منذ أن وطئت أمريكا أرض العراق وهي تمشي بخطى ثابتة في تحقيق استراتيجيتها في المنطقة ومن أهمها إعادة رسم وهيكلة مشروع سايكس بيكو، وتفكيكه، وإعادة تركيبه، ورسم حدوده من جديد، والانتقال به من مرحلة الدول الضعيفة إلى مرحلة الطوائف الأضعف المتناحرة المتقاتلة فيما بينها يضعف بعضها بعضًا، ولكن آلياتها تختلف بين فترة وأخرى وربما تتخبط هنا وهناك بحسب الأحداث على الأرض ولكنها لم تحد عن هدفها الرئيسي التي جاءت من أجله!

ويبدو أن اتفاقية سايكس بيكو أوشكت على النفاذ لذا نلاحظ تحركا سياسيا عسكريا في المنطقة، وتسارع للأحداث ينذر بتحولات كبرى في المنطقة، وفق خطط استراتيجية معدة مسبقا ومنذ عقود!

في مطلع الثمانينات 1980 صرح مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق للأمن القومي «بريجنس» قائلًا: «إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولى التي حدثت بين العراق وإيران تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح اتفاقية سايكس بيكو».

وبعد هذا التصريح بدأ الإعداد بشكل مكثف لخارطة جديدة للشرق الأوسط تبنتها دوائر الاستخبارات الأمريكية الإسرائيلية.

ماذا تعرف عن خطة «أودد ينون»؟

042616_1838_1.jpg

أعلاه صورة «أودد ينون»، يقف خلف أرييل شارون، رجل خفي وغامض، عمل في دائرة المخابرات الإسرائيلية، وهو العقل المدبر للعديد من استراتيجيات حزب الليكود الذي يهيمن على الحكم حاليًا في الكيان الصهيوني.

نشرت مجلة «كيفونيم» الإسرائيلية خطة «أودد ينون» في شباط 1982 بعنوان «استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات» كما قامت كل من مجلة القوات المسلحة التابعة للجيش الأمريكي في عام 2006 ومجلة أتلانتيك الشهيرة في عام 2008 بنشر خرائط عُممت على نطاق واسع تتابع عن كثب الخطوط العريضة لخطة ينون.

وترتكز خطة ينون على فرضيتين رئيسيتين، الأولى: أن تكون إسرائيل قوة إمبريالية إقليمية.

والثانية: إعادة تقسيم العالم العربي إلى دويلات صغيرة غير فعالة وغير قادرة على الوقوف في وجه هذه القوة الإمبريالية الإسرائيلية.

ويرى ينون فائدة أخرى في إرساء شرعية دولة إسرائيل، بما أن كل طائفة ستكون لها دولة – حسب خطته التي تقسم البلدان إلى دويلات طائفية – فوجود دولة يهودية يصبح مبررًا من الناحية الأخلاقية.

ويقول «إسرائيل شاهاك» وهو الحقوقي الأمريكي الإسرائيلي الذي ترجم الخطة للغة الإنجليزية تحت عنوان «خطة إسرائيل في الشرق الأوسط» أن فكرة تقسيم الدول العربية إلى دويلات صغيرة بعد سايكس بيكو هي إحدى الأفكار التي طرحت مرارًا وتكرارًا في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي.

وترى أمريكا وإسرائيل أن في العراق تحديا كبيرا لموقعه الاستراتيجي في قلب الأمة لذا وجب إضعافه وتقسيمه كما جاء في خطة «ينون» إن تفكيك العراق إلى مناطق عرقية ودينية متناحرة يجب أن يكون الأولوية الأولى لإسرائيل على جبهتها الشرقية.

ويرى ينون أن يتم تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات طائفية ضعيفة صغيرة:

دولة سنية تكون محاذية لسوريا.

ودولة شيعية تكون في جنوب العراق.

ودولة كردية تكون في شمال العراق.

وضمن خطة ينون للشرق الأوسط الجديد فإن الدولة السنية في العراق سوف يستقطع لها من الأراضي السورية، كما يستقطع للدولة الشيعية أراضٍ من جنوب السعودية والكويت، أما الدولة الكردية بحسب خطة ينون فإنها سوف تضم أراضٍ تركية وإيرانية وسورية لدولتهم المرتقبة.

إضافة إلى تقسيم سوريا إلى أربع دويلات ولبنان ومصر وليبيا والسعودية حتى يكون الشرق الأوسط الجديد عبارة عن دويلات طائفية ضعيفة لا تستطيع أن تواجه الإمبريالية الإسرائيلية!

هل مرت عليك خطة برنارد لويس وخرائطه؟!

ولد «برنارد لويس» في لندن عام 1916م، وهو مستشرق بريطاني الأصل، يهودي الديانة، صهيوني الانتماء، أمريكي الجنسية. وبعد مرور عشر سنوات من طرح خطة ينون حصلت بعض التطورات في المنطقة كانت بداية رسم الخطوط العريضة لتطبيق هذه الخطط ورسم الخرائط الجديدة بخاصة بعد غزو القوات العراقية للكويت ثم تواجد القوات الأمريكية في المنطقة رسميا بحجة حماية الحلفاء، بعدها خرجت خرائط برنارد لويس في عام 1992!

وفي مقابلة صحفية مع «لويس» في عام 2005 قال بالنص: «إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، وإذا تُرِكوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، وتقوِّض المجتمعات، ولذلك فإن الحلَّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية، وفي حال قيام أمريكا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة؛ لتجنُّب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان، إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك، إما أن نضعهم تحت سيادتنا، أو ندعهم ليدمروا حضارتنا، ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية!».

وتكشف خرائط برنارد لويس أن يتم تقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية عرقية متناحرة وتفتيت الدول العربية الخمس (العراق والسعودية وسوريا ومصر وليبيا) إلى أربع عشر دولة تقسيمًا طائفيًا عرقيًا! كما هو موضح في الخريطة المرفقة، وهي امتداد لخطة أودد ينون.

أمريكا في العراق

خريطة برنارد لويس التي تقترح تقسيم خمس دول عربية إلى أربعة عشر دويلة طائفية.

خطة جو بايدن في عام 2006

عندما كان نائب الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن عضوا في مجلس الشيوخ عن ولاية ديلاوير الأمريكية في العام 2006، اقترح تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق ذات استقلال شبه ذاتي للشيعة والسنة والأكراد، وهي امتداد لخطة «أودد ينون» وخرائط «برنارد لويس» وتم رفض خطة بايدن من قبل إدارة بوش في حينها، وعللوا ذلك بحرصهم على وحدة العراق ومركزية الحكومة! والحقيقة غير ذلك تماما، ففي تلك الفترة لم تكن الأرضية مهيأة لطرح مشاريع لتقسيم العراق التي كانت ترفضها بشدة الحاضنة السنية العراقية إضافة إلى قوة المقاومة العراقية التي ترتكز على تلك الحاضنة العريضة، والتي تمتلك القوة والقدرة على منع أي قرار أمريكي أو إيراني لتقسيم العراق، في حين كانت تدعو إليه شيعة العراق وكرده!

فكان يتطلب على أمريكا مزيدًا من العمل وتهيئة المناخ المناسب لطرح المشروع من خلال الضغط على سنة العراق لقبول المشروع بل ليكون مطلبا جماهيريا لهم، ويصبح حلًا وحيدًا لاستقرارهم وحفظ دمائهم!

خريطة بايدن المقترحة على الكونجرس الأمريكي لتقسيم العراق لثلاثة أقاليم طائفية.

تقرير قناة الجزيرة حول خطة بايدن.

إن الأهداف الرئيسية في خطط أمريكا وإسرائيل الاستراتيجية لتقسيم المقسم وإضعاف الضعيف هو السيطرة الكاملة على شعوب المنطقة، وحصرهم في صراعات طائفية وعرقية، وإشغالهم عن معركتهم الحقيقة، ومنعهم من الخروج من الوصاية الأمريكية، والتحرر الكامل من أي نفوذ أجنبي، الذي يفضي إلى تحقيق حلم الشعوب المسلمة في العيش كأمة واحدة، الخطر الحقيقي الذي يهدد النظام الدولي ويبشر بانهياره إلى الأبد.

دعونا نستعرض أهم الخطوات التي اتخذتها أمريكا في العراق تماشيا مع هدفها الاستراتيجي التي جاءت من أجله، وتناغما مع مشروع «أودد ينون» وكذلك «برنارد لويس».

لا شك أن المهمة كانت صعبة ومعقدة للغاية بخاصة في العراق الذي كان يعيش حالة من التعايش السلمي بين أطياف مجتمعه قبل دخول الجيش الأمريكي أراضيه واحتلاله وفرض وصايته عليه، ثم تدخل إيران المباشر في العراق واحتلاله من قبل عملائها ومليشياتها ليصبحوا جميعا في مسار واحد لتحقيق استراتيجية التقسيم.

وتعلم أمريكا علم اليقين أن سنة العراق سوف يكونون شوكة في حقوقهم، ومانعًا قويًا بوجه مخططاتهم، عكس شيعة العراق وكرده الذين يرون في التقسيم حلًا جذريًا لطموحاتهم.

فصبت أمريكا غضبها على سنة العراق وحاربتهم في كل الاتجاهات، وعلى كافة الأصعدة حتى سلطت عليهم حكومات متتالية حاقدة، ومليشيات طائفية مجوسية مجرمة، وصحوات خونة مرتزقة من داخل صفوفهم، أهلكوا الحرث والنسل، وحاربتهم اقتصاديا حتى أفقرتهم، ودمرت مدنهم حتى جعلتها مدن أشباح، وختمت على أي مشروع سني يطرح في الساحة من غير عملائهم بوسم الإرهاب، وأغلقت بوجههم كل المنافذ والأبواب!

أمريكا جعلت سنة العراق يسبحون ببحر من الدم بعد أن فككت مفاصل القوة لديهم، كان أولها حل الجيش العراقي الذي كان غالب قياداته من العرب السنة.

ثم جعلتهم أقلية عندما قسمت المحاصصة السكانية لتجعل نسبتهم 17% من سكان العراق وترتبت كل الحقوق والاستحقاقات على هذه النسبة، وهي نسبة أثبت الدراسات القديمة والحديثة بطلانها.

وحصرت التعامل مع سنة العراق إلا من خلال عملاء لها، وشجعت كل التحالفات السياسية ضدهم، واستخدمت كل أصناف الحروب لإبادتهم.

حرب مباشرة من خلال جيشها فشلت وخسرت.

حرب غير مباشرة من خلال الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية العراقية صنيعتها فشلت وخسرت.

حتى جاء عام 2006 وبالتعاون مع المليشيات المجرمة فجروا مراقد سامراء فكانت نقطة تحول خطيرة في الساحة العراقية وبداية الحرب الأهلية بتحريض وإشراف أمريكي إيراني، على إثرها تم استهداف سنة العراق قتلا واعتقالا وإجبار العوائل السنية على الهجرة إلى المناطق ذات الأغلبية السنية حتى صعب العيش والانسجام بين سنة العراق وشيعته وهو مراد أمريكا وهدفها الاستراتيجي في العراق وباقي المنطقة.

لقد تدرجت أمريكا في فرض مشروعها التقسيمي في العراق، بعد أن واجهه أهل السنة بالرفض التام، ولكن هذا التدرج كان يسبح في بحور من الدم، تجري من جراح سنة العراق، حتى صارت الخطوط الحمراء التي كانت ترفضها سنة العراق وتمنع الحديث فيها؛ مطلبا جماهيريا وحلًا مثاليا تطالب به نخب السنة وعوامها وتدفع في سبيله المهج!

وبعد مرور هذه السنوات العجاف على سنة العراق قتلا وتهجيرا وحصارا وتجويعا أصبح الوقت مناسبا والأرضية مهيأة تماما للتلويح بحل ينقذهم.

ليعود بايدن في 2013 و2014 ليطرح مشروعه من جديد حول تقسيم العراق بعد أن هيأت أمريكا الأرضية المناسبة له، واعتباره حلًا عمليًا لحقن الدماء، وإنهاء للاحتقان الطائفي في الشارع العراقي، وهو مضمون مشروع أودد ينون الأول فمنذ أن طرح المشروع وأمريكا وإسرائيل على نفس المسار في تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي!

أكده تصريح الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية CIA مايكل هايدن، بقوله: «إن الاتفاقيات العالمية التي عقدت بعد الحرب العالمية الثانية بدأت تنهار، مما سيغير حدود بعض الدول في الشرق الأوسط»، وقال هايدن لـ«سي إن إن»: «الذي نراه هو انهيار أساسي للقانون الدولي، نحن نرى انهيارا للاتفاقيات التي تلت الحرب العالمية الثانية، نرى أيضا انهيارا في الحدود التي تم ترسيمها في معاهدات فيرساي وسايكس بيكو، ويمكنني القول بأن سوريا لم تعد موجودة والعراق لم يعد موجودا، ولن يعود كلاهما أبدا، ولبنان يفقد الترابط وليبيا ذهبت منذ مدة»!

نص تصريحه في الرابط.

فماذا نحن فاعلون؟!

للكلام بقية إن أبقانا الله والحديث عن الحلول العملية لمواجهة هذه المخططات الاستعبادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد