في استراتيجيتها البحرية الجديدة والعشرين، تركّز الولايات المتحدة على دور قواتها البحرية في دعم سيطرتها العالمية، حيث إن الغرض من هذه الاستراتيجية هو تأمين القدرة على التدخل ما وراء البحار، عبر نشر المزيد من قطعاتها البحرية حول العالم، وتعزيز تحالفات أمريكا القائمة، وبناء تحالفات جديدة، والمشاركة في المناورات العالمية، وصنع الوكلاء عبر العالم، خصوصًا في المنطقة الهندو آسيوية للمحيط الهادي، في سعي للتعامل بشكل أكبر مع مسألة نهوض القوى البحرية الصينية وتوسعها هناك، مما يدل على نية الولايات المتحدة في السيطرة على التجارة في المحيط الهندي والهادي وحتى احتكارها، وتقييد الاستخدام العسكري أو الاقتصادي للمحيطات من قبل دول أخرى.

وتهدف هذه الاستراتيجية، بشكل أساسي، إلى التدخل لمنع قدرة الصين على الدفاع عن مناطق اتصالها البحرية، هذا التدخّل الذي تعيقه الصواريخ الصينية المضادة للسفن، والتي تثير قلق واضعي الاستراتيجية.

إقامة تحالفات جديدة

ولتحقيق أهداف استراتيجيتها، تعمل واشنطن على تقوية التعاون مع حلفائها التاريخيين كأستراليا، اليابان، نيوزلندا، كوريا الجنوبية وتايلاند، كما تسعى لإقامة شراكات جديدة مع دول أخرى في المنطقة مثل بنغلاديش، بروناي، الهند، إندونيسيا، ماليزيا، سنغافورة، وفيتنام. هذا يعني أن الولايات المتحدة ستحكم الطوق حول القوات البحرية الصينية في بحر الصين الجنوبي، وبالتالي تمنع تحركاتها في المجال العملياتي الأوسع، كالمحيط الهندي الذي يشكّل منطقة أخرى للمواجهة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، فضلاً عن فرض سيطرتها على منطقة مصالح الصين، وسيزداد التوتر في بحر الصين الجنوبي؛ حيث الخلاف على ملكية عدد من الجزر والمناطق البحرية بين كل من ماليزيا وتايوان وفيتنام وبروناي والفلبين والصين، فالأخيرة سيطرت على العديد من المناطق المتنازع عليها وشرعت بفرض الأمر الواقع عبر توسعة الجزر وإقامة جزر صناعية وتطوير منشآت اقتصادية وعسكرية.

وزير الدفاع الأمريكي ينقل الثقل العسكري بمحاذاة الصين

في السياق نفسه صرح وزير الدفاع الأمريكي بانيتا يوم السبت 2 حزيران 2012 في سنغافورة، أمام منتدى أمني سنوي، شارك فيه زعماء سياسيون وقادة عسكريون من 30 دولة، من منطقة آسيا والمحيط الهادي: ستنقل أمريكا غالبية سفنها الحربية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي بحلول عام 2020 «فيما أسماه بعملية إعادة التوازن للقوات الأمريكية»، سنعيد نشر أسطولنا البحري وبذلك سنضع 60 % من سفننا الحربية هناك ارتفاعًا من 50 % الآن مع الاحتفاظ بست حاملات طائرات في المنطقة، وسننشر معظم الغواصات والمدمرات والطرادات والسفن القتالية الساحلية، في هذه المنطقة بحلول عام 2020 كما أشار إلى الاتفاق مع سنغافورة على نشر أربع سفن قتالية بمحازاة الجزيرة التي تشرف على مضيق ملقا الاستراتيجي.

وجاءت زيارة وزير الدفاع الأمريكي وتصريحاته في وقت تجدد فيه التوتر بشأن بسط السيادة في بحر الصين الجنوبي على مضيق ملقا، وهو مضيق استراتيجي من الناحية التجارية والاقتصادية، تمر من خلاله 40% من التجارة العالمية.

المناورات في بحر الصين الجنوبي والبحر الأصفر

في الإطار نفسه تعزز أمريكا من نفوذها في بحر الصين الجنوبي عن طريق عمل مناورات مشتركة مع عدد من الدول التي تتحكم في ممرات الملاحة في هذا الجزء المهم من العالم، تمهيدًا للسيطرة الفعلية علي تلك المنطقة التي تعد محلاً للعديد من النزاعات وربما التدخل لردع التمدد الصيني في تلك المنطقة الحيوية، حيث عكف فريق عسكري مشترك على توسيع التعاون العسكري الأسترالي الأمريكي «عام 2010»، وتم الاتفاق على التحضير عمليًّا لكبح جماح الصين، باختيار موانئ مدن «بيرث» و«داروين» و«بريسبان» كقواعد بحرية لإيواء حاملات الطائرات الأمريكية المجهزة بالسلاح النووي، لغلق المنافذ البحرية أمام الصين، وخلال شهر تشرين الثاني 2011، اتفقت الحكومتان رسميًا على تكثيف الحضور العسكري الأمريكي في أستراليا وزيادة عدد جنود مشاة البحرية «المارينز»، وكذلك القوة الجوية الأمريكية في منطقة شمال أستراليا، تحسبًا لتفاقم الخلافات مع الصين.

بالإضافة إلى قيام أمريكا بعدة مناورات عسكرية مع كل من اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وتعديل الاتفاق مع الفلبين لاستخدام 5 قواعد عسكرية بغرض حماية الاستقرار في بحر الصين الجنوبي، وقامت أمريكا مؤخرًا بعدة مناورات في 2016 ومارس 2017 مع اليابان وكوريا الجنوبية بهدف الاستعداد لأي هجوم محتمل من كوريا الشمالية.

وجدير بالذكر أنه تتمركز في اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وسنغافورة العشرات من القواعد العسكرية، وبعضها يحتوي على أسلحة نووية منذ الحرب الباردة.

معضلة الصين الكبرى

على الجانب الآخر تشكل تلك المعضلة المشكلة الرئيسية للصين، حيث تسير معظم تجارة الصين في هذا المضيق الذي يفصل بين ماليزيا وإندونيسيا «تسيطر عليه أمريكا بقواعد عسكرية في سنغافورة القريبة»؛ حيث تمر منه معظم وارداتها النفطية «حوالي 70%»، مما يشكل خطورة جيوسياسة في حالة نشوب حرب أو تعرض المضيق للإغلاق، مما يؤدي إلى تصاعد كبير جدًا في أسعار المحروقات؛ لأن هذا سوف يضيف آلاف الأميال إلى رحلات نقل الغاز في حالة البحث عن طرق بحرية بديلة، وهو ما يرفع التكلفة التي تُحدث انعكاسات كبيرة.

تأمين إمدادات النفط من تركمنستان وروسيا

لجأت الصين إلى تأمين بدائل من إمدادات النفط الخام؛ حيث من المتوقع أن يرتفع الاستهلاك الصيني عام 2035 من 6 إلى 13 مليون برميل يوميًّا، وفي ظل الوضع المتوتر في جنوب الصين عملت بكين على مد خطوط لنقل الغاز من تركمنستان.

كما تم البدء بمشروع ضخم مع روسيا يطلق عليه مشروع قوة سيبريا يهدف لضخ 38 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى الصين، وبهذه الخطوط تكون الصين قد أمنت جانبًا كبيرًا من احتياجاتها المستقبلية اعتمادًا على الفضاء الجيوسياسي الصيني بعيدًا عن مناطق النفوذ الأمريكي.

استراتيجية اللؤلؤ

تعتمد الاستراتيجية الصينية في مواجهة الحصار البحري الصيني على عدة محاور من أهمها استراتيجية اللؤلؤ أو الانتشار في عدد من القواعد والموانئ في المحيط الهندي لتأمين المجرى الملاحي، حيث تعتمد الصين في 90% من تجارتها على الممرات المائية، كانت الصين قد أقامت قاعدة عسكرية في جيبوتي وقبلها كانت قد وضعت قدمًا في ميناء جوادر الباكستاني وبندر عباس الإيراني بعد سلسلة من الاتفاقيات الثنائية بين الصين وكل من باكستان وإيران، وبذلك يمتد خيط اللؤلؤ من جزيرة هاينان في بحر الصين الجنوبي مرورًا بجوادر وبندر عباس في بحر العرب إلى القاعدة العسكرية في جيبوتي.

أمّا الركن الآخر فهو حماية المنطقة الساحلية الشرقية للصين، والتي تتضمن المنطقة الاقتصادية الأكثر حيوية في البلد «شنغهاي وما حولها»، ويكون ذلك وفق مبدأ الدفاع عن البحار في الخارج، وذلك من خلال توسيع امتداد الحماية البحرية لمسافة تبعد مئات الأميال عن السواحل الصينية، عن طريق إنشاء قواعد في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، ونشر غواصات في المحيط الهندي وامتلاك قواعد ما وراء الإقليم. ويسمح الموقع الجغرافي الفريد للصين بفرض السيطرة على بحارها المحلية «البحر الأصفر، وبحر شرق الصين وبحر الصين الجنوبي»، وهو ما يثير حفيظة واشنطن؛ إذ يُفقدها السيطرة البحرية في المنطقة، وضمن عناصر استراتيجية الصين العسكرية، قيامها بتزويد أسطولها البحري بحاملتي طائرات، كما أنها نقلت الاتجاه العملياتي لقواتها الجوية من الشمال نحو الجنوب، منذ أواخر عهد الحرب الباردة وتسوية علاقاتها مع موسكو. وتنفّذ القوات الجوية الصينية تدريبات عسكرية في أعالي البحار تقول إنها «نشاط عسكري عادي روتيني لتعزيز قدراتها على حماية السيادة الوطنية والأمن الوطني والمصالح التنموية.

قناة كرا إيسثموس

بالتوازي مع استراتيجية اللؤلؤ، تعمل الصين على إيجاد حلول بديلة لممرات الصادرات والواردات حتى تتجنب المرور في ممرات تسيطر عليها البحرية الأمريكية، في ظل عدم وجود قانون ينظم عملية المرور، إذ قامت شركة تابعة للصين بالبدء في شق قناة بديلة شمال مضيق ملقا في برزخ كرا إيسثموس (جنوب تايلاند)؛ مما يشكل أفقًا جديدًا في صناعة البدائل الجيوسياسية.

إذ يبلغ برزخ «كرا إيسثموس» الواقع جنوب تايلاند حوالي 44 كلم، عند أنحف نقطة فيه، ومن المتوقع أن يستغرق، حال البدء بتنفيذه، في حدود 5 سنوات، مع تكلفة أولية تقدر بـحوالي 19.9 مليار.

يسمح هذا المشروع بالخروج من تحكم الدول المشرفة على المضيق، ففي حال أنجز المشروع ستكون الصين هي القائم المباشر على إدارة القناة، وبذلك تتفادى الصين أهم العوائق الجيوسياسية التي تعرقل خطتها التوسعية.

مشروع جوادر

تمتلك الصين العديد من البدائل الجيوسياسية بسبب مساحتها الشاسعة، واتصالها الحدودي بالعديد من الدول المحورية في منطقة آسيا الوسطى، واستغلالًا لحالة العداء التاريخي بين كل من الهند وباكستان، والهند والصين من جانب آخر، قامت الصين بالتحالف مع باكستان وإنشاء عدة مشاريع تربط بين مدينة كاشغر غرب الصين، وميناء جوادر في باكستان، المطل على بحر العرب، في تحدٍ جديد للجارة النووية الهند المتحالفة مع أمريكا.

هذا المشروع يضمن إيجاد طريق بديل ومختصر لنقل النفط الخليجي من بحر العرب إلى غرب الصين، دون المرور بمضيق ملقا، في خطوة إضافية لفك الحصار العسكري المفروض عليها من قبل أمريكا، ولهذا السبب تحديدًا تقوم بكين بتمويل إنشاء ميناء جوادر على بحر العرب، بالإضافة إلى طريق وسكة حديد ومد أنابيب لنقل النفط لمدينة الصينية، وتبلغ حجم الاستثمارات الصينية ما يقرب من 46 مليار دولار.

قناة نيكارجوا

قامت مجموعة قناة نيكاراغوا (الصينية) للتجارة العالمية ببدء العمل بقناة نيكارجوا عام 2014؛ لربط الشرق الأقصى بشرق أمريكا الشمالية، وغرب أوروبا؛ مما يعزز الوضع الاستراتيجي للتجارة الصينية، ويطرح طرقًا تجارية بديلة لا تخضع للأسطول الأمريكي، إذ يبلغ الطول المحتمل لقناة نيكاراغوا 278 كلم، بينما يبلغ طول قناة بنما حوالي 77 كلم، وبرغم أنها أطول ثلاثة أضعاف من قناة بنما، إلا أنها تعتبر الأقرب إلى الشمال عمومًا، والولايات المتحدة خصوصًا، لا سيما للسفن الآتية من الشرق الأقصى اليابان والصين تحديدًا.

إذ سيصبح بإمكان السفن من حمولة 400 ألف طن، المتنقلة بين فنزويلا والصين اختصار شهرين من زمن الرحلة. ويمكن للسفن المتنقلة بين شنغهاي وبالتيمور اختصار 4000 كلم مقارنة بالرحلة من قناة السويس، واختصار 7500 كلم بالمقارنة مع الرحلة حول رأس الرجاء الصالح.

كما سيتم إقامة مناطق اقتصادية حرة صينية تحديدًا على جوانب القناة؛ مما يساعد على تسهيل وتنشيط التجارة (نفس الفكرة التي طرحها الرئيس المصري السابق محمد مرسي في مشروع محور قناة السويس).

يمثل حضور الصين إلى المحور الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، أو ما يطلق عليه الحديقة الخلفية لأمريكا، تحديًا جديدًا لأمريكا، إذ يمكن وضعه ضمن الخانة السياسية وليس فقط الاقتصادية، خصوصًا بعد الدعم الروسي للمشروع.

فهو يشكل أحد محاور فك الطوق الذي تحاول الولايات المتحدة تكبيل الصين به، لمنع صعودها أو التخفيف منه؛ بغية ترتيب أوراقها مستقبلًا.

طريق واحد حزام واحد (طريق الحرير الجديد)

في سبتمبر/ أيلول عام 2013، أعلن الرئيس الصيني في خطاب ألقاه بجامعة دار باييف في كازاخستان، مبادرةً في السياسة الخارجية، تهدف إلى تعزيز أواصر التعاون الدولي والتنمية المشتركة في مختلف أنحاء العالم، مبادرة الحزام والطريق.

والفكرة تقوم على تسهيل التجارة مع 65 بلدًا تمثل 60% من سكان العالم، وتهدف إلى إحياء طريقي الحرير البحري (الحزام) والبري (الطريق) اللذين كانا يربطان الصين بالعالم قبل ثلاثة آلاف عام، ويتم من خلالهما تبادل السلع والمنتجات كالحرير والعطور والبخور والتوابل والعاج والأحجار الكريمة وغيرها، وكذلك تبادل الثقافات والعلوم.

في إطار هذا التصور تم تدشين خط سكك حديد يبدأ من شرق الصين عند مدينة ييوو، ويصل إلى مدينة لندن في خلال 16 يومًا.

وحسب تقرير لمجلة فورين بولسي الأمريكية ،أن خط (ييوو– لندن)، يوضح طموحات الصين الجيوسياسية التي تتضمن سياسة حزام واحد، طريق واحد التي تهدف لإعادة بناء طريق تجارة الحرير الذي كان يصل الصين بآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا.

يقول فرانس بول فان دير بوتين، الخبير في العلاقات الأوروبية-الصينية بالمعهد الهولندي للعلاقات الدولية: إن «طريق الحرير الجديد» يدمج العديد من أهداف السياسة الخارجية لدى الصين، فالاستثمارات الصينية في مشاريع الطاقة والسكك الحديدية ومرافق المواني في أوروبا، وعلى حواف سواحل المحيط الهندي، قد تدر على الصين أرباحًا جيوسياسية أكبر من العائدات الاقتصادية.

يتابع فان دير بوتين القول: «إنه يمكّن الصين من تقوية نفوذها الدبلوماسي في آسيا وإفريقيا وأوروبا، ما يعوّضها عن الضغط الجيوسياسي الذي تواجهه في شرق آسيا من الولايات المتحدة واليابان».

مؤشرات قيام حرب عالمية ثالثة بين الصين وأمريكا

على الرغم من جبروتها العسكري الذي لا يضاهى، لم يكن لواشنطن أن تتخلّى عن الهيئات الدولية، وحشد الحلفاء لتبرير حروبها التي لم تنتج سوى سلسلة من الأخطاء ومراكمة الفشل، بدءًا من تدخّلها في الصومال، ثم حملتها على يوغسلافيا السابقة، ووصولًا إلى غزو أفغانستان والعراق، والحرب على الإرهاب، انتهاءً بحصار الصين.

ترى هل تنجح الاستراتيجية الأمريكية في تحجيم النفوذ الصيني، وكبح جماحه، ووضع الصين تحت السيطرة مرة أخرى؟ أم تنجح الاستراتيجية الصينية المرنة في الإفلات من الكماشة الأمريكية؟ أم ينتهي الحال إلى قيام حرب عالمية ثالثة في جنوب شرق آسيا تدمر الاقتصاد العالمي؟

من يفوز ومن يخسر في تلك الحرب الجيوبوليتيكية، هذا ما ستوضحه السنوات القليلة القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد