئات المرات، هذا لأن نشاط العصابات كان محدودا في الدعارة والقمار والأعمال الإجرامية العادية، لكن بعد تحريم الخمر أصبح لهم نشاط رئيس مهم جدًا: تهريب الخمور! [1]

تزايد نفوذ رجال العصابات، الذين عمدوا إلى تصنيع الكحول وبيعها بطريقة غير قانونية محققين أرباحًا خيالية، ولعل أبرز هؤلاء الخارجين عن القانون كان آل كابوني، والذي كان يحقق بمفرده أرباحًا سنوية بلغت قيمتها 60 مليون دولار.

اندلعت حروب عصابات مميتة شكلت ملامح العشرينات والتي لقبت بذات الزئير «Roaring Twenties»، إضافة إلى كل هذا ارتفعت نسبة الفساد بين رجال الشرطة الأمريكية الذين لم يٌمَانعوا من أخذ الرشوة مقابل غض النظر عن الأنشطة غير القانونية لرجال العصابات.

وخلال إقدامهم على صناعة الكحول وترويجها بشكل غير قانوني، لم يتردد رجال العصابات في استخدام مواد سامة ومضرة بالصحة، وبسبب ذلك سجلت نسبة الوفيات بسبب التسمم عن طريق الكحول ارتفاعًا واضحًا خلال فترة العمل بالقانون رقم 18، وكان الحديث حينها عن وفاة ما لا يقل عن ألف أمريكي سنويًا بسبب الكحول السامة.

وبعد حوالي 10 سنوات فطنت الحكومة الأمريكية أن الجريمة التي منعت الخمور لأجل الحد منها قد زادت أضعافًا مضاعفة بسبب منع الخمور، فهذا ما يحصل عندما تُحرم شيئًا مرغوبًا به جدًا.

عندها قررت الحكومة النظر من جديد في قانون 18 الذي يحرم الخمر، جن جنون زعماء المافيا وجن جنون آل كابون، إمبراطور الخمر الأمريكي، فهو الآن مُهدد بالقُعودِ في بيته.

لأول مرة في تاريخ الإجرام والمجرمين، يدعو بعض المجرمين بعضًا إلى اجتماع طارئ، اجتماع يضم كبار زعماء عصابات الإجرام في أمريكا والعالم، في اجتماع حمل اسم «Atlantic City Conference».

قاعة مؤتمرات وكأنها أعدت للأمم المتحدة يجلس بها جوني توريكو، الملقب بالثعلب، زعيم المافيا في شيكاجو، ولوسيانو المحظوظ، وهو زعيم المافيا في الولايات المتحدة الأمريكيه كلها، وحضر الاجتماع أيضًا إمبراطور القمار في العالم فرانك كاتيلو والكثير من رجال الأعمال القذرة.

«الحكومة منعت الخمر.. أرادت أن تحد من العنف.. لكن ما حدث أن هناك زيادة في العنف، والآن تريد الحكومة أن تسمح بالخمر مرة أخرى بعد أن عرفوا خطأهم». بهذه العبارات افتتح زعيم المافيا في الولايات الأمريكية كلها المحظوظ لوسيانو المؤتمر، لقد كانت صدمة شديدة وفاجعة كبرى للمافيا، فقد كانوا يتاجرون فيه بأغلى الأثمان، عندما كان محرمًا كان غاليًا، وكونه متاحًا يعني أنه لا قيمة له.

إن قوانين المنع الصارمة ومداهمة البوليس، والمحاكمات الشديدة والمنع بهذه الطريقة قد جعل رذيلة الخمر تنزل إلى العالم السفلي، عالم المافيا حيث يتضاعف سعرها 100 مرة على الأقل؛ مما جعل المدمن غير القادر على كبح جماحه، والذي كان يشتري هذه الأشياء بسهولة وبنقود قليلة، مستعد لأن يفعل أي شيء ليحصل على ذلك المبلغ الرهيب ليسد تلك الحاجة.

إن الأعراض الانسحابية للخمر أخطر من الأعراض الانسحابية للهيروين، وهذا ما لم تفطن له الحكومة الأمريكية، فتحويل الشوارع لأنهار من الخمر لن يغير من نفسيتهم المدمنة.

إن النفس هي أشد شيء يمكنك أن تحاربه، وهذه الأشياء تخلق لنفسك رغبات رهيبة أشد بـ100 مرة عن رغباتها العادية، فالخمر يجعل الأعصاب تسبح في بحر من الدوبامين، فتشعر بسعادة لا مثيل لها.

كان على الحكومة الأمريكية أن تقدم الطبيب بدلًا عن البوليس، والمدربين النفسيين بدلًا عن الحظر التام للخمر، فلا توجد علاقة بين شدة القوانين وبين زيادة المستهلكين السكارى.

سنة 1930 دق رئيس مجلس النواب مطرقته معلنًا إباحة بيع الخمور من جديد، فخسر الأباطرة تجارتهم وبقي السُكارى يترنحون من زقاق إلى زقاق. ومن جديد، حالات اغتصاب وقتل، عُنفٌ ممارس على الأم والابن.

سنة 2013 استضاف الطبيب النفسي الأمريكي دكتور فيل طفلين توأمين في عمر 15 سنة، هما جورجيا ووالكر باترسون إينمان الثالث.

اكتشفتهم الشرطة الأمريكية معذبين بقبو أبيهم، وهو رجل مافيا أمريكي سكير، وأثناء التحقيق مع الطفلين اكتشفت الشرطة انه قد تم حرمانهما من الأكل لمدة أسبوعين، وزاد على ذلك تعذيبهما بإطفاء السجائر على أجسادهم الهزيلة، وحمل أدوات حادة وضربهما بها، كالسكين الذي طعن الأب ابنه والكر به. لقد قالا إن سبب تعذيب أبيهم لهم أنه قد كان مخدرًا طوال اليوم والوقت. [2]

وفي سنة 2020 ظهر شاب يدعى رينهارد سيناجا، بإنجلترا، يستغل المترنحين، ويأخذهم الى بيته بهدف مساعدتهم للاتصال بأحد أقربائهم، فيخدرهم ويمارس معهم الجنس، فاستغل واغتصب ومارس الجنس مع أكثر من 200 رجل. [3]

أرقام مفجعة سببها غياب العقل، والمُتضرر هو الفرد والمجتمع وحتى الاقتصاد الأمريكي متضرر بشدة، وهنا نطرح ما لخصت إليه دراسة حديثة صادرة من مراكز «السيطرة على الأمراض والوقاية منها»، وهي منظمة محلية أمريكية، تفيد بأن الاستهلاك المفرط للمشروبات الكحولية يكيد الاقتصاد الأمريكي ما قيمته 250 مليار دولار، وأن ضعف الإنتاجية في مكان العمل، الناتج عن احتساء المشروبات الكحولية بصورة مفرطة، قد كبد الاقتصاد الأمريكي زهاء 77 مليار دولار في العام 2010.

وأضافت الدراسة المنشورة في الدورية الأمريكية للصحة الوقائية أنه عند ضم تلك التكلفة مع الإجازات المرضية التي يحصل عليها الموظفون ومعها عوامل أخرى، تصل الخسارة الإجمالية لأكبر الاقتصاديات العالمية إلى 90 مليار دولار.

أمريكا لن تعيد التجربة التاريخية على جيل اليوم، فهم شعوب تتعلم من التاريخ وتطبق ما جاء فيه من نتائج، لكنها لا تطبق ما جاء من تعاليم في علم النفس والاجتماع لتحد من الظاهرة.

وهنا أتطرق إلى العربي، فما هو الفرق بين ذاك العربي الذي يتسلل بين الأزقة ليلا مرتعشا مرتعبا ينظر يمينا وشمالا وهو في طريقه إلى المخمرة وذاك العربي الذي يسافر وهو في أرضٍ كلها عنبٌ أحمر، لكنه لا يقرب شفاهه من القارورة؟ فحتى أراضي الكنيسة تسقى خمرا لتنظيفها لكنه يمتنع! إنه الوعي والإيمان! الوعي بأن هذا الشراب الأحمر، بالرغم من منظره الفاتن إلا أنه لا خير فيه، والإيمان أنه بالرغم ما يحمله من نشوة وسعادة، إلا أن شره أعظم.

أنا متأكدة أن علماء النفس والاجتماع الأمريكيين أعلم، وأن البروباجندا الأمريكية التي أقنعت الإنسان أن أصله حيوان قادرة على إقناع الإنسان بترك الخمر، لكن هل ستفعل يومًا ما؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد