تشهد الساحة الأفريقية منذ أمد بعيد صراعًا بين القوى الكبرى في العالم، ما بين فرنسا وبريطانيا أكثر الدول الاستعمارية التي استعمرت الدول الأفريقية سابقًا، والآن الحراك والتنافس لنيل وكسب ود الأفارقة، يأتي من الصين والولايات المتحدة الأمريكية، اللتين تتسابقان على كسب ود الدول الأفريقية، وتقدم برامج اقتصادية وتنافسًا حادًا في الدخول في شراكات مع الأفارقة في كافة الأصعدة.

فكانت زيارة وزير الخارجية الأمريكي ريكس تليرسون الأخيرة، لعدد من الدول الأفريقية والتي شملت كلًّا من إثيوبيا وجيبوتي وتشاد ونيجيريا، وكانت الزيارة لإعادة الثقة للأفارقة في الإدارة الأمريكية، عقب التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي ترامب، عن المهاجرين الأفارقة والهايتيين والتي وجدت إدانة من القادة الأفارقة، في القمة الأخيرة للتصريحات غير المسؤولة والهجومية لترامب.

زيارة تليرسون لإثيوبيا

وعقب وصول وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في زيارته الرسمية، كان في استقباله لدى وصوله مطار بولي الدولي، عدد كبير من المسؤولين الإثيوبيين، يتقدمهم وزير الخارجية الدكتور ورقنه جبيو، وجاءت الزيارة لأول مسؤول أمريكي، عقب الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي السابق أوباما، وحديثه للقادة الأفارقة في مقر الاتحاد الأفريقي، وقدم تليرسون كعادة أي مسؤول أمريكي عددًا من التوصيات والتوجيهات فيما يخص حالة الطوارئ، التي أعلنتها إثيوبيا الشهر الماضي، وطالب بأن لا تعيق الطورائ حرية المواطنين، وقدم العديد من المطالب التي دائمًا ما تتقدم بها القيادة الأمريكية للدول الأفريقية، والتي تتمثل في التهديد والوعيد، ومحاولة فرض وصايا على السياسة التي تتبعها الحكومات الأفريقية.

وخلال الزيارة وتواجده في إثيوبيا، أعرب وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، يوم الخميس، عن قلقه فيما يخص حالة الطوارئ التي فرضت في إثيوبيا، والتي أعلنتها مؤخرًا حكومة الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية، في أعقاب الاحتجاجات المناهضة للحكومة، في عدد من المناطق في إقليم أروميا.

وقال تيلرسون: «لقد أعربت الولايات المتحدة عن القلق إزاء قرار الحكومة لفرض حالة الطوارئ مرة أخرى، لأنها تفرض قيودًا على الحقوق الأساسية، مثل التجمع والتعبير عن الرأي والتظاهرات السلمية».

وقال «نعترف بأن الانتقال السياسي للسلطة جار في إثيوبيا، وهو أول انتقال طوعي للسلطة، وأعتبر ذلك رمزًا إيجابيًا للغاية يشير إلى قوة الديمقراطية المزدهرة والمتطورة في إثيوبيا».

وقد أشاد تليرسون بجهود الحكومة الإثيوبية، لإطلاق 6500 سجين من السجناء السياسيين والنشطاء، في إطار تعهد حكومي بـتوسيع المشاركة السياسية في البلاد.

وقد أجرى رئيس الوزراء الإثيوبي هيلي ماريام دسالنج، ووزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، محادثات حول القضايا الثنائية ذات المصالح المشتركة خلال زيارته لإثيوبيا. قدم رئيس الوزراء توضيحًا لتليرسون، حول جهود إثيوبيا في محاربة الفقر، وتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. وأعرب هيلي ماريام عن تقديره للمساهمة التي قدمتها حكومة الولايات المتحدة لتحقيق هذا الجهد.

وقال أيضًا: «إن إثيوبيا تقوم بالانتقال من الاقتصاد الذي يقوده القطاع الزراعي ودعا الولايات المتحدة للوقوف إلى جانب إثيوبيا لمواصلة جهودها».

كما قدم رئيس الوزراء توضيحًا لتيلرسون، بأن الهدف من حالة الطوارئ هو استعادة السلام والأمن على وجه السرعة في البلاد.

وحسب مصادر إثيوبية داخلية، إن وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون صرح قائلًا: «إن الولايات المتحدة ستدعم حالة الطوارئ التي أعلنتها إثيوبيا لإعادة سلامتها وأمنها إذا كانت لا تضر بالمواطنين وحقوقهم، كما حذر من انتهاك حقوق الإنسان المحتمل وقوعه».

الزيارة والقضايا الأفريقية

خلال مناقشته مع رئيس الوزراء الإثيوبي، اتفق الجانبان على اتفاقيات للحفاظ على تعاونهما، لضمان السلام والأمن في القرن الأفريقي، مع إعطاء الأولوية لقضايا الصومال وجنوب السودان، وقد التقى وزير الخارجية الأمريكي برئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، السيد موسى فكي محمد، في مقر الاتحاد الأفريقي، وناقش الجانبان عددًا من القضايا التي تخص أفريقيا والولايات المتحدة، وأكد فكي أن تصريحات ترامب الأخيرة أصبحت في الماضي وأن القادة الأفارقة تجاوزوا هذه المرحلة، مما يوضح أن هنالك اتفاقًا توصل إليه الجانبان، حول الآراء والتصريحات التي صدرت من الرئيس ترامب، الشيء الذي وجد رفضًا من القادة الأفارقة، خلال القمة الأخيرة التي عقدت في أديس أبابا.

وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده الجانبان بعد مناقشتهم، قال وزير الخارجية الأمريكي إن بلاده حريصة على دعم اتفاقية التجارة الحرة للقارة.

واعترف ريكس تيلرسون أيضًا بدعم البلدان الأفريقية في مكافحة الإرهاب للحفاظ على الأمن ليس فقط في دعمها المالي ولكن أيضًا في التضحيات البشرية، كما أشار إلى أن زيارته لأفريقيا هي مؤشر على الدور الحيوي للقارة في مصلحة الولايات المتحدة في المستقبل، وحاول تليرسون أن يكسب ود الأفارقة بتأنيبهم على شريكهم الاقتصادي الصين متهمًا الصين بأنها خلال مشاركتها في الاستثمار في القارة الأفريقية لم تقدم فرص عمل للأفارقة محاولًا زعزعة ثقة الأفارقة في الصين الشريك الاقتصادي لكل الأفارقة، ناسيًا أن القاعة والمقر الذي يتحدث منه هو صيني المنشأ.

أفريقيا بين الصين وأمريكا

دائمًا ما يقدم الأمريكان شروطًا وقيودًا للأفارقة في أي اتفاق يتم التوقيع عليه، حتى يعدوا بمساعدة دول القارة الأفريقية، وما زال الحراك التجاري لأمريكا مع دول القارة الأفريقية حتى العام 2013 ضعيفًا مقارنة بالصين التي تفوق مشاركتها أمريكا، حيث بلغت مشاركة الصين ثلاثة أضعاف مشاركة أمريكا، والنموذج المثالي المشاركة الصينية في التنمية الإثيوبية، التي أصبحت نموذجًا للعلاقة الأفريقية الصينية، في ظل تبني العديد من المشاريع التنموية، وما بين هذا وذاك تعمل الصين بصورة متسارعة واضعة بصمات كبيرة أصبحت خير دليل لجديتها في التعاون مع الأفارقة في كافة المشاريع مما جعلها شريكًا استراتيجيًا في التنمية التي تحققت في عدد كبير من الدول الأفريقية في وقت ما زالت واشنطن تحاول أن تلعب بالجزرة والعصا مع تلك الدول التي حاولت مرارًا وتكرارًا التقرب لأمريكا دون أن تجد شيئًا يستحق الانحياز لها في كل أفكارها وقراراتها، وأتت سياسة الرئيس الحالي ترامب التي خلفت فجوة كبيرة ما بين أفريقيا وحكومة الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى، الشيء الذي قد يعمل على ابتعاد أمريكا من الساحة السياسية الأفريقية بصورة كبيرة.

تظل الصين صديقًا للأفارقة في كافة المحافل وشريكًا استراتيجيًا شاء الأمريكان أم رفضوا، وهذه الصداقة لها ما يقويها إذ قدمت الصين لأفريقيا ولدولها العديد من المشاريع والقروض والبرامج والإسهامات خلال العقود السابقة، الشيء الذي جعل أمريكا تتخوف من حراك التنين الصيني في القارة الأفريقية.

استراتيجية أمريكا في القارة

تحاول أمريكا دائمًا أن تتحرك ببعض المفاهيم في حراكها تجاه القارة الأفريقية، حيث إنها تقوم بوضع استراتيجية خاصة بها في التعامل مع القارة الأفريقية، ومن هذه الاستراتيجية وعناصرها الهامة، التي تساعدها في تنفيذ مخططاتها في أفريقيا، وهنالك ثلاثة عناصر دائمًا ما تلجأ إليها الولايات المتحدة الأمريكية للتحرك في أفريقيا، وهي محاولة تقديمها فكرة أنها تبحث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان للإنسان الأفريقي مدافعة عنه أمام حكوماته، ولكن بالرغم من هذا، لم يجد الأفارقة شيئًا يذكر من واشنطن، سوى الوعيد والتهديد والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية، فكان أن اتجه بعضها على الشرق الآسيوي للبحث عن حليف اقتصادي وسياسي قوي.

زيارة الرئيس أوباما السابقة لإثيوبيا، كان يصحبه فيها حوالي 50 ممثلًا لكبرى الشركات الأمريكية، والتي وعدت إثيوبيا للدخول في السوق والاستثمار الإثيوبي، وتقديم خبراتها وتجاربها لإثيوبيا، ودخلت عدد كبير من شركات الدول الآسيوية والأوروبية في المشاركة في المجمعات الصناعية، دون أن تدخل أي من الشركات الأمريكية الكبرى، وما أن انتهت الزيارة حتى أصبحت الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية حبرًا على ورق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد