لعل أول ما يتبادر لذهن القارئ لدى وقوفه على العنوان هو أننا سنغوص في نظرية المؤامرة ونتحدث عن الأدوار الاستخباراية الغربية والأمريكية بالتحديد في نشأة تنظيم داعش ونموه، ولكننا سنتجاوز هذه النقطة، وسنسلم بأن نواة داعش كانت قائمة بذاتها ولم تؤسسها أيدي المخابرات، مع الأخذ بالاعتبار التوجه خارجي النزعة لدى قادتها، الذي ينطوي على تكفير واسع النطاق ومعاداة كل من لم يشترك معهم في مشروعهم اشتراك تبعية، ومن ثم فإن نقطة البحث هنا هي تضخم داعش ماديا وخغرافيا وأمنيا، وليس تكوين داعش وعوامل نشوئها.

 

لا زال البعض يجادل في الدور الغربي الأمريكي، وغيره من الأطراف الإقليمية المستفيدة، في خلق داعش “المتوسعة” بهيئتها الحالية، وإعاقة كل ما يمكن أن يؤدي أو يساهم في القضاء عليها، متجاهلا المصالح المتشابكة إقليميا ودوليا التي تتلقف أي ظاهرة أمنية ودينية لتوظفها في خدمة أجنداتها، ولو من باب الدعاية المضادة، فنظام الأسد أصبح لديه مبرر أكثر وجاهة أمام المجتمع الدولي لاستمراره في نهج القمع والإبادة بحق الشعب الثائر، وسلم يصعد عليها لاستعادة شرعيته السياسية المهدرة شكليا.

 

إيران عثرت في داعش على فزاعة ثمينة تسوق الشيعة العرب إلى أحضانها أفرادا ومجموعات دون تردد، وكذلك الأنظمة الطائفية التي وجدت فيه طوق نجاتها في مواجهة التوترات التي أحدثتها في المجتمع نتيجة سياساتها الإقصائية، أما أنظمة الثورات المضادة فقد وجدت أخيرا غطاءا اجتماعيا لسياساتها التخريبية بذريعة مكافحة الإرهاب والتطرف، أما فلول الأنظمة البائدة فكان لهم شأن لافت مع داعش، عندما اختار بعضهم ركوب موجة محاربة التطرف فيما اختار البعض الآخر منهم الاندساس في صفوف التنظيم، لعلهم ينتقمون من الإسلاميين الذي قادتهم ثورات الربيع العربي إلى السلطة بعد إزاحة تلك الأنظمة الفاسدة المفسدة.

 

أما الأجندات الأمريكية فيما يتعلق بتوظيف داعش فهي أبسط من ذلك وأعقد في آن معا، إذ إن أهداف كل طرف في منطقتنا من توظيفه لداعش هي بحد ذاتها هدف أمريكي، وبعبارة أوضح، فإن حالة التوظيف متعدد الجهة هي حالة مطلوبة أمريكيا، لأنها تمكّن صانع القرار في البيت الأبيض من التحكم بخيوط جديدة في اللعبة السياسية والعسكرية والأمنية في المنطقة.

 

لقد دأبت إدارة الرئيس باراك اوباما عند التحدث عن هدف حربها على داعش على القول إنها تسعى “للحط من قدرات داعش والقضاء عليه في نهاية المطاف”، نعم الحط من قدرات داعش أي خفضها وليس تدميرها، لأن القضاء عليه سيستغرق وقتا طويلا ولن يحدث إلا في “نهاية المطاف”، مطاف سيدوم قرابة 20 عاما، كما ترغب الـCIA  وكما يرغب البنتاغون، ففي تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية، سيستغرق القضاء على داعش نحو 20 سنة، وفي تصريح لرئيس أركان الجيش الأمريكي، الجنرال راي أوديرنو، يحتاج الأمر ما بين 10 إلى 20 عاما.

 

بالتأكيد ليست هذه التقديرات دليل واقعية إدارة أوباما، لأن هذه الواقعية لا تدعمها الكثير من الحقائق على الأرض التي لا تدع مجالا للشك حول مماطلتها ورغبتها الأكيدة بتأخير القضاء على داعش، ليس آخرها برنامج التدريب الأمريكي الذي تديره البنتاغون، بهدف تمكين عناصر المعارضة السورية “المعتدلة” من قتال داعش والمساهمة بدحره في سوريا، وقد تحول هذا البرنامج إلى نكتة سمجة بفضل استراتيجيته الفاشلة، باعتراف المسئولين الأمريكيين، ومن ثم فإن هذه التقديرات المتشائمة التي تضع 20 عاما نصب عينيها للقضاء على داعش، ليست سوى رغبات تأخذ بعين الاعتبار المصالح الامريكية الآنية والاستراتيجية في الشرق الأوسط، فالمفاوضات والمساومات والعلاقات بالأصدقاء والأعداء جميعها على حد سواء تدفع إدارة أوباما لتوظيف داعش والاستفادة من الفرص السياسية والأمنية التي يوفرها صعوده بدلا من القضاء عليه.

 

من محاسن الصدف أو من مساوئها ربما، أن شعار مقاتلي داعش ومقولتهم الشهيرة التي باتت ترمز لأهم خصاص دولتهم المزعومة هو “باقية وتتمدد”، بينما يتكفل البنتاغون والسي اي ايه والبيت الأبيض عبر سياساتهم المدروسة بتعزيز تحول الشعار لواقع عملي، فضلا عن توفير وسائل الإعلام الغربية البيئة الملائمة لنموه من خلال ترويج دعايته الأساسية بأنه “دولة” و”إسلامية”، ما يعينه على إقامة الخلافة على منهاج الأسد أو السيسي أو السي آي إيه أو أي شيء ما عدا النبوة.

 

لا شك أن الحقائق التي تشير إلى عظم الدور الخارجي في تضخم داعش أكثر من أن تحصى، وما ذكرناه هنا ليس سوى أمثلة محدودة، لكن السؤال الملح في هذا الصدد هو لماذا تتعمد إدارة أوباما تمديد عمر داعش وتأجيل استحقاق القضاء عليه لسنوات طويلة؟ الخبراء يتحدثون عن أن المصالح الاستراتيجية لأمريكا في منطقتنا تتمثل في ملفين تتفرع عنهما مجمل الملفات الأخرى، وهي أمن إسرائيل، وتأمين منابع النفط وانسيابية مرور شحناته التجارية إلى خارج المنطقة، لكن المصالح التكتيكية أو الآنية أضيق من ذلك بكثير، وهي تتبدل دوما، ولربما بدت يوما ما أنها في اتجاه مغاير للمصالح الاستراتيجية والحقيقة أنها جميعا في اتجاه واحد ولكن تختلف الرتبة والأولوية.

فالاتفاق النووي الذي أبرمته الدول الكبرى وعلى راسها الولايات المتحدة مع إيران كان دون شك هدفا تاريخيا سعى له أوباما بكل ما يملك، ويهدف من خلاله – بالإضافة إلى ضمان عدم حصول النظام الإيراني على سلاح نووي – إلى احتواء “الجمهورية الإسلامية” وإعادة دمجها بالمصالح الأمريكية وإعادتها للحظيرة الدولية، وفقا لتعبير المسؤولين الأمريكيين، وهو وإن كان هدفا آنيا إلا أنه مثل أولوية للإدارة الأمريكية الحالية، حتى أن معارضة إسرائيل الشديدة للاتفاق لم تمنع إبرام الاتفاق، وفي هذا الصدد، قام أوباما بتوظيف كل الأوراق الممكنة لدفع إيران نحو التوقيع على الاتفاق، بما في ذلك الملف السوري، ترغيبا وترهيبا، وصعود داعش واقترابه من الحدود الإيرانية وتهديده للحكومة الموالية لإيران في بغداد، وهو الحدث الذي أنطق الرئيس حسن روحاني لأول مرة بالتعبير عن استعداد طهران للتعاون والتنسيق مع واشنطن في مكافحة داعش.

 

ومن أهم مظاهر توظيف الإدارة الأمريكية لتنظيم داعش وتوسع نطاقه الجغرافي تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة، في مقدمة المساهمين فيه الدول الخليجية، وهي التي ترتبط معها بعلاقات حلف باتت مهددة أكثر من قبل، بسبب السياسات الأمريكية التي بات بعض الخليجيين يرون انها تقوض أمنهم ولا ترعى مصالحهم، وعلى رأسها التقارب المعلن مع إيران والتراخي مع نشاطاتها التي تستهدف هذه الدول، ما يستدعي حضور خطر شبيه بخطر داعش يجمع الأصدقاء على جهود مواجهته، ولا يترك مجالا لهذه “ألمنغصات” بالدخول بينهم!

 

وفي مظهر ثالث من مظاهر التوظيف الأمريكي لداعش، نجد أن إدارة أوباما الذي بدأ عهده عام 2008م بسلسلة خطوات لفك العزلة واستمالة ما كان يسمى بمحور الممانعة، وفي مقدمته نظام بشار الأسد، عبر السماح لسوريا بدخول منظمة التجارة العالمية بصفة مراقب تمهيدا لاكتساب العضوية الكاملة، ثم إرسال السفير روبرت فورد، قد تلكأ في دعم الثورة السورية بالطريقة التي فعلها مع الثورات المصرية والتونسية والليبية، ولم يتخذ موقفا واضحا إلا بعد 6 أشهر من اندلاعها، ليطالب الأسد بالتنحي، وهو الموقف الذي تبين لاحقا أنه كان للاستهلاك أكثر منه للتنفيذ، حتى وصف البعض سياسة المجتمع الدولي تجاه الاسد وجرائمه لاحقا بأنها نوع غير مسبوق من “الدلال” مقارنة بأقرانه، وبلغ ذلك ذروته مع مجزرة الكيماوي، التي تخطت الخط الأحمر لأوباما، خط تبين أنه لم يكن أحمر تماما، بل قابلا للتلون بالأخضر، بشرط تسليم سلاح الجريمة، وكان هذا يحدث بينما كان داعش يتمدد ويسيطر على المدن والقرى في شرق البلاد وشمالها، مستقويا بضعف الفصائل التي واجهته، ومتسلقا على سياسات منع تسليح الثوار السوريين، وتجاهل الثوار العراقيين، لينتهي المطاف بقرار إدارة أوباما تحويل ملف داعش إلى أمن قومي استراتيجي يحظى بالأولوية على كل ما سواه، ولو كان هذا “السوى” معاناة شعوب ودماء مئات آلاف الضحايا.

 

شكلت ظاهرة المقاتلين الأجانب قلقا غربيا عاما وأمريكيا خاصا، حتى صرح وزير الداخلية الأمريكي، قبل 3 سنوات ما مفاده أن ملف المقاتلين الأجانب بات خطرا على الأمن القومي، لكنه شكل أيضا مخرجا آمنا لـ”طرد” ذوي الميول المتطرفة من المجتمع والبلاد وتجريدهم من الجنسية. وكانت صحيفة التلغراف البريطانية أوضح من السياسيين الغربيين عندما نشرت تقريرا حول هذا الموضوع عنونته بـ”علينا السماح للجهاديين بالذهاب إلى سوريا بشرط ألا يعودوا”، وهذا الاقتراح في حقيقته كان محل تنفيذ قبل طرح بعامين، وعلى نطاق واسع جدا، فهذا المقاتل إما أن يقتل أو أنه لن يتمكن من العودة لأنه سيعاقب بالسجن مع تجريده من الجنسية، وفقا للقوانين التي أقرت منذ نحو عام، وهو ما يؤكد بأن داعش جرى توظيفه في تحقيق غاية لم تكن لتتحقق لولاه.

 

خامسا وأخيرا، دأبت السياسة الأمريكية على تبني قضايا الأقليات بغض النظر عن حقيقة المظلومية أو الاضطهاد الذي يتعرضون له، وأخذت على عاتقها تبني حقوق الأكراد شمال العراق، ومع انفلات الوضع في سوريا وظهور داعش في شمال البلاد، فتحت واشنطن باب التعاون مع مليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي التابع لحزب العمال الكردستاني، وراحت تروج وما زالت لكون الأكراد أفضل من يقاتل داعش ويدحره، ومن ثم وجب دعمهم بقوة، مع ما يعنيه ذلك من تكريس لمطالب انفصالية، تستغلها الإدارة الأمريكية تقليديا في الضغط على الدول الإقليمية وتستخدمها كورقة ترفعها في وجهها عند اللزوم وتخفضها عند انتفاء الحاجة إليها، المهم أن صعود داعش كان له دور بامتداد اليد الأمريكية لتصافح حزبا مليشياويا انفصاليا في سوريا، وتكفلت وسائل الإعلام الغربية بإلباسه ثوب البطولة الوطنية ومكافحة الإرهاب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد